آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'أقلام رأي'

يعيش المغرب أزمة مركبة سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوقية وثقافية ودينية وتعليمية ولغوية خانقة قاتلة. من ينكرها فهو أجنبي عن المغرب لا علاقة له بالمغرب. 
من أجل أن يخرج المغرب من أزمته الخانقة القاتلة هذه يتحتم على الدولة والشعب أن يقوما بتطبيق إصلاحات جذرية استعجالية تستهدف جوهر الأزمة. أما الإصلاحات السطحية الديكورية التجميلية الترقيعية فهي تضيف إلى الأزمة ثقلا إضافيا. 
ومن بين أهم الإصلاحات الضرورية لإنقاذ المغرب من أزمته الخانقة القاتلة نجد هذه الإصلاحات العشرة التي تدور حول الحريات والحقوق والاقتصاد والتعليم. فها هي بشكل مختصر: 
1 – يجب إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين والصحفيين والنشطاء. ويجب التوقف عن الاعتقالات والمتابعات الفكرية، ويجب التوقف عن مضايقة منتقدي الدولة والتوقف عن مضايقة ومحاصرة المظاهرات الشعبية السلمية، وهذا يعني أنه يجب على وزارة الداخلية أن تغير من عقيدتها الأمنية في القرن 21.  
2 – يجب إلغاء "قانون الأحزاب" الحالي الذي يمنع عمليا تأسيس الأحزاب الجديدة لأنه يقيد ذلك بشروط تعجيزية لا يمكن إلا أن توصف بالكوميدية. وكذلك يتوجب إلغاء تقديم ملايير السنتيمات من أموال الشعب كـ"دعم" إلى الأحزاب، فهذا تضييع شنيع لأموال الشعب. الشيء الطبيعي هو أن يستطيع أي مواطن تأسيس حزبه بمفرده أو مع جماعة من المواطنين ويجعل مقره في كراجه مثلا دون طلب رخصة ولا إخبار الدولة. هذا هو الحال في دول أوروبا وأمريكا الشمالية. أما "قانون الأحزاب" المغربي الحالي الكارثي فقد تمت صياغته بعقلية بوليسية مخابراتية، وهو يضع لائحة طويلة من الشروط التعجيزية موزعة على 72 مادة أو فصلا. ومن بين تلك الشروط التعجيزية أنه يجب على كل مواطن يريد تأسيس حزب سياسي جديد أن يجمع 1000 مواطن مغربي يسكنون في ثلثي جهات المغرب وأن يقنعهم بالسفر إلى مكان واحد للمشاركة في المؤتمر التأسيسي للحزب وأن يزود الدولة بمعلوماتهم الشخصية! 
بعبارة أخرى: "قانون الأحزاب" المغربي الحالي يشترط عليك أن تملك حزبا (1000 شخص) قبل أن يسمح لك بتأسيس حزب! وهكذا فإن القادرين على تأسيس حزب جديد بالمغرب هم إما أثرياء يملكون موارد ضخمة وجيشا من المحامين، أو هم جماعة أو لوبي مدعوم من أشخاص أثرياء أو نافذين، أو هم حركة شعبية متغلغلة في الشعب منذ عشرات السنين (مثل جماعات الإسلاميين المتغلغلة في المساجد والنسيج المجتمعي). أما إذا كنت مواطنا عاديا وتريد مع بضعة شباب من مدينتك أن تؤسسوا حزبا جديدا جهويا أو وطنيا لمعالجة المشاكل المحلية أو الوطنية ولمنافسة الأحزاب الحالية الفاشلة فالدولة عبر "قانون الأحزاب" تقول لك: لا لا لا! يجب عليك أن تأتينا بـ 1000 شخص من ثلثي جهات المغرب! يجب عليك أن تقوم برحلات مكوكية إلى كل أصقاع المغرب لتجميع 1000 مواطن لا تعرفهم من مناطق ومدن وقرى لا تعرفها ولم ترها يوما في حياتك! 
هكذا إذن يتم وأد ودفن أية محاولة شعبية مستقلة بسيطة للتغيير خارج سيطرة الأحزاب الريعية التقليدية الجاثمة على المغرب. وهكذا يتم تأبيد سيطرة هذه الأحزاب الريعية المترهلة السمينة على السياسة والبرلمان والمناصب. ولهذا ماتت السياسة بالمغرب. فهذه الأحزاب التقليدية مفلسة سياسيا ومترهلة متخمة بالمال ويكرهها أغلب الشعب. وتأسيس أحزاب جديدة شبابية حيوية قادرة على التغيير والحلول محل تلك الأحزاب السمينة الشبعانة الكسولة يصطدم بـ"قانون الأحزاب" الذي يحمي الأحزاب الريعية من خطر الانقراض الأبدي. لهذا يتحتم إلغاء "قانون الأحزاب" كليا وضمان حرية تأسيس الأحزاب الجديدة بلا قيود. 
3 – يجب التوقف عن تضييع أموال الشعب في ما لا ينفعه مثل الرياضة (تكاليف المنتخب والأندية والبطولة والتظاهرات الرياضية بمئات الملايير) ومثل السينما (تمويل الأفلام وتمويل المركز السينمائي بالملايير) ومثل بناء وزركشة المساجد (بمئات الملايير) ومثل المهرجانات الثقافية والغنائية والإعلامية التي تكلف مئات الملايير، وكل هذه الأشياء يجدر التخلص من أعبائها المالية عبر بيعها وتفويتها للقطاع الخاص والجمعيات المدنية. إذا كان في المغرب مريض واحد فقير أو متشرد واحد أو عاطل/معطل واحد أو طفل شوارع واحد أو حي عشوائي متعفن واحد فلا يحق للدولة أن تنفق درهما واحدا ولا سنتيما واحدا من أموال الشعب على كرة القدم أو على تصوير الأفلام السينمائية أو على استيراد المسلسلات والأفلام الأجنبية أو على المهرجانات الثقافية والغنائية والسينمائية أو على مؤتمرات وميزانيات الأحزاب أو على بناء وزركشة وصباغة المساجد أو على إرسال الأئمة إلى أوروبا! 
4 – يجب إصلاح النظام الضريبي عبر تخفيض أو إلغاء الضرائب والاقتطاعات على ضعيفي الدخل، وفرض ضرائب معقولة على الفلاحين الكبار وعلى الشركات الكبرى والمتوسطة. يجب خفض نفقات الدولة (والتوقف عن تبذير أموال الشعب على الكماليات) كي يسهل عليها خفض الضرائب لتنشيط الاقتصاد. 
5 – يجب إلغاء "قانون الصحافة" البوليسي المتغول حجما وسطوة (126 مادة) والذي يقيد حرية التعبير ويصعب العمل الصحفي الحر ويشرعن الرقابة على حرية التعبير على الإنترنيت ويهدد الصحفيين والناشرين بالمتابعات القضائية والغرامات الباهظة القاصمة للظهر. وأما مشاكل الملكية الفكرية مثل قرصنة المقالات الصحفية والفيديوهات والعلامات التجارية فالطبيعي هو أن تعالج بقانون الملكية الفكرية أو قانون حقوق المؤلف الموجود حاليا. ويجب إلغاء "الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا)" (HACA) التي وضعت خصيصا لبولسة (policing) ومراقبة ومعاقبة الإعلام وترويضه. ويجدر ضمان حرية مستثمري القطاع الخاص في إطلاق قنوات إذاعية وتلفزية حرة على القمر الصناعي أو بالبث الرقمي أو الهوائي الأرضي أو الإنترنيتي بإجراءات تسجيلية بسيطة لا تختلف في بساطتها عن إجراءات فتح حانوت للمواد الغذائية. الطبيعي هو ترك ديناميكية السوق الحرة تعمل عملها في الإعلام الحر دون تدخل الدولة.
6 – يجب إقرار حرية العقائد وحرية تغيير الأديان وحرية نشر الأديان والعقائد في الدستور. يحق للمغاربة المسلمين السنيين والشيعيين والمسيحيين والبهائيين وغيرهم أن يبنوا مساجدهم السنية ومساجدهم الشيعية (الحسينيات) وكنائسهم ومعابدهم ومدارسهم الدينية بكل حرية. ومن الضروري أن يتم إلغاء كل فصول القوانين التي تقمع الحريات الدينية والعقائدية مثل الفصل 222 من القانون الجنائي الذي يعاقب بالسجن من يمارسون الأكل العلني في رمضان، ومثل الفصل 220 الذي يعاقب بالسجن من يروجون الأديان. من حق أي شخص أن ينشر دينه أو مذهبه لدى المواطنين البالغين بشكل سلمي ما داموا غير رافضين وأن يوزع المنشورات الدينية في أي مكان عمومي بشرط عدم استهداف الأطفال والقاصرين. ويتوجب أن يتم الاعتراف بحقوق المغاربة المسيحيين والبهائيين والشيعيين والملاحدة والكفار والزنادقة وغيرهم في إعفاء أبنائهم من مادة التربية الإسلامية السنية في المدرسة، وبحقهم في الزواج بطريقتهم الخاصة أو بشكل مدني وبحقهم في تسمية أبنائهم بأسماء غير أمازيغية وغير عربية وغير إسلامية، وبحقهم في أن تكون لهم مقابرهم أو طريقة دفن خاصة بهم إذا أرادوا ذلك. ومن حقهم تأسيس جمعياتهم وأحزابهم السياسية الدينية المسيحية والشيعية والعلمانية والإلحادية واللادينية والكفرية والزندقية وغيرها مثلما أنه توجد في المغرب جمعيات وأحزاب سياسية إسلامية سنية. وبخلاف ما يظنه البعض فإن مناخ الحرية الدينية والتعددية الدينية هو الذي يجرد التطرف الإسلامي والإسلام السياسي من حاضنتهما الشعبية. فتربية الشعب على الحريات الدينية والتعددية الدينية يجعله ملقحا ضد التطرف الإسلامي وضد سطوة الإسلام السياسي. 
7 – يجب إصلاح التعليم بضمان مجانيته التامة للفقراء وضعيفي الدخل، وفرض رسوم مناسبة ومتدرجة على متوسطي ومرتفعي الدخل لتشجيعهم على الانتقال إلى المدارس الخصوصية أو لتحفيزهم على مراقبة التحصيل الدراسي لأبنائهم وبناتهم. ويمكن للدولة بهذه المداخيل أو التوفيرات في الميزانية أن توجه مئات الملايين من الدراهم إلى محاربة البطالة وإلى مشاريع السكن والصحة ومد الطرق إلى المغرب العميق ورفع جودة المدارس والجامعات ورفع جودة التعليم المجاني نفسه الذي يستفيد منه الفقراء. ويجب البدء في إقرار الثلاثية اللغوية الأمازيغية – العربية – الإنجليزية في التعليم والبدء في التخلص التدريجي من الفرنسية من الآن. ويجب على الدولة أن تبدأ في تدريس الأمازيغية والعربية والإنجليزية بنفس العدد من الساعات في كل المستويات، كما يجدر أن يتم البدء من الآن في استنساخ تجربة جامعة الأخوين في مدينة إيفران Ifran في تدريس العلوم والاقتصاد بالإنجليزية إلى بقية الجامعات المغربية. ويجب أن يتم تدريس وترسيم اللغة الأمازيغية Tutlayt Tamaziɣt بالحرف اللاتيني لكي تكون لديها القدرة على الانتشار كلغة وظيفية نافعة وعملية في المدرسة والجامعة والإدارة. 
8 – يجب تحرير وتبسيط النظام الانتخابي عبر رفع يد وزارة الداخلية عن الانتخابات والاعتماد على القضاة وهيئة مستقلة شفافة لتسيير الانتخابات وتقطيع الدوائر الانتخابية. ولا يعقل تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين بأموال الشعب، فهذا تبذير بشع لأموال الشعب على أفراد يبحثون عن السلطة والمناصب. 
ويجب التخلي عن الكوطات والحصص الانتخابية المخصصة للنساء والشباب لأنها تعرقل وتشوه الإرادة الشعبية وتتسبب في إيصال أشخاص إلى المناصب والمجالس على أساس عدد سنوات عمرهم أو جنسهم بدل شعبيتهم وبرامجهم. ويجدر أن يكون تقسيم أو تقطيع الدوائر الانتخابية مبسطا يكون فيه عدد الدوائر الانتخابية مطابقا لعدد مقاعد المجلس الذي نظمت بشأنه الانتخابات (مثل مجلس النواب) مع الموازنة مناصفة بين التمثيلية الديموغرافية والتمثيلية الجغرافية لتفادي تركز السلطة والنفوذ في المدن الكبرى ولتفادي تهميش المناطق القروية الفقيرة. ويجب التخلي تماما عن استعمال نظام "التمثيل النسبي" و"العتبات" و"أكبر بقية" و"اللائحتين الوطنية والمحلية" وبقية التدخلات الحسابية التي تشوه الإرادة الشعبية وتبلقن وتشرذم البرلمان لأنها تمنع أي حزب من الحصول على الأغلبية المطلقة في البرلمان. 
ورغم أن عدد مقاعد مجلس النواب يبلغ 395 فإن النظام الانتخابي الذي استعمل في 2016 يطمس ويخلط الأوراق بتقسيم المغرب إلى 92 دائرة انتخابية فقط وهي دوائر شاسعة المساحة كل واحدة بحجم إقليم، وهي صعبة التتبع المستقل ويسهل التلاعب بها، وبعضها ينتج مقعدين وبعضها ينتج 3 أو 4 أو 5 أو 6 مقاعد حسب مزاج وزارة الداخلية! وبعد التصويت يتم "توزيع" مقاعد مجلس النواب في تلك الدوائر بين الأحزاب بعمليات حسابية لا يفهمها المواطنون وغرضها منع فوز حزب واحد بأغلبية مطلقة في مجلس النواب. وتتعقد القضية أكثر بـ"اللائحة الوطنية" المكونة من النساء والشباب التي تستحوذ على 90 مقعدا في مجلس النواب! وهكذا لا يعرف المواطن أبدا من يمثل مدينته أو قريته فعلا في مجلس النواب لأن دائرته الانتخابية شاسعة بحجم إقليم ويمثلها 3 أو 6 نواب في مجلس النواب بجانب مرشحي "اللائحة الوطنية"! 
يجب حقا التخلص من هذا النظام الانتخابي والتقطيع الانتخابي الذي يذبح الديمقراطية بالضبط في يوم الانتخابات. 
الحل الأمثل هو جعل الدائرة الانتخابية الواحدة تساوي مقعدا واحدا (في مجلس النواب مثلا) يتنافس عليه مرشحو الأحزاب والمرشحون المستقلون القاطنون بتلك الدائرة، ويفوز بذلك المقعد المرشح الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات. فبما أن عدد مقاعد مجلس النواب هو 395 فإنه يجب تقطيع المغرب إلى 395 دائرة انتخابية، وبفضل هذا التبسيط يستطيع كل مواطن قاطن بتلك الدائرة أن يعرف بالضبط النائب الذي يمثله ويستطيع أن يتابع أداءه في البرلمان ويحاسبه ويتصل به لإيصال شكاواه. 
9 – يجب إقرار حرية التعبير الكاملة بلا قيود ولا شروط في الدستور وإلغاء كل القوانين التي تعرقل أو تعاقب أو تجرم ممارسة حرية التعبير بالمغرب. يحق للمواطن المغربي أن ينتقد أي شخص وأية ديانة وأية فكرة دون أن يخشى الاعتقالات والملاحقات القضائية والغرامات والعقوبات السجنية. 
10 – يجب رفع الظلم والتمييز عن اللغة الأمازيغية في الفصل 5 من الدستور المغربي الذي يعاملها منذ 2011 كلغة رسمية ثانوية مؤجلة أقل شأنا ودرجة ومرتبة من العربية. وهذا الفصل الدستوري الخامس الكارثي يقيد ترسيم اللغة الأمازيغية بـ"قانون تنظيمي" عبثي تتلاعب به الأحزاب في البرلمان ويشرعن هو الآخر دونية الأمازيغية وطابعها المؤجل والمقيد. يجب تغيير الفصل الدستوري الخامس جذريا عبر إقرار نص دستوري عادل وواضح يساوي بين اللغة الأمازيغية واللغة العربية في صيغة خالية من الأفخاخ البلاغية والتشريعية والمراوغات والمخادعات. ويجب أن تساوي الصيغة الدستورية بين الأمازيغية والعربية مساواة تامة وأن لا تقيد الأمازيغية بأية قيود تشريعية أو بيروقراطية تأجيلية تمييزية مثل كارثة "القانون التنظيمي". الصيغة الدستورية المقترحة هي: 
"الأمازيغية والعربية هما اللغتان الرسميتان للدولة المغربية، ويجب على الدولة استعمالهما بالتساوي في كل المؤسسات والإدارات والمحاكم، ويجب تدريسهما بالتساوي في كل المدارس والمستويات التعليمية لجميع المغاربة". 
Tamaziɣt ed Taɛrabt d-nitenti yellan d-tutlayin tisiranin en Uwanak en Murakuc, aha yuccel i Uwanak ad tent yessewri es tugdat deg wakk tuddsiwin ed tdeblin ed tsenbaḍin, aha yuccel ad ttwaslemdent es tugdat deg wakk iɣerbazen ed yiswiren islemdanen i Yimurakucanen aɣrud nsen 
ومن الضروري تأسيس "أكاديمية للغة الأمازيغية" بمرتبة جامعة University (بالأمازيغية: Tasdawit) متخصصة في تكوين أفواج معلمي وأساتذة اللغة الأمازيغية والمترجمين بالأمازيغية والمحررين الصحفيين والإداريين والقضائيين بالأمازيغية وفي تمزيغ العلوم عبر ترجمة الكتب والقوانين والمراجع العلمية إلى اللغة الأمازيغية وفي إجراء الأبحاث الميدانية حول لهجات اللغة الأمازيغية في كل أعماق المغرب. 

بتاريخ الأحد 12 مايو 2019 - 22:02:08 / عدد التعليقات :

الخطر الكبير  الذي  تعرفه المدرسة العمومية حاليا، و الذي كشف عنه مشروع قانون الاطار،   و منذ سنة 2014 ، بعد  إلغاء ما كان يسمى ب"ثانويات التميز " من طرف الوزير  الوفا، و التي هي في الواقع ثانويات تمييز طبقي و اجتماعي، و التي لا يلجها الا المتميزين من أبناء المحظوظين، المتقنين للغات الاجنبية.  حيث تعتمد الانتقاء بناء على إتقان اللغات الاجنبية أساسا، الخطير هو  أن وزارة التربية الوطنية، تعمل  و تتخذ الكثير من الاجراءات  التربوية  التي تتنافى مع المقتضيات الدستورية، على اعتبار أن تنصيص الدستور على أن اللغتين الرسميتين للمغرب هما العربية و الأمازيغية، مما يقتضي  عمليا أنهما لغتا التدريس في المدرسية العمومية، كما هو معمول به في كل دول العالم ، و من هذه الاجراءات التربوية غير الدستورية  خلق  ما يسمى ب"مسالك البكالوريا الدولية" التي ليست في الحقيقة سوى " بكالوريا مغربية مفرنسة" بأقسام خاصة تقوم على الانتقاء اللغوي،  محدثة  بذلك شرخا و  تمييزا لغوي- طبقيا في المدرسة العمومية( لان التمييز اللغوي في المغرب بين الفرنسية و اللغات الوطنية يحمل في طياته تمييزا طبقيا و ثقافيا و إقصاء إجتماعيا.)، و سرعان ما شرعت في تعميمها سنة 2017  في التعليم التأهيلي،  بدءا من الجدع المشترك ، و في نفس الوقت قفزت الى البدء في فرنسة السلك الاعدادي بفتح المسالك الدولية فيه،  و هي مسالك فرنسية صرفة، تقوم على الانتقاء اللغوي ( اتقان اللغة الفرنسية)، و ستبدأ في تعميمها الآن ،  لتنتقل مباشرة الى فرنسة لغة التدريس في الابتدائي بعد المصادقة على مشروع قانون الاطار. و لا يخفى على أي مراقب و متتبع للشأن التربوي بالمغرب أن خلق أسلاك " البكالوريا المفرنسة"  و بعدها مباشرة خلق الأسلاك "  المهنية" في الاعدادي و التأهيلي للمدرسة العمومية، ليس في  مخرجاته سوى فرز طبقي واضح، بتوحيه أبناء الفقراء و الفئة الدنيا من الطبقة المتوسطة الى المسالك المهنية، و توجيه أبناء الفئة العليا من الطبقة المتوسطة الى المسالك الدولية المفرنسة، في الوقت الذي يتكفل في التعليم الخصوصي بتقديم خدماته لأبناء المحظوظين فقط . و هذه المسالك الدولية التي ليس في الواقع سوى نقل و إحداث نموءج للتعليم الخصوصي داخل المدرسة العمومية، التي بعدما تعاني من المنافسة غير الشريفة لها من طرف التعليم الخصوصي، الذي يقتات على مواردها البشرية، و  صارت تعاني من تمزق داخلها، تمزق و تمييز على الاساس اللغوي الذي تماهى مع التمييز الطبقي، و بذلك تم ضرب  مبدأ تكافؤ الفرص، الذي يعتبر الركن الركين في المدرسة العمومية، و الذي إذا مس فقدت المدرسة العمومية مبرر وجودها. و هو كذلك مبدأ و حق دستوري.
و لان نقل الفرنسة الى الابتدائي يحتاج الى قانون، لانه سيمس فئات عريضة من المجتمع، حوالي ثلثي الديموغرافيا المدرسية، و لا يمس في الاعدادي سوى 30 % من هذه الديموغرافية المدرسية، و في التأهيلي يمس أقل من 10 %فقط، و بالتالي فالانعكاسات الخطيرة  لهذه الفرنسة  ستكون كبيرة في الابتدائي و لذا تحتاج الى قانون يشرعنها. 
خلاصة القول  إن الوزراة تشتغل منذ مدة خارج المقتضيات الدستورية، و لا تسعى من خلال قانون الاطار سوى الى تسوية للوضعية غير القانونية  للاجراءات التربوية التي تعمل بها، و ذلك باخراج هذا القانون الذي سيلائم الوضع القائم و الامر الواقع... و أؤكد ان كل هذه الاجراءات التربوية و قانون الاطار الذي سيصدر جاء  لتبريرها و تكريسها و شرعنتها، و هي اجراءات  تتناقض مع المقتضيات الدستوية، و لذا فيجب: 
-أولا  : مقاضاة وزارة التربية الوطنية، بسبب هذه  الاجراءات التربوية  الحاري بها العمل،  و التي اتخذتها لانها غير قانونية  تتناقض مع القانون و الدستور( إحداث ما يسمى بالاسلاك الدولية في التأهيلي و الاعدادي)، و السعي الى  إلغاء  العمل  بهذه المسالك الفرنسية، غير قانونية و غير الدستورية حاليا.
-ثانيا: الطعن دستوريا في ما يسمى ب" التناوب اللغوي"  في قانون الاطار ، الذي يناقض مع مقتضايات الدستور، هذا القانون الذي لم يأتي إلا لشرعنة وضع قائم و أمر واقع.

بتاريخ الأربعاء 17 أبريل 2019 - 23:13:01 / عدد التعليقات :

كل شركة أو مؤسسة أو إدارة تتوفر في بنيتها التنظيمية على موارد بشرية وموارد وظيفية ، فالعلاقة الرابطة بين الموردين تكاملية ، بحيث أن الأولى تسعى لاستثمار أفضل وأنجع للثانية، كما أن هذه الأخيرة تسعى لتسهيل عمل الأولى، لذلك فإن الفصل بينهما مسألة غير مقبولة منهجيا وإلا سيختل التنظيم، وكذا الشأن بالنسبة للمؤسسات التربوية ، فتوفير الموارد الوظيفية وتعبئتها لا يعني أن أداء هذه المؤسسات سيكون في أحسن منوال.
 
لطالما كان إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية نقاشا عموميا بدول  العالم الثالث، ذلك أن إصلاح المقررات وتغيير السياسات التربوية بالانتقال من بيداغوجيا الأهداف إلى المقاربات بالكفايات لم تعط أكلها، إلى درجة ربط المنظومة ككل بالفشل بفعل مشاكل من المقدور التغلب عليها ظرفيا كالاكتظاظ في الفصول الدراسية وغياب الموارد المادية والرقمية المواكبة للمستجدات ، ليبقى السؤال نسيج وحده : لماذا المدرس غير قادر على تحويل الصحراء إلى واحة ؟ وأين يتجلى دوره التربوي إذا مرر خطاب الانهزام الاستسلام للجيل القادم ؟
 
على مدار استقلال العالم الثالث ، تسرب إلى الجسم الوظيفي للمنظومة التربوية، ثلة من النخب الإيديولوجية ، التي جعلت  من الجيل القديم مفتاح الترويج للفكر والتصور ، وجعلوا مهمتهم في تأطير وتوجيه التلاميذ والطلبة محدودة للغاية، حيث أن طابع المهنية لدى الإطار التربوي فقد بشكل كبير وواضح : إذ تجده يمضي في الحديث عن حياته الشخصية مستهلكا حيزا زمنيا مشهودا ، أو العمل على انتقاد التلميذ بصورة تبخيسية عز نظيرها، بل ومحاولة الترويح عن الطلاب بإعطائهم عمل ينجز في خمس دقائق وجعله في 30 دقيقة كمدة للإنهاء. في الضفة الأخرى من ممارسته للمهنة ، يحضر للنقابات ويشارك في أشغال جموعها العامة متحدثا عن إكراهات الاشتغال مردفا لمشاكل بنيوية ، جاعلا منها المشكل العويص العائق وراء تقدم مسيرة التعليم، مستغلا الفراغ النقابي المنصوص عليه دوليا " حق الإضراب" ليواصل عمله في ضرب المنظومة من الداخل ، وأحيانا يتفرغ لدراسة "الماستر" أو "الدكتوراه" غير مهتم بالمكتسبات القبلية والبعدية والأنية.
 
لا شك أن هذا الوصف ، قد ينطبق على واقع حال الممارسة التربوية بالمغرب على وجه الخصوص، حيث ظلت التمثيليات النقابية تدافع بصورة أو بأخرى تناضل من أجل تحسين وضعية الأستاذ ، ووضعتها شرطا أساسيا للارتقاء بالممارسة، وكأن لسان حالهم يقول : "أن الأستاذ يعاني من عدم توفر أرضية الاشتغال ولا حديث مقبول عن كفاءته"، حينها صار التركيز على الأستاذ ووضعها في مركز الإصلاح ، وهو ما يخالف التوجهات العامة للميثاق الوطني للتربية والتكوين ، الذي ينص على جعل "المتعلم في مركز الفعل البيداغوجي « action pédagogique »" ، إذ تنص الغايات الكبرى للميثاق على ما يلي : " يقف المربون والمجتمع برمته تجاه المتعلمين عامة، والأطفال خاصة، موقفا قوامه التفهم والإرشاد والمساعدة على التقوية التدريجية لسيرورتهم الفكرية والعلمية وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي، واستيعاب القيم الدينية والوطنية والمجتمعية".
 
من ناحية أخرى، استطاعت بعض النخب الدينية، الانسلال للمنظومة التربوية المغربية، ونقض توجهات منهاج "التربية الإسلامية " بالتعليم الابتدائي والثانوي ، بمحاولة زرع أفكار تتناقض مع الوسطية ، التي تعد من القيم المرجعية في المنظومة الإسلامية ، وأحيانا اعتماد طرائق بيداغوجية تخلط بين المقدس والمدنس، غير مكترثين بسمو المرجعية الإسلامية ومقاصدها الوجودية والكونية والحقوقية ، فتم ضرب المنظومة القيمية من الداخل.
 
على المستوى الديداكتيكي ، فالملاحظ ، أن المعارف والمواد التي تتطلب نقلا ديداكتيكيا موسعا_ أي مواد اللغات_ بحيث أن نقل المنظومة اللغوية لم يهتم بالنظريات المعاصرة في ضبط اللغة، والتي تهتم ببنية اللغة في شموليتها وعلاقتها بالأبعاد التواصلية والسياقية مع اعتماد الوظيفية اللغوية من أجل خلق تكامل بين المعارف، فصارت العربية لغة إما دينية أو شعرية أو قصصية ، وأطرها نخب إيديولوجية خالصة بفعل النقل غير الموفق والذي صار يحافظ على واحد من الطابوهات " الخصوصية اللغوية والثقافية" ، فتم ضرب المنظومة اللغوية من الداخل ، لحد صارت العربية عاجزة على مواكبة المستجدات بفعل إخراجها من سياق موسع وإدخال لسياق ضيق يخرجها من المحتوى، ويدخلها في "اللافاعلية".
 
بعد استعراض موجز ومبسط ، للهوة الديداكتيكية ، والشروخ البيداغوجية القاتلة، وعدم أهلية الموارد البشرية لإصلاح ما يمكن إصلاحه، صار من المشروع والمتفق عليه ، الحديث عن مشروع "مدرس المستقبل" ، الذي سيكون معراجا نحو تكوين أطر في التربية، قادرين على إغناء النقاش في إصلاح المنظومة بفعل الممارسة والبحث التربويين.
 
في هذا الصدد، فإن الاحتجاجات الإيديولوجية لما سموا نفسهم " بالأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد" ، يعكس بجلاء ، مدى عدم الإيمان بفكرة "الانتماء للمؤسسة" ، وأداء الواجب مع كفالة الحقوق وتضمن الواجبات، حيث أن المطالبة بالترسيم، أمر مأسوف عنه ، نظرا لسمو المؤسسات والصلاحية الكاملة التي تمتلكها في توجيه الموارد البشرية ، فهل يجوز للاعب كرة قدم أن يطالب نادية بعقد أبدي ؟ وهل يجوز لموظف في شركة أن يطالب بأبدية الوظيفة دون الكشف عن مؤهلاته ؟ أليس التعاقد حلا سحريا لمحاربة التقاعس في أداء المهام وتنشيط الدورة الدموية للجهاز التدريسي ؟
 
على هذا الاعتبار ، فإن إعادة هيكلة المنظومة ، لا يمكن إلا تتم إلا عبر إعادة التكوين الذي يخضع له أطر التدريس القادمين، فبعد اجتياز البكالوريا ، وجب فتح مسالك تربوية ، تعبأ لها كافة الوسائل اللوجستيكية والتنظيمية والموارد البشرية القادرة على تمرير الخطاب التربوي الرسمي للبلاد من أجل ترسيخ " المهننة " كوسيلة أساسية للارتقاء بالمنظومة ، والتي زكاها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي كشرط أساسي في تقاريره الاستشارية.
 
هذه الرؤية ، التي نص عليها المجلس في تنظيره (2015-2030)، تم الاشتغال عليها من طرف الإطار التنفيذي الرئيس، بمشروع الإجازة في التربية بمسلكي "التعليم الإبتدائي" ، الذي يشكل النواة الصلبة للبحث الديداكتيكي العام ، والابتكار البيداغوجي بفعل تركز الاشتغال على البيداغوجيات في هذه المرحلة ، ومسلك التعليم الثانوي ، الذي سيوفر أطرا متمكنة من من الأبعاد الإبستيمولوجية ، مستوعبة للخطاب التربوي ، وباحثة في ديداكتيك المادة المدرسة ، بغية تكوين أطر متخصصة ، فكيف لمتخصص منشغل بالتربية وقضاياها أن يعمد لبث ممارسات غير مهنية َ؟
 
صفوة القول، إن أزمة المنظومة التربوية بالمغرب تعيش مراحلها الأخيرة، بفعل التشخيص المؤسساتي الذي ساهم فيه الفاعلين في المنظومة، بتوفير أطر قادرة على إعادة الهيبة للتربية والبحث التربوي، مما سيساهم في إنقاذ جيل قادمة ستحظى بشرف الدراسة والتعلم على يد أطر استعدت لاستقبالها بالعدة البيداغوجية والمعارف الإبستيمولوجية، لتكون بداية العشرينية الثانية من القرن الحالي ، عهدا جديدا لمغرب المؤسسات والحكامة الجيدة والإدارة الرشيدة.

بتاريخ السبت 09 مارس 2019 - 04:12:02 / عدد التعليقات :
LAN_GOPAGE  1 2 3 4 5 6 7 8 9 10  LAN_NP_LAST