آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'أقلام رأي'

راني عيادي
في عبارة الاعتقال السياسي هناك مصطلحين " الإعتقال" و "السياسي". الإعتقال عارفين شنو هو، يعني السجن. و كيبقى المصطلح "السياسي" غير معرفة قانونا. ماكاينش شي قانون اللي كيحدد ماهية "السياسي" في مفهوم "الإعتقال السياسي".

هذه العبارة ماشي حكر على حركة أو منظمة بل هناك العديد من المنظمات محلية أو دولية كتصدر بين الفينة و الأخرى بيانات تنديد بالإعتقال السياسي. بالمغرب، هذه البيانات غالبا ما تلاقى بمواقف متباينة. لا مبالاة الإنسان "العامي" الذي لا يوليها أي اهتمام إلا من رحم ربك من واع بالمرحلة و أهمية التضامن مع المعتقل. الموقف الثاني هو اللي كيتعلق بالمثقف و علاقته بالاعتقال السياسي اللي غالبا ما يكون متجاهل ان لم يكن جاهل بالأمر. أقول التجاهل لأن هو الموقف العام و إن كان هناك مثقفون كانوا هم أيضا من ضحايا الاعتقال السياسي و لهم مواقف مشرفة لحد الآن. أما الحكومات و الأنظمة فمن الطبيعي جدا أنها تنفي وجود معتقلين سياسيين كما ورد في تصريح لوزير ما يسمى تجاوزا "بالعدل" السيد مصطفى الرميد.
على ذكر السيد الرميد، الانسان المتتبع للشأن السياسي يعرف أن هذا المحامي كان فواحد الوقت من الناس اللي يدافعو على معتقلي الرأي و هذا يشهد له به. أما و هو في الجهاز التنفيذي الآن، ما عرفناش بأي قدرة قادر رجع من المدافعين على نظام معروف عبر التاريخ بالمحاكمات التاريخية لمعتقلي الرأي. الحركة الإسلامية ذاتها اللي كينتمي ليها هذا الانسان تعذبات مع النظام في ما يخص الإعتقالات والأحكام الجائرة اللي صدرات في عدد من مناضليها.

إذن، كاين ثلاتة مواقف متباينة: اللامبالاة الشعبية، تجاهل ا لمثقف و نكران الحقيقة من طرف النظام الحاكم. الرميد جزء لا يتجزأ من هذا النظام لأن الحكم ليس بيد الحكومة التي ينتمي لها بقدر ماهو من مسؤولية المخزن و النظام المخزني و على رأسه رئيس الدولة اللي هو الملك. اللي يمكن يفاجأنا هو أن النظام يعترف بوجود معتقلين سياسيين كيفما اعترف بسنوات الرصاص أما النكران فذاك من طبيعة الأمور عند الملأ الحاكم.

اللي كنعرف هو أنه لا وجود لتعريف قانوني للمعتقل السياسي. على حسب معرفتي بالمسألة السياسية و الإعتقال السياسي، كاين قانون واحد عند العرب اللي عرف المعتقل السياسي. يتعلق الأمر بواحد القانون اللي صدراتو السلطات العراقية بعد سقوط صدام حسين، اللي هو " "قانون مؤسسة السجناء السياسيين" رقم 4 لعام 2006".هاد القانون العراقي كيعرف السجين السياسي على أنه هو اللي تحبس أو تسجن لمعارضته للنظام السابق في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسي أو تعاطفه مع معارضيه أو مساعدته لهم. المعتقل السياسي هو اللي تعتقل لنفس الأسباب.

فواحد المقاربة للأمر تقدم بها عبدالله سليمان علي لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، الباحث كيفرق ما بين معتقل سياسي و سجين سياسي. تيقول فهاد المقال :" والفرق بين السجين السياسي والمعتقل السياسي في هذا النص، هو أن السجين يكون قد صدر بحقه قرار قضائي بالحبس أو السجن، أما المعتقل فهو من تحجز حريته دون قرار قضائي. أي أن المعتقل السياسي بمفهوم النص هو : ((كل شخص تم توقيفه أو حجز حريته بدون قرار قضائي بسبب معارضته للنظام البائد، في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسي أو تعاطفه مع معارضيه أو مساعدته لهم ))".

الإعتقال السياسي، إذا خذينا بعين الإعتبار هذا التعريف، ممنوع في كل المعاهدات و المواثيق الدولية دون استثناء. بالنسبة لينا حنا لمغاربا، الإعتقال السياسي محضور دستوريا و قانونيا. الدستور الممنوح نص على إحترام الحق في ابداء الرأي السياسي و في مجموعة حقوق أخرى كالفعل النقابي و الثقافي إلخ.

غالبا أيضا ما كنستعملوا في نفس العبارة مفهومين مختلفين. كنتكلموا على "المعتقل السياسي" و على "معتقل الرأي". واحد جزء من الآخر. أي أن معتقل الرأي مفهوم عام يجمع كل من عبر على رأي معين أما السياسي فهو جزء من اعتقال الرأي، لأنه يعتقل بسبب التعبير عن رأي سياسي أو انتماء حركي حزبي سياسي. الوقع أن كلشي هاد المعتقلين إنما هم معتقلي رأي بصفة عامة.

فاين ممكن نختالفوا هو أنه كاين فرق، في نظري، بين معتقل سياسي و مجرم سياسي. المعتقل السياسي عرفناه قبلا أما المجرم السياسي هو اللي يرتكب جريمة من أجل تزكية مشروعه السياسي بحال مجرمي الدم أي الضالعين في قتل المنافسين السياسيين. هنا كتبقى الإشكالية، واش كل من هب و دب يمكن الدفاع عنه باعتباره ناشط سياسي بغض النظر عن الجريمة اللي اقترفها. واش اللي قتلوا شكري بلعيد أو قبله عمر بنجلون عندنا أو المعطي بوملي أو آيت الجيد أو الناس اللي كيستعملوا الإرهاب الدموي و عمليات تفجير أو التخطيط لعمليات عنف، يمكن اعتمادهم كمعتقلي رأي أو معتقلين سياسيين.

هاد الناس يطرحوا لينا مشكل كبير. المشكل هو أنه غالبا ما تكون المحاكمات غير عادلة تحت نظام لا يمكن الثقة في نزاهته أبدا لأن الماضي لا يرحمه و سنين الرصاص و المحاكمات الصورية و التعذيب إلى غير ذلك من الأسباب تخلينا نشككوا في عدالة المحاكمات و بالتالي اعتبار هؤلاء سجناء رأي.

السؤال المطروح هنا هو واش هاد المعتقلين اللي تحكموا بسبب ارتكابهم إحدى الجرائم المعاقب عليها قانونا هم معتقلين سياسيين؟ اللي خصنا نعرفوه هو أن نظام لا يعترف بالرأي الآخر ممكن يلفق أي تهمة جنائية لمنافس أو معارض سياسي. نعطيوا أمثلة ديال بعض المناضلين لقراب من حركة 20 فبراير اللي تحكموا بسبب حيازة حشيش أو أسباب أخرى تبدو في ظاهرها جنائية و لكن اللي يعرف تاريخ هاد النظام مع التهم الملفقة يشك في أي اعتقال على خلفية سياسية أو رأي بحال اللي وقع لسعيد الزياني من طنجة، وسقراط من مراكش. صعب جدا معرفة الحدود بين السجين السياسي و الجنائي.

مازال باقي نتذكر قضية المعتقلين ديال العدل و الإحسان اللي تحكموا في قضية قتل المعطي بوملي بوجدة. اللي معاهوم في الخط كان يقول هذا اعتقال سياسي و اللي ضدهوم مثل علي يعتة آنذاك تيقول هذا اعتقال اجرامي أو ما سماهم بمعتقلي الدم. الشيطان كيكون في التفاصيل و الحكم كيعرف يلعب بهاد التفاصيل لصالحه. لأن كيفما ذكرنا في قضية الدراري اللي تحكموا بسبب تناول مخدرات أو بيعها، ما يمكنش نكونوا واثقين 100% بأنه حقا تم اعتقالهم لهذه الأسباب و ليس لأنهم معارضين.

النظام قادر يجهز على أي معارض بتهم أخلاقية أو حيازة حشيش أو أي تهمة وا هية و يعتبر القضية جنائية و هي في حقيقة الأمر اعتقال سياسي لأنه لو كان ماشي معارض يمكن ما يتحكمش بتهمة استعمال مخدرات و الشعب عامر مستهلكي الحشيش بالعلالي.

النظام في عهد الحسن الثاني كان يعمر الناس بالأسلحة و يقول ليهوم يخبيوها في بيوت معارضين أو مواقع قريبة منهوم باش يسهال عليه أمر إدانتهوم. هاد المسألة ماشي غريبة على اللي تيعرف تاريخ الرصاص. نذكركوم بقضية دارت بوم بلبلاد و هي قضية خلية بليرج. تم إطلاق سراح المعتقلين الذين سميناهم سياسيين في الوقت اللي تم الإحتفاض على بقية المعتقلين. فاين هي الحقيقة؟ فاين هي الحدود بين السياسي و الإجرامي في هذه القضية؟ كانطرح السؤال ليس لأني اعرف الاجابة بل لأن السؤال حقوقي بالدرجة الأولى. والتعاطي معاه تعاطي سياسي من طرف النظام

على أية حال، المغرب عندو قصة مع الاعتقال السياسي و تلفيق التهم لإسكات المعارضين. في السجون المغربية من هم معتقلي رأي حقيقيين غصبا عن رأي الرميد و حكومته و النظام اللي جامعهوم كاملين. هناك أيضا معتقلين فالواقع كايديروا السياسة و لكن تشدوا في تهم جنائية لابد نلقاوا ليهوم تعريف. اما أنهم معتقلي رأي نحطوهم مع معتقلي الرأي الطلابيين و معتقلي حركة 20 فبراير و إما نحطوهم في دائرة معتقلي الحق العام. اللي خاصنا نعرفوه هو أن هاد المعتقلين كيدافعوا عليهوم حبابهوم و منادلي الجماعات الحقوقية على أساس أنهم معتقلي رأي و أذكر معتقلي السلفية الجهادية و معتقلي خلية بليرج.

كمناضلين سياسيين قبل مانكونوا مناضلين حقوقيين كنطالبوا بإطلاق كافة معتقلي الرأي اللي في سجون لبلاد. بل أكثر من ذلك كانطالبوا النظام و المنظمات الحقوقية باش تكون هناك سياسة حقيقة ضد مستقبل قد يمشي في نفس نهج سنين الرصاص. التعذيب باقي و تلفيق التهم حتى هو، و المحاكمات الصورية تقليد مغربي أصيل للنظام الحاكم. العودة لنقاش سنوات الرصاص عبر اعتماد محاكمات عادلة لمجرمي حقوق الانسان و المسامحة، المهم تكون هناك محاكمات حتى لا ننسى. السجين ماهو إلا أي مواطن مغربي يقرر الملأ الحاكم وضعه تحت المراقبة أي الإعتقال السياسي.

بتاريخ الاثنين 15 أبريل 2013 - 17:03:06 / عدد التعليقات :

رشيد شباري سمير
بكامل الوعي والمسؤولية التاريخية، بكل الثبات والرصانة، بكامل التأني والنأي السياسي المفترض عن الإطارات السياسية اليسارية والتقدمية والديمقراطية المهيكلة والناشطة داخل المجتمع، بكل الاحتراس والصدق والالتزام، نتقدم ونحن ندرك تمام الإدراك صعوبة التأثير والإقناع لفتات اليسار وقوى التقدم لما تنضح به من نزقية إيديولوجية متفاوتة الحدة، أثرت بكثير السلبية على مسار اليسار وقوى التقدم حتى صار الفرد داخل هذا الفضاء كيانا إيديولجيا وسياسيا قائم الذات لا ينصت إلا لذاته لما اكتسبته - هذه الذات - من نرجسية ضخمة في النباهة المفرطة تجاه كل المبادرات الوحدوية - رغم ما شابها مما شابها- .
نتقدم بما يمليه علينا الواجب نحو تاريخنا و مرارة تضحياتنا وأرواح شهدائنا، نتقدم تجاه فضائنا اليساري باعتبارنا قطعة منه بل لبنة من لبنات التأسيس للتجربة اليسارية المكافحة في المغرب منذ زمن بعيد، و أمام التغول الإسلامي في الدولة و المجتمع، رغم سذاجة وسطحية أطروحاته مقابل التشرذم اليساري الذي أنهكته الانتهازية والوصولية من جهة، وتنطعات اليسارية باعتبارها عن حق " مرض الشيوعية الطفولي " من جهة ثانية، نتقدم بمبادرة لا تستبعد كل الاعتبارات السابقة ما يجعلها مبادرة متواضعة تكتسب سموها في تواضعها مع الإدراك التام بكل السهام التي ستنالها من لدن معطوبي اليسار ( و الأعطاب هنا بدهيا ليست بيولوجية على كل حال ) قصد اجتثاتها من الجذور قبل استفحالها انسجاما مع طموحاتهم الانتهازية المتعارضة مع كل مبادرة قد تفضي إلى انكشاف " مسامير جحا " داخل الفضاء اليساري المفترى عليه بكثير من الظلم والجحود رغم حجم الاحتراقات التي لم تنتج سوى الرماد ..
و عليه، فإنها الدعوة الأخير ربما التي تراعي كل المبادرات السابقة وتراعي سياقاتها التاريخية و السياسية فإننا نتقدم باقتراح أولي قابل للنمو إذا ما توفرت له الإرادة الصادقة، يتمثل - الاقتراح- في بناء فضاء واسع للتواصل بين مكونات " العائلة " التقدمية بكل مكوناتها الجماعية و الفردية من أجل فرز إطارات موحدة قادرة على استيعاب اللحظة التاريخية و تعبيد مخارج سياسية واجتماعية مدنية ، فكرية وثقافية وفنية، فاعلة بقوة ومؤثرة بقدر قوة النظرية الحاملة لها لما لها من مشروعية عقلية وعلمية ومنطقية تتمتع بجاذبية شعبية في مواجهة وضاعة بضاعة الأكثرية الشعبوية الناتجة عن مخططات التضبيع المكرسة في مصانع التضبيع المخزني و الظلامي ..
فضاء تقدمي يؤمن ويجهر بالعلمانية ( اللائكية ) والمنهج الماركسي في التحليل والتأويل. ويمتح من الاجتهادات الفكرية والسياسية والفلسفية التقدمية، قادر على فرز تعبيراته السياسية والاجتماعية فيما هو قادم من الأيام..
من أجل " حركة التقدميين المغاربة " ( حتم ) تتأطر قانونيا ضمن جمعية للبحث السياسي و العمل الاجتماعي ..
هو اقتراح مطروح للنقاش للإطارات و الأفراد و للتواصل يمكن ربط التصال بالمايل التالي :
progrecontact@gmail.com

بتاريخ الاثنين 15 أبريل 2013 - 16:19:12 / عدد التعليقات :

يونس فنيش
ماذا؟ حذف القرار الحكوميّ 15 مليار دينار من الاستثمار العمومي...؟ لا، لا، القرار الحكومي لم يحذف سوى هدر إضافي لمال الشعب، كما أنه قطع الطريق على بعض المقاولين و التجار الذين لا يقتاتون سوى من الصفقات غير الضرورية و المشبوهة التي تمنحها لهم الإدارة المتخلّفة في إطار المحسوبية و لا شيء غير المحسوبية، إلا من رشوة إضافية مباشرة أو غير مباشرة. فلقد تعود الشعب في ما مضى على أن كلما ذهب وزير و جاء آخر إلا و بادر بإنشاء مصعد يليق بمقامه، خاص به لوحده لا بغيره، ثم أمر بتغير تجهيزات الحمامات في إدارته من زليج و نقش و ما إلى ذلك، قبل أن يخصص 5 ملاين شهرية من مال الاستثمار العمومي لتوفير الورود و الشكلاطة كل صباح في مكتبه الوزيري الذي يغير أثاثه كلّه من أوّله إلى آخره. لقد تعود الشعب في ما مضى على أن كلما حان وقت ذهاب وزير إلا و مكّن نفسه بنفسه من ملايين الدنانير الكثيرة، في الدقيقة الأخيرة قبل مغادرة مكتبه الفخم المريح، كمكافئة أعجوبة له من مال الشعب المخصص للاستثمار العمومي...
فالشكر كل الشكر موجه إلى الحزب الذّكي الذي يعد بالعدالة و التنمية. و الخزي و العار لكل مشترك سياسوي قائديّ انتهازي وصولي لا مبادئ له في إطار اشتراكية مقيتة تهدف إلى إحلال الحرام. فالحلال بيّن و الحرام بيّن. و تحية للعالم المقاصدي المقدام و الشيخ الجليل الأستاذ المربّي أحمد الريسوني.

و كل تطابق مع شخصيات حقيقية مجرد صدفة في الجزيرة العجيبة.. الغريبة.. الأعجوبة المعزولة...فيا لها من رواية أدبية إبداعية خيالية محضة..

سيداتي، سادتي، إنما الشطحات السياسوية البهلوانية لسياسويين، مشتركين في إطار اشتراكية مقيتة، لا يحبهم أحد، و لا يعتبرهم أحد، و لا يقدرهم أحد، و لا يحترمهم أحد، لن تنفع لإثارة الانتباه إليهم في جزيرتنا...، و ذلك لأن لا وزن لهم، و لا أهمية لهم بتاتا، و بالتالي فلا مكان لهم في روايتنا و رواياتنا الأدبية الجادّة. نعم، هذا إقصاء، و لكنه إقصاء مبارك إن شاء الله، لأن لا مجال لضياع الوقت بعد اليوم مع هؤلاء المساكين التائهين الذين أعمى أبصارهم الطمع و الجشع، و أتلف عقولهم الخبث و المكر السيئ، فانغمسوا في دناءة مقززة فظيعة لا ينفع معها سوى التجاهل التام و الاهتمام بدلا عنها بالأمور الجادة و بالناس الطيبين الذين يستحقون المتابعة و النقد، و النصح.

سيداتي، سادتي، إنما الأزمة تكمن في فراغ الساحة السياسية الحزبية من أي حزب يستحق الذكر باستطاعته معارضة الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية معارضة جادّة تلفت الانتباه. فالأزمة إذا كبيرة. و إذا كانت من معارضة تستحق الذكر فهي معارضة الجماعة القوية أفكارها، و لكنها جماعة للأسف محظورة. فأن يهاجم رئيس نقابي من الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية منشد رفيع الصوت و عال المقامات لأنه قبل دعوة مغنية، قيل أنها مضطربة الشخصية، شيء يثير الانتباه لأن كلا الطرفين، الحزب من جهة و الجماعة من جهة أخرى، لهما وزن و لديهما مشروع و أفكار، كما أن كليهما لا يتعاملان بالرشوة و يحاربانها و لا ينهبان و لا يبذران مال الشعب.

فتدخّل الأول كان ربما صائبا و ردّ الثاني كان منطقيا و قويا. فالفنان المنشد يعاني الحظر الفنّي في بلده و بالتالي فهو مضطر لاقتناص كل الفرص المتاحة لكسر المنع و التهميش. فكان إذا حري بالحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية أن يرفع الحظر على منشد الجماعة قبل أن يعاتبه على قبول الدعوات التي ربما لا تليق بمقامه كمنتمي لجماعة محترمة. و الله أعلم.

أما قضية الفن و أنواعه و أشكاله و تصنيفاته، فهذه أمور تختلف حسب الموازين... و حسب بعض استطلاعات الآراء، فلقد انتصر المنشد في هذه المواجهة لمجرد أنه ممنوع كفنان من الظهور في بلده و لمجرد أن الجماعة التي ينتمي إليها محظورة. و حسب نفس استطلاعات الآراء، فإن منشد الجماعة ساير المغنية التي قيل أنها مضطربة الشخصية في برنامجها التلفزي، و لكنه ختم بنشيد ديني رائع و كأنه كان في مهمة، مهمة التذكير بالدين في عقر دار النسيان... الله أعلم. و لكن المنشد انتصر سياسيا.

خلاصة: السياسة في البلد عرجاء لأن الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية وحده في الميدان. و شطحات المشتركين في اشتراك بهلواني مسكين لا تثير انتباه أحد لأنها شطحات فارغة، خاوية، بلا معنى، لأن منفذيها فاقدي المصداقية و لا أمانة لهم و لا وجود.

لقد ذهب المشتركون في الاشتراك البهلواني المسكين بعيدا لمحاولة لفت الانتباه إليهم ككيانات سياسية بدون جدوى، فقدوا البوصلة إلى حد أن صرح واحد منهم، من المتلاعبين السياسيويين العلمائيين التافهين، أنه ترك وصية بأن لا تتلى الآيات في جنازته و بأن لا يدفن في مقابر الطيبين، محاولة منه استفزاز الناس الطيبين، فسخر منه الجميع و قال الكلّ بصوت رجل واحد : لك هذا، فنحن لا نقرأ في مطرحة النفايات حيث نطرح القاذورات و لا ندفنها... فالخزي و العار على الفاسدين و المفسدين و الجبناء و الكذّابين المشتركين في الاشتراك البهلواني المسكين فاقد المصداقية و الوجود.

تحية للحزب الشجاع الأبيّ، الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية، محارب العفاريت و التماسيح حسب الاستطاعة...و يبدو أن، كما كان متوقع، كلما ازدادت الأزمة حدة كلما تضاعف عدد المنخرطين في الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية. و لكن، لا يغرن الحزب عدد المنخرطين الجدد في صفوفه لأن أغلبهم لا يتقربون سوى من المنتصرين ضنّا منهم أنهم بذلك يتقربون من السلطة لعلهم ينالوا العطاء في إطار اقتصاد الريع. فالمؤشر الإيجابي الحقيقي بالنسبة للحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية هو كثرة المتعاطفين الجدد الذين لن يحاسبوا الحزب على وعوده أبدا ما دامت العفاريت و التماسيح مستأسدة في كل الأمكنة و كل الدواليب. الأزمة تزداد حدة يوما بعد يوم، و الحزب يزداد مصداقية لأنه يا ما حذر من العفاريت و التماسيح...الأزمة تزداد حدة و الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية وحده في الميدان السياسي الحزبي الرسمي. طيب.

سيداتي، سادتي، الإدارة السياسية في البلد في حاجة إلى الجماعة. و الجماعة في حاجة إلى الإدارة لرفع الحظر عليها و الاعتراف بها كحزب سياسي قانوني. الأزمة في البلد ليست أزمة اقتصادية بقدر ما هي أزمة سياسية، و هذا يعني أن ثمة أزمة في المصداقية. لا يمكن المراهنة على من يقتاتون على كل الموائد و شكرا على سعة الصدر. لا يمكن المراهنة بعد اليوم على تجمعات مصلحية سمّيت خطأ أحزابا. الموقف حرج و المنعطف خطير جدا. لا استقرار بدون مصداقية... و لا مصداقية بدون عدل و تنمية و عدالة و إحسان. الإسلام يبقى هو الحل بالنسبة للملتزمين و العصاة.

السيد الرئيس النقابي من الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية وجه نقدا لاذعا لمنشد الجماعة المحظورة، و من خلاله للجماعة المعارضة من خارج المؤسسات... أما منشد الجماعة فرد بمنتهى البساطة و الثقة في النفس: " فلان.. يستحيي من برنامج فنّي و لا يستحيي من الركوع لغير الله". هذا رد عبقري...، و يقول بعض المتتبعون أنه ربما ردّ أعدّ مسبقا من لدن كبار مسيّري الجماعة المعارضة، و أن مشاركة المنشد في برنامج المغنية، التي قيل أنها مضطربة الشخصية، كان مجرد فخ سياسي نصب بدهاء من طرف الجماعة للحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية المعروف ربما بشيء من التسرع و المبادرة بالهجوم... و لا ننسى أن صاحبة البرنامج، المغنية المعنية، كانت لها مواقف سياسية جريئة و شجاعة ضد الظلم و الطغيان...

إذا، هنا لدينا لوحة فنية سياسية غاية الوضوح رسمت في الأذهان من خلال هجوم رئيس نقابي من الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية، و رد منشد الجماعة المعارضة:

" الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية لا يحب الفن كما أنه لا يهتم سوى بالشعائر الدينية و يختصّ فيها دون الاهتمام بالشطر المتعلق بالعدل، و رفع المظالم، و محاربة الرشوة الكبيرة، و قول كلمة حق مباشرة دون لف و لا دوران، إلى آخره...أما الجماعة المعارضة، فهي تحب الفن و تحارب الرشوة الكبيرة و ترفض الظلم و تؤكد على العدل أولا قبل الشعائر الدينية، رغم كون الكثير من رجالها من العبّاد الربانيين الملتزمين بإقامة كل شعائر الله و كافة الطقوس الدينية. إذا، فلسان حال الجماعة يقول أن محاربة الرشوة و إقامة العدل و تكافئ الفرص مسبّق على الشعائر الدينية التي لا تعني شيئا مع استمرار الظلم و تكريسه و انعدام العدالة."

هنا يبرز حسب المتتبعين التناقض الذي سقط فيه الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية: " السكوت على فن العفاريت و التماسيح الأقوياء، و هو فن غير لائق بتاتا، و التهجم على منشد أعزل رفيع الصوت و عال المقامات". هنا يتجلى الانتصار الذي حققه منشد الجماعة المحظورة بجملة مفيدة واحدة: "فلان.. يستحيي من برنامج فني و لا يستحيي من الركوع لغير الله". و يستطرد المتتبعون: "يا للعبقرية و يا للتخطيط المحكم.."

سيداتي، سادتي، هذا لقاء عاجل علني مهم نجتمع فيه لتحديد مصير البلاد و العباد. وحده الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية يقاتل من داخل المؤسسات لإعطائها المصداقية السياسية الضرورية لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي ما زالت تخفي عنا ما لا نعلم... و لكن الجميع سئم العمل السياسي الرسمي بدون معارضة رسمية حقيقية...فالحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية لا يستعمل الضربة القاضية في حق المعارضة الرسمية حتى يتوهم الناس أنها موجودة و لكن الحيلة لم تعد تنطلي على أحد، لأن الكل أضحى يعلم أنها معارضة فلكلورية كما أنها معارضة هشة غاية الهشاشة تجعل الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية يشفق عليها و لا يستعمل في مواجهتها سوى سلاح المسافر و هو سلاح خفيف...

سيداتي، سادتي، هذا لقاء عاجل علني مهم نجتمع فيه لتحديد مصير البلاد و العباد. وجب علينا أن نختار اليوم بكل شجاعة بين أمرين: إما أن يخرج الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية ثانية للمعارضة، و إما أن نأتي له بخصم حقيقي في مستواه حتى تنبعث الروح في الحياة السياسية الرسمية، و هذا يعني بطبيعة الحال الاعتراف بالجماعة كحزب سياسي.

سيداتي، سادتي، حان الوقت لنرفع الظلم على الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية الذي أرغمناه على التخبط مع معارضة رسمية شبح، فاقدة كل شيء، لا مكان لها سوى في غياهب النسيان. لقد تعب الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية من مواجهة اللاشيء داخل المؤسسات... حان الوقت لرفع مستوى السياسة في البلد. حان الوقت للاعتراف بالجماعة كحزب سياسي قبل أن يضعف الحزب الذي يعد بالعدالة و التنمية داخل المؤسسات... يمكن للسياسة أن تموت لما يكون الاقتصاد حيا، و لكن لما يموت الاقتصاد يجب أن تنبعث الروح في السياسة من جديد.

سيداتي، سادتي، لكم واسع النظر و السلام.

بتاريخ الاثنين 15 أبريل 2013 - 02:17:08 / عدد التعليقات :