آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'ملفات و تقارير'

أعد التقرير: الزاهيد مصطفى
 
بدعوة من فرع الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة ببني ملال ألقى الإبستمولوجي المغربي الأستاذ محمد أبطوي درسا افتتاحيا بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة تحت عنوان "الفلسفة والعلم من زاوية التاريخ الابستمولوجي للعلوم"، حضرته فعاليات مدنية ونقابية وسياسية وجمعوية  ومدرسات ومدرسي الفلسفة بجهة بني ملال خنيفرة والعديد من تلاميذ المؤسسات بالمدينة. ابتدأ هذا اللقاء بكلمة للكاتب العام لفرع الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة فرع بني ملال الأستاذ  حسن الحريري، الذي أكد على أن هذا النشاط يندرج  في سياق ما سماه "الاحتفاء والاعتراف ومقاومة النكران". أولا الإحتفاء باليوم العالمي للفلسفة باعتباره مناسبة لإعادة النظر في وظيفتها النقدية ومساءلة علاقتها براهننا اليومي والعربي والعالمي المأزوم والمعولم والمنمط، وكذلك التفكير في حضورها المؤسساتي داخل نظامنا التعليمي تفكيرا وتأليفا وتدريسا. ثانيا الاعتراف بالذين يشتغلون فيها أو في علاقة وطيدة بها وبعطاءاتهم العلمية التي تجاوزت حدود المحلي إلى العربي والعالمي وخاصة البروفسور محمد أبطوي، الذي تعتبر إسهاماته في مجال التأريخ للعلوم العربية والغربية مساهمة نوعية بصلابتها وجدّتها النظرية والأكاديمية. وما الإعتراف الذي حققه اشتغاله على تحقيق وترجمة  متن الإسفيزاري إلا دليلا على ذلك. فالمجتمع لم يعد فقط في حاجة الى الأيقونات الإعلامية، بل هو في حاجة إلى نماذج وقدوات في الحقل المعرفي والعلمي، من أجل تجذير  مساهماتهم وتقديمها للناشئة عبر وسائط بيداغوجية وديداكتيكية تجعلهم يستعيدون الثقة في أهمية الثقافة والعلم باعتبارهما أيضا مصادر للحظوة الإجتماعية، وليس فقط الأنماط التعبيرية التافهة واليومية والمبتذلة. ولم يفت الأستاذ حسن الحريري أن يتقدم باسم الفرع المحلي وباسم المكتب الوطني للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بالشكر الجزيل  للبروفيسور محمد أبطوي على حضوره وعلى التزامه العلمي بالتأصيل لمبحث جديد في ساحتنا الأكاديمية وهو تاريخ العلوم، باعتباره من الأسس النوعية لكل بناء فلسفي يمكنه أن يساهم في التنمية الإجتماعية الحقيقية.
 
أما كلمة الاكاديمية فقد ألقاها السيد المدير الاقليمي ببني ملال، الذي عبر عن بالغ شكره واعتزازه بالنشاط الثقافي الذي  نظمه فرع الجمعية، وكذلك للحضور وخاصة التلميذات والتلاميذ الذي شاركوا في هذا اللقاء. وشدد السيد المدير الإقليمي  عن فخره بهذا الإسم الوطني الممثل في الدكتور محمد أبطوي ولمساهماته العلمية. كما نوه السيد المدير الإقليمي بالموضوع وبصلته الوطيدة بهموم المجتمع وبغايات المدرسة الحقيقية، وهي أن يكون العلم والفلسفة في خدمة المجتمع بل يجب أن تكون كل تنمية وكل بناء تعليمي قائم عليهما، وإلا كان مفتقدا للرؤية والهدف والغايات والأسس.
 
في نفس  السياق  انطلق الدكتور محمد أبطوي من شكره  للحضور  ومن تأكيده على أهمية هذه اللقاءات الفكرية في تعميق وتعميم النقاش حول القضايا العمومية والتأسيس لها، خاصة على المستوى العلمي والثقافي والفلسفي. وفي بداية عرضه بين أن كل اهتمام بالعلم هو اهتمام بقضايا المجتمع، لكنه اهتمام من نوع خاص تهيمن عليه غائية التأسيس للقيم المجتمعية وللتنمية الإجتماعية على أسس صلبة. فالعلم اليوم لم يعد ترفا بل ضرورة وكل القيم العلمية صارت مطلوبة اليوم من أجل تنمية الرأسمال البشري. فالعلم من هذه الزاوية ليس منفصلا عن السياسة لكنه كذلك ليس خاضعا لها بالمعنى المبتذل لكلمة سياسة، والذي يغلّب طابع الممارسة والإنخراط الأعمى أحيانا، بل العلم لديه إشكالاته وقضاياه ومجاله الخاص. كما تعرض الدكتور محمد أبطوي بالنقد لكل التصورات النقدية المعاصرة التي تنتقد العلم والقيم العلمية بدافع  التوظيفات الإيديولوجية التي خضعت لها التقنية على المستوى العالمي، وعليه نبّه محمد أبطوي إلى ضرورة إعمال منهجية للتميز بين :
 
1-   العلم والمعرفة العلمية باعتبارهما ضرورة تاريخية لكل تنمية اجتماعية ولكل تقدم مجتمعي. 
2-  التقنية باعتبارها التوظيف البشري للمعارف النظرية المنتجة داخل حقل العلوم، وقد تعرف في توظيفها انحرافات تمس بالقيم البشرية.
 
إذن، فلا يوجد مبرر في وضعنا الحضاري والتاريخي اليوم المتخلف أن نرفض العلم بدعوى الإنحرافات والتوظيفات التي عرفتها التقنية العلمية، لأننا في الحاضر والمستقبل لايمكننا أن ننخرط في العالمية والكونية وأن نكون منتجين في غياب القدرة على التأسيس العلمي للخيارات المجتمعية التي ننتجها. فالعلاقة بين الفلسفة والعلم من زاوية التاريخ الإبستمولوجي تنحو حسب الأستاذ محمد أبطوي الدفاع عن أطروحة من منظور المبحث الذي يؤصل له اليوم وهو تاريخ العلوم، بحيث يكون الفيلسوف والعالم من خلال مباحثهما الفلسفية والعلمية متجاوران. والمجاورة هنا ليس المعنى المكاني بل الفكري. فالأطروحات الفلسفية حسب الدكتور محمد أبطوي منذ الإغريق مبنية على أسس علمية، وهذه المصادرة العلمية كافية لندافع على المستوى الأكاديمي على ضرورة تدريس تاريخ العلوم كدزء من الدرس الفلسفي. فالنظرية الفلسفية تحمل في أسسها المبادئ العلمية، وكل قراءة لتاريخ الفلسفة دون استحضار الأساس العلمي يجعلنا أحيانا ننتج قراءات مشوهة للمتون الفلسفية. وذكّر الأستاذ محمد أبطوي في مداخلته أنه لا يحمل أي دعوة بالمعنى الفقهي أو السياسي، فهو لا يعتبر نفسه مصلحا اجتماعيا ولا مفكرا ولا مثقفا، بل هو باحث محترف يعمل في ميدان محدد. إنه بلغة اليونان الأوائل  يسعى إلى فهم الكثرة والتعدد من داخل الوحدة، وحدة تاريخ العلوم ويتقاسم بالمعنى اليوناني للتقاسم والمشاركة ما توصل إليه مع جمهور القراء  والمهتمين والباحثين ومن يحملون همّ بناء المجتمع والرقي به على جميع المستويات. وعليه قسم الدكتور محمد أبطوي عرضه من الناحية المنهجية إلى:
 
1-   مسألة الفلسفة والعلم: 
 
تناول في هذه النقطة مسألة بالغة الأهمية ترتبط بشكل وطيد بالثقافة العربية والمغربية المعاصرة. فكل ما أنتج عندنا حسب الدكتور محمد أبطوي يوجد فيه كل شيء باستثناء المعرفة العلمية. توجد كتابات لم ينكر الدكتور محمد ابطوي أهميتها لكنها تعاني من غياب التأسيس الأكاديمي الصلب، فهي دائما تنطلق من رؤى تاريخية حول العلم ولا تنتج المعرفة العلمية من داخل الممارسة العلمية. فقد طرِحت مسألة العلاقة بين الفلسفة والعلم في سياقات متعددة وثار حولها نقاش مستفيض في الأدبيات التاريخية والإبيستيمولوجية. لكن الدكتور محمد أبطوي تناول هذه الأبعاد المختلفة من خلال العلاقة بين الفلسفة والعلم، وذلك من زاوية تاريخ العلوم عامة، وباستحضار التاريخ الإبيستيمولوجي للعلوم بصفة خاصة. ويقصد الدكتور محمد أبطوي بالتاريخ الإبيستيمولوجي للعلوم المبادرة المنهجية والنظرية المؤدية إلى ممارسة تاريخ العلوم على ضوء مقدمات إبيستيمولوجية تتأسس على رؤية فلسفية للمعرفة العلمية وطبيعتها وعلاقاتها بالأنماط المعرفية الأخرى.
 
كما لاحظ المحاضر أن الإنتاج الأكاديمي بالمغرب منذ عدة عقود عرف شغَفا معروفا بفلسفة العلوم. وفي نظر  الدكتور محمد أبطوي كان الأجدر أن يتم الإنطلاق من تاريخ العلوم. فلو تمرّس بعض كبار مفكرينا بتاريخ العلوم ونتائجه كما هي متداولة في الوسط الأكاديمي الدولي، لما كُتِب في أدبياتنا الفكرية ما كُتِب حول معارف الماضي الثقافي الذي ننتمي إليه، ولما أقصي من التراث العربي المكوِّن العلمي إقصاءً تاماً، مع ما استتبع ذلك من نتائج ذات وقع مهول على أطروحات وخلاصات يتداولها بيننا المشتغلون بالفكر النظري والتاريخ الثقافي، دون الإنتباه إلى هشاشة المنطلقات الأكاديمية التي قامت عليها تلك الأطروحات والخلاصات.
 
في هذا المضمار، دعا الأستاذ محمد أبطوي إلى العودة إلى تاريخ العلوم، أو بالأحرى الإنطلاق منه لمصالحة خطابنا النقدي مع العلم، باستحضار المعرفة العلمية في ثقافتنا المعاصرة في بعدها التاريخي. فقد يسعفنا ذلك في بناء خطاب فكري متماسك يتوفر على شروط المعاصرة. فنحن حسب الدكتور محمد أبطوي إلى حدود اليوم لم  نستوعب  الحداثة كنظام فكري وسياسي تأسس على مقدمات علمية  وترتبت عنه  نتائج كبرى في الاجتماع الإنساني.
 
من هذه الزاوية، فالدعوة إلى تكثيف معرفتنا بتاريخ العلوم تجد راهنيتها الملحّة من ضرورة تجديد خطابنا الفكري ورفده مواضيع جديدة ورؤى أصيلة من شأنها أن تساهم في تمتينه والرفع من صلابته الأكاديمية. وتاريخ العلوم كمبحث نقدي مستقل غايته أن يدرس الخطاب العلمي في تاريخيّته لإبراز البعد التاريخي للمعرفة العلمية. وهو مبحث نقدي مجاور لفلسفة العلوم ولسوسيولوجيا العلوم، ويكتسب حضورا وازنا في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي على الصعيد العالمي. وتكمن أهمية تاريخ العلوم في  الدراسات الكلاسيكية التي تدرس ماضي المعرفة المعرفة العلمية ومآلات مستقبلها، ويتخصص في تحليل العوامل التاريخية في نشأة وتطور المفاهيم والنظريات العلمية.  فبفعل قربه من العلوم الدقيقة، يتوفر تاريخ العلوم حسب الدكتور محمد أبطوي على منهجية شديدة الدقة تجمع بين المعالجة التاريخية والتحليل النظري والمفاهيمي والتأويل الفلسفي. كما يمثل رافعة أساسية لنشر الثقافة العلمية في التربية والثقافة والإعلام. ويوجد جمهوره الحقيقي في كليات العلوم حيث تُدرّس العلوم الدقيقة دون تغطية تاريخية وفلسفية. وفي هذا السياق، وجّه الدكتور محمد أبطوي نقدا لاذعا لهذا الفصل في نظامنا التعليمي بين المعرفة العلمية والمعرفة الإنسانية التي نسميها أدبية، ونبّه إلى خطورة غياب تاريخ العلوم عن التدريس العلمي، مما ينتج لنا طلبة ينظرون إلى  المعرفة العلمية وكأنها ولدت في صورتها النهائية التي يتلقونها بها في قاعات الدراسة. ولاحظ أن تاريخ العلوم يدرّس عندنا في المغرب فقط في برنامج شعبة الفلسفة، وهذا تقليد فرنسي متجاوز ينبغي التفكير جديا في تعديله لإغناء مناهجنا الجامعية بـمبحث أكاديمي نوعي يمكنه أن يساهم في وضع الأسس الصلبة للتنمية الحقيقية في المستقبل.
 
  2- الفلسفة والعلم من زاوية التاريخ الإبستمولوجي للعلوم
 
وفي النصف الثاني من المحاضرة، أبرز محمد أبطوي تاريخية العلاقة بين الفلسفة والعلم من زاوية التاريخ الإبستمولوجي للعلوم. فعلاقة الفلسفة بالعلم كانت وستبقى دوما علاقة وطيدة، غير أنها علاقة تتجدد باستمرار. ومن بين مظاهر هذا التجديد في العقود الأخيرة أن أحد برامج فلسفة وتاريخ العلوم الأكثر نجاحا في الساحة الأكاديمية العالمية يتمثل بالضبط في برنامج التاريخ الإبيتستيمولوجي للمعرفة العلمية. والتاريخ الإبيستيمولوجي للعلوم غايته هو السعي إلى ممارسة التأريخ للمعرفة العلمية انطلاقا من مواقف وأطروحات فلسفية توجه البحث وتنير طريقه. وللحديث عن العلاقة بين فلسفة العلوم وتاريخ العلوم، أبرز موقف فيلسوف العلوم الفرنسي باشلار وذلك من خلال قولته: ”على مؤرخ العلوم أن يعتبر الأفكار كوقائع. [أما] الإبيستيمولوجي، فعليه أن يأخذ الوقائع كأفكار، وذلك بإدراجها ضمن منظومة فكرية." فمؤرخ العلوم يأخذ المعارف العلمية كوقائع ليرصد تاريخها ونموها، بينما يتحدد دور فيلسوف العلوم في أن يؤسس نظريات ومفاهيم حول تلك الوقائع العلمية. وتاريخ الفلسفة حافل  حسب الدكتور محمد أبطوي بأنساق فلسفية تعبر عن هذا  الإرتباط الوطيد بين العالم والفيلسوف. فالفلسفة الأرسطية مثلا مثلا لا يمكن فهمها واستيعابها بالفعل إلا بوضع اليد على عمودها الفقري، الذي تمثله الفلسفة الطبيعية والتي كانت هي النظرية الفيزيائية للعصر القديم والوسيط . كما أن نظرية أفلاطون الفلسفية تنبني على فلسفة رياضيات تلعب دورا حاسما في بنيتها. وهو ما نجده لدى ديكارت وكانط أيضا، وهما الفيلسوفان الحديثان اللذان فكرا فلسفيا ومارسا العلم بشغف وأقبلا عليه بهمة لا يدركها مؤرخي الفلسفة عندنا وهم يقفون عند عتبة أعمالهما الفلسفية دون التغلغل في محتواها العلمي. فكيف نهتم بكل شيء لدى كانط ونتجاهل نظريته في المعرفة، وهي التي تتبنين وتتشيّد حولها باقي مناحي فلسفته من ميتافيزيقا وأخلاقي واجتماع؟  وفي هذا الإطار، كلما كان التأسيس الفلسفي أكاديميا صلبا من الناحية العلمية كلما كانت الفلسفة  أكثر تأثيرا. ولم يفت الدكتور أبطوي الإشارة إلى أن غالبية المثقفين عندنا يهملون الثقافة العلمية ولايهتمون بها إلا لماما، ويعتبرون أنهم لا يحتاجون إليها، ولا يجدون في ذلك ابتعادا عن ثقافة العصر كما تتداولها الأمم والشعوب من حولنا. وبيّن أن حياتنا الثقافية، تفتقر  رغم حيويتها، إلى إحدى مكونات المعاصَرة الحقّة، والمتمثلة في الاهتمام بالعلم في أبعاده الفكرية والفلسفية والتاريخية. فالعلم والتكنولوجيا رافدان أساسيان من روافد التنمية، ويمثل نشر الثقافة العلمية بمختلف أشكالها في مجتمعنا  شرطا رئيسيا من شروط استنبات البحث العلمي في بيئة قاحلة تغلب على اهتماماتها الثقافية ضحالة بيّنة جليّة. وهذا الوضع لم يكن مستغربا للدكتور محمد أبطوي فهو وضع  ثقافي عاشته أوروبا وسببه هو  أحيانا سوء الفهم من طرف العلماء تجاه الفلاسفة أو من الفلاسفة تجاه العلماء وتغلب عليه النظرية النقدية في غياب الوعي والتمييز بين المعرفة العلمية أحيانا والتطبيقات التي تخضع لها هذه المعارف.
 
3-   نموذج إجرائي لتطبيق التاريخ الابستمولوجي  العلوم 
في السياق العربي بين الدكتور محمد أبطوي من خلال تجربته في التأريخ للعلوم العربية أنه ساهم من خلال المقدمات التي عرضناها سابقا في التأسيس لأطروحة حول الميكانيكا العربية تتجلى في "علم الاثقال والحيل"، وذلك من خلال نصوص المظفر الإسفزاري، وهو عالم من أصل إيراني عاش في نهاية القرن 11م وبداية القرن 12م. وبيّن الأستاذ محمد أبطوي أن هذا العمل ليس حديث العهد بل بدأه في معهد ماكس بلانك لتاريخ العلوم  ببرلين في إطار مشروع للبحث يتركز حول استكشاف المتن العلمي للميكانيكا التي كتبت نصوصها بالعربية في المرحلة الإسلامية الكلاسيكية. وتمثّل المساهمة العربية في هذا المضمار في فرعي الميكانيكا النظرية والتطبيقية، وهما علما الأثقال والحيل، حسب الدكتور محمد أبطوي انعطافا في تاريخ الميكانيكا. فالميكانيكا العربية من خلال الأطروحة التي دافع عنه الدكتور محمد أبطوي قطعت مع الميكانيكا الإغريقية وذلك بتأسيسها لعلم الأثقال والحيل. وانتبه الفارابي إلى هذا التمييز حين فصل في تصنيفه للعلوم بين علم الأثقال هو الجانب النظري في الميكانيكا، وعلم الحيل الذي هو الجانب التطبيقي أو العملي في هذه الميكانيكا. كما يقول الفارابي في "إجصاء العلوم" يشتمل علم الأثقال من أمور الأثقال على شيئين: "إما على النظر في الاثقال من حيث تُـقَـدِّر أو يُـقَـدَّر بها، وهو الفحص عن أمور القول في الموازين، وإما على النظر في الاثقال التي تُحَرِّك أو يُحَرَّك بها، وهو الفحص عن أصول الآلات التي تُرفع بها الأشياء الثقيلة وتُنقل عليها من مكان الى مكان."
 
تكمن قيمة الاهتمام بالتحقيق الهادف إلى التأريخ للعلم العربي حسب الباحث والدكتور محمد أبطوي إلى معرفة مدى مساهمة  "العلم العربي الإسلامي"، في النهضة الأروبية وكذلك الوقوف على خصوصيات ومميزات هذا العلم وكذلك بشروط إنتاجه وتداوله. 
 
وقد عرف اللقاء نقاشا مستفيضا  ساهم فيه الحضور بكثافة. وتجاوب المُحاضر منهجيا ومعرفيا ورد على مجموعة من التصورات الساذجة في فضاءنا العربي ومن بينها أحيانا الاستغراق في "نظرية التراث" في بعدها الإيديولوجي والتاريخي مهملين التأسيس العلمي من قلب هذا التراث، مذكرا الباحثين على أنه في مجال المعرفة الأكاديمية يجب اليوم أن تكون قراءاتنا الفلسفية والعلمية دقيقة. فنحن لانقرأ من أجل الترف أو اتباع الموضة، بل يجب أن تكون غاية القراءة هو الإجابة عن إشكالات عصرنا، وهذا هو المعنى الحقيقي لانفتاح الجامعة على محيطها او المدرسة عموما. وقد كان الدكتور مفاجئا للجميع حينما أكد على أنه في الفلسفة مثلا نحن لسنا بحاجة لما كتب بعد كانط. وليوضح هذه الدعوة بين أن هذا القول لايقصد به التخلي عن النظريات الفلسفية الأخرى، بل يخص بالذكر تلك التي تحمل يافطة "ما بعد"، وبالأخص ما يدعى بفلسفة ما بعد الحداثة. ففي زمننا الموضوعي والتاريخي، نحن في حاجة إلى الفلسفة الكلاسيكية التي ترسي دعائم العقلانية وترسخ مبدأ السببية في الأذهان والنفوس، وأن نحقق تخمة في العقل والحداثة أولا  لكي نقفز إلى مابعدهما. ونختم بالقول أن المحاضر أكد حاجتنا للفلسفة والعلم معا، وهما رديفان لم تنقطع بينهما أواصر الصلة والارتباط وما الفصل بينهما عندنا حيث لا يجشّم المشتغل بالفلسفة عندنا نفسه عناء الانكباب على المعارف العلمية وكأنه يتعامى عن تلك العلاقة التي لا تنفصم بين المبحثين سواء في الماضي أو في الحاضر.
 
وفي الختام شكر  كاتب فرع الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة وعضو المكتب الوطني للجمعية الأستاذ حسن الحريري البروفيسور محمد أبطوي على عرضه القيم، و الحضور على تفاعلهم  ضاربا لهم الموعد بلقاءات فلسفية وعلمية أخرى باعتبارها إحدى غايات الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة .

بتاريخ الأربعاء 14 ديسمبر 2016 - 02:26:16 / عدد التعليقات :

وقعت معركة الهري في نونبر سنة 1914 وتعتبر معركة لهري الملحمية من أهم المعارك التي خاضها الزيانيون الأمازيغيون ضد المحتل الفرنسي الذي استهدف إذلال الأطلسيين وتركيعهم، واستنزاف خيراتهم واغتصاب ممتلكاتهم، والتصرف في مواردهم وأرزاقهم، والتحكم في رقابهم وحرياتهم التي عاشوا من أجلها. ولايمكن الحديث في الحقيقة عن المقاوم البطل موحا أوحمو الزياني إلا في ارتباط وثيق مع هذه المعركة التي سجلت معالم وجوده بدماء حمراء في صفحات التاريخ الحديث و المعاصر في القرن العشرين الميلادي.

دوافـع معركة لهري :

قرر المحتل الفرنسي إخضاع جبال الأطلس الكبير والمتوسط والصغير قصد تطويق المقاومة الأمازيغية ومحاصرتها برا وجوا وبحرا من أجل فرض الأمن واستتباب الطمأنينة في نفوس المعمرين الأجانب لاستغلال المغرب واستنزاف خيراته الاقتصادية. لكن احتلال المغرب ضمن أبعاد فرنسا الاستعمارية ونواياها المبيتة لن يكون في صالح الحكومة الحامية إلا بالاستيلاء على الأطلس المتوسط باعتباره ممرا إستراتيجيا يفصل الشمال عن الجنوب، ويفصل أيضا الغرب عن الشرق، ويهدد كذلك وجود فرنسا بالجزائر ومدينة وجدة والمغرب الشرقي الجنوبي ، ويهدد كل المناطق المتاخمة للحدود الجزائرية.
كما يكتسي الأطلس المتوسط أهمية جغرافية واقتصادية على المستوى المائي والفلاحي والغابوي؛ لكونه منبعا لكثير من الأنهار والمصبات بفضل كثرة الثلوج المتساقطة على المنطقة ، والتي تتحول إلى مجار وينابيع وعيون مائية تنساب في الكثير من الأنهار كنهر أم الربيع ونهر ملوية ووادي العبيد. وبالتالي، تساهم هذه الأنهار والأودية في إنشاء السدود وتوليد الطاقة الكهربائية، فضلا عن توفر الأطلس المتوسط على خط المواصلات المباشر الذي يربط بين مراكش وفاس عبر أم الربيع ومدينة خنيفرة.
وقد دفع هذا الوضع الإستراتيجي الإقامة الفرنسية بالرباط إلى التفكير في احتلال الأطلس المتوسط لفتح الطرق والممرات البرية لتسهيل التواصل بين فاس ومراكش وتسخير خيرات الجبال لصالح فرنسا التي كانت تخوض حربا كونية ضد دول المحور التي كانت تتزعمها الإمبراطورية الألمانية بقيادة بسمارك. كما أن أغلب المقاومين الذين كانوا يحاربون فرنسا كانوا يحتمون بجبال الأطلس المتوسط ولاسيما المقاومين الزيانيين .
و قد أثبت ليوطي المقيم العام بالمغرب في 2 ماي 1914م دوافع احتلال الأطلس المتوسط حينما صرح قائلا:" إن بلاد زيان تصلح كسند لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وإن إصرار هذه المجموعة الهامة في منطقة احتلالنا، وعلاقتها المستمرة مع القبائل الخاضعة، يكون خطرا فعليا على وجودنا، فالعصاة المتمردون والقراصنة مطمئنون لوجود ملجإ وعتاد وموارد، وقربها من خطوط محطات الجيش ومناطق الاحتلال جعل منها تهديدا دائما لمواقعنا، فكان من الواجب أن يكون هدف سياستنا، هو إبعاد كل الزيانيين بالضفة اليمنى لأم الربيع".
ونفهم من خلال هذا التصريح أن خوض المعركة ضد الزيانيين بجبال الأطلس المتوسط فرضته دوافع إستراتيجية تتمثل في محاصرة المقاومة الأمازيغية التي كانت تساعد القبائل المجاورة والسهول المحتلة من قبل على التحرر والانعتاق من قبضة المحتل الفرنسي الذي بذل مجهودات جبارة من أجل السيطرة عليها وتطويعها.

سياق معركة لهري :

بعد معارك ضارية في منطقة تادلا إلى جانب رفيقه في المقاومة موحا أوسعيد، تراجع أوحمو الزياني إلى مدينة خنيفرة التي كان قائدا لها، فجمع الزيانيين ووحد القبائل الأمازيغية بالأطلس المتوسط وتحالف مع القبائل الأطلسية المجاورة، فكون جيشا قويا مدربا على الرغم من نقص العتاد والأسلحة والمؤن التي تؤلهم للاستمرار في المعركة مدة طويلة.
ولما فشل الفرنسيون في استمالة موحا أوحمو وإغرائه وتسويفه ، قررت القوات الغازية بقيادة الكولونيل هنريس (Henrys) أن تشن حرب الإبادة ضده وضد القبائل الأمازيغية وخاصة قبيلة زيان المعروفة بالشجاعة النادرة وقوة الشكيمة كما يعترف بذلك الجنرال گيوم :" لاتكمن قوة الزيانيين في كثرة عددهم بقدر ماتكمن في قدرتهم على مواصلة القتال بالاعتماد على ماكانوا يتحلون به من بسالة وتماسك وانتظام، وأيضا بفضل مهارة فرسانهم البالغ عددهم 2500 رجل، فكانوا بحق قوة ضاربة عركتها سنوات طويلة من الاقتتال. كما كانت أيضا سرعة الحركة والإقدام إلى جانب القدرة العفوية على المخاتلة في الحرب من الصفات المميزة لمقاتليهم..."
ويتبين لنا من هذا الاعتراف الذي صرح به قائد القوات الأجنبية أن الزيانيين بقيادة موحا أوحمو كانوا من المقاومين الأشداء، ومن المناضلين المتمرسين على فنون الحرب والقتال، يمتازون بالقوة والشجاعة، والاستشهاد في سبيل الله والاعتماد على الإيمان في خوض حروبهم ضد المستعمرين المحتلين، و اختيار حرب العصابات وأسلوب الكر والفر والمقاومة الشعبية السريعة والخاطفة في مواجهة الأعداء المتغطرسين وسحقهم.

أطوار المعركة :

وعلى أي، فقد دخل الفرنسيون بقيادة الكولونيل هنريس مدينة خنيفرة في 12 يونيو 1914م بجيش تجاوز تعداده ثلاثين ألف محارب ، فاضطر القائد موحا أو حمو الزياني إلى إخلائها والاحتماء بالجبال المجاورة للمدينة ، فبدأ يشن هجماته المرات والمرات على مدينة خنيفرة، ودخل مع المحتل في مناوشات واصطدامات كثيرة انتهت بخسائر جسيمة في صفوف الجيش الفرنسي.
هذا، وقد تعسكر موحا أوحمو مع أتباعه في مخيم بمنطقة لهري استعدادا لكل هجوم مباغت وفرارا من مدينة خنيفرة التي سيطر عليها الكولونيل هنريس، وتقع قرية لهري على مسافة 15 كيلومترا من خنيفرة.
ولما علم الكولونيل بوجود موحا أوحمو الزياني بمعسكر لهري مع أتباعه القليلي العدد، استغل ليلة شتاء 13 نوفمبر 1914م لمباغتة المقاومين داخل مخيمهم بعد أن أباد الأطفال والشيوخ والنساء بدون رحمة. وهكذا، بادر الجيش الفرنسي بقوات حاشدة لتطويق المقاومة بصفة نهائية، وهنا يقول محمد المعزوزي:" وقام بتنفيذ خطته يوم 12 نونبر، حيث تحرك بأربع فرق تضم 1300 جندي، معززة بالمدفعية، وتوجه إلى معسكر لهري حيث قام بهجوم مباغت على الدواوير ومكان المجاهدين".
وكانت المعركة التي ظنها المستعمر الفرنسي سهلة المرامي، فإذا بها تصبح بفضل شجاعة المقاومين الأشداء حربا حامية الوطيس تلطخت بدماء القتلى وجثث الغزاة التي افترشت الثرى بعد الهجوم العسكري الفاشل:" لقد كان الهجوم على معسكر الزياني عنيفا، حيث بدأ في الساعة الثالثة صباحا، وتم تطويق المعسكر من أربعة جهات في آن واحد، ليبدأ القصف شاملا، حيث قذفت الخيام المنتصبة التي تحتوي الأبرياء، وقام الجنود بأمر من لاڤيردور بمهاجمة القبائل المحيطة بالقرية، فيما استغل البعض الآخر – الجنود- الفرصة لجمع القطيع الموجود من الأغنام والأبقار، واختطاف النساء توهما بالنصر.
هذا في الوقت الذي كان فيه حشد آخر يقصد الجبل لتمشيطه من المقاومة، وبذلك تحولت منطقة لهري إلى جحيم من النيران، وسمعت أصوات الانفجارات في كل المناطق المجاورة، وظن قائد الحملة العسكرية على لهري أن النصر حليفه، وأنه وضع حدا لمقاومة الزياني.

التحول في المعركة :

أصيب قائد الحملة العسكرية الفرنسية بخيبة أمل حينما فوجئ برد عنيف من طرف المقاومين ليدرك بعد ذلك أنه ألقى بنفسه وبقواته في مجزرة رهيبة ودوامة لا سبيل للخروج منها. فالمعركة ستحسب لصالح موحا أوحمو الزياني بعد أن تحالفت معه القبائل الأمازيغية المجاورة، والتي حضرت بسرعة خاطفة خاصة إشقرين وآيت نوح وآيت بويشي وآيت شارط وآيت بومزوغ وآيت خويا وآيت إحند وآيت يحيى وآيت سخمان وآيت إسحق تسكارت وآيت بوحدو ولمرابطين وقبائل زيان. وقد حاصرت هذه القبائل جميعها الجنود الفرنسيين من كل النواحي ، وطوقتهم بشكل مباغت ومفاجئ ، فواجهتهم بكل الأسلحة الموجودة لديهم من بنادق وفؤوس وخناجر، وقد أبانت هذه القبائل عن محبتها للقائد موحا أوحمو وعن روح قتالية عالية ورغبة كبيرة في الانتقام من الغزاة الطامعين.

نتائــج المعركة :

وقد أظهرت الحرب هزيمة الفرنسيين بعد مقتل الكثير من الجنود والضباط ؛ مما جعل القواد يطلبون مزيدا من التعزيزات والوحدات الإضافية، لكن موحا أوحمو لم يترك لهم فرصة الانسحاب، فتتبع قواتهم الفارة، فحاصرها من كل النواحي إلى أن فتك بالكولونيل لاڤريدور عند نقطة بوزال؛ مما اضطر باقي جنوده إلى الإذعان والاستسلام لقائد قبائل زيان، بعد أن تمكن المقاوم الأمازيغي موحا أو حمو من القضاء على نصف القوات الغازية المعتدية.
حققت معركة لهري التي قادها البطل المقاوم موحا أو حمو برفقة الزيانيين والقبائل الأمازيغية المتحالفة نتائج إيجابية على جميع الأصعدة، ولاسيما أنها كبدت المستعمر المحتل عدة خسائر في العتاد والأرواح البشرية، فكانت بمثابة فاجعة مأساوية بالنسبة للفرنسيين حتى قال الجنرال " كيوم " Guillaume أحد الضباط الفرنسيين الذين شاركوا في الحملة على قبائل الأطلس المتوسط في مؤلفه "البربر المغاربة وتهدئة الأطلس المتوسط (1939/1912): "لم تمن قواتنا قط في شمال إفريقيا بمثل هذه الهزيمة المفجعة"

الخسائر والغنائم :

وقد بين محمد المختار السوسي في كتابه "المعسول" بأن معركة لهري أسفرت عن مقتل أكثر من عشرين شخصية عسكرية ذات الرتب العالية ناهيك عن أسر الكثير من الجنود، وفي هذا الصدد يقول :" ومن أكبر الوقائع في الحروب وقعة الهري التي استوصل(قتل) فيها رؤساء جنود الفرنسيين أكثر من 20 فيهم الكولونيلات(colonels ) والقبطانات (capitains ) والفسيانات(officiers )، وتفصيلها أن العسكر الفرنسي تقدم بقوة عظيمة وتوغل في تلك الجبال إلى أن وصل الهري المذكور، فانقض عليه عسكر زيان( بزعامة موحا أوحمو الزياني) ومن معهم وسدوا عليهم المسالك التي سلكوها وجعلوا يقتلونهم كيف يشاؤون ويأسرون إلى أن أفنوهم".
وقد ترتبت عن هذه المعركة مقتل 33 قتيلا من الضباط و650 قتيل من الجنود و176 جريح، وغنم المقاومون المغاربة كثيرا من العتاد العسكري الحديث ، فحصلوا على 3مدافع كبيرة و10مدافع رشاشة وعدد كبير من البنادق وعشرات الخيول المحملة بالذخيرة الحربية والمؤن.

بتاريخ الأحد 13 نوفمبر 2016 - 21:15:33 / عدد التعليقات :

يعتبر المستشفى الجامعي من المراكز الطبية الكبرى داخل أي دولة، وهو مستشفى ملحق بكلية الطب ومعاهد تكوين الممرضين وتقنيي الصحة وبعض الكليات العلوم والمختبرات. و في المستشفى الجامعي يمارس ما نستطيع أن نسميه ب"الطب الحقيقي " (la vraie médecine).
  تتكون أطر المستشفى الجامعي من أساتدة في الطب و أطباء مساعدين و أطباء مختصين و أطباء مقيمين و داخليين و طلبة و ممرضين و طاقم شبه طبي.
   وتنشأ المستشفيات الجامعية  لغرض تقديم مجموعة من الخدمات، تعنى بمجال الصحة سواء من الناحية العلمية والعملية. ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر, تكوين طلبة الطب ليصبحوا أطباء عامين و متخصصين و أساتدة في الطب، و تكوين طلبة  التمريض وطلبة تقنيي الصحة من ممرضين و متخصصين في التخدير و متخصصين في الترويض و آخرون ، وذلك على المستوى النظري والتطبيقي, بالإضافة إلى تقديمها -المستشفيات الجامعية- لخدمات طبية عالية الجودة  للمرضى من تشخيص وعلاج وجراحة وتتبع (لا تستطيع أن تجدها حتى في أرقى المصحات الخاصة)،  وتصلح أيضا لمجال البحث العلمي في الطب والأدوية والعلاجات. 
 
• المستشفيات الجامعية ينبغي ان تقدم أرقي الخدمات
 
   ويعد مستوى الخدمات الطبية والعلاجات التي تقدم في المستشفيات الجامعية من أرقى المستويات العلاجية في داخل أي بلد في العالم،مقارنة مع المستشفيات العادية والمصحات الخاصة، وذلك لما تتوفر عليه المستشفيات الجامعية من طاقم طبي وشبه طبي من متخصصين وممرضين بمستوى عالي، نوعا وكما، وأيضا لتوفرها على تجهيزات ومختبرات تعمل على تقديم تحاليل جد دقيقة ومرتفعة الثمن، لا يمكن أن تقدمها باقي المصحات والمختبرات العادية، سوآءا منها في مستشفيات الدولة أو في القطاع الخاص.
 
• معضلة حقيقية تواجه المستشفى الجامعي بالمغرب
 
    يعتبر المغرب من البلدان الإفريقية التي تعاني نقصا كبيرا في عدد هذه المستشفيات الجامعية، فلو اعتبرنا ان تعداد ساكنة المغرب يبلغ أربعين مليون نسمة ومن الممكن أن يكون أكثر من ذلك، سنجد ان بلادنا لا تتوفر إلا على 5 كليات طب و5 مستشفيات جامعية، أي بمعدل ضعيف جدا(مستشفى جامعي لكل ثماني مليون نسمة قد نجد هذا الرقم في أفغانستان فقط!!)، حيث نجد إتنان من هذه المستشفيات الجامعية متوسطة الحجم ( في الرباط و الدار البيضاء) و ثلاثة صغيرة الحجم (في فاس، وجدة و مراكش) و هي عامة ضعيفة التجهيز والتأطير، و فيها نقص حتى في عدد الاختصاصات، وحتى إذا أردنا مقارنة بلادنا مع الدول الإفريقية جنوب الصحراء مثل غانا وسينغال سنجد أنفسنا متأخرين جدا نظرا لإهمال الحكومي للقطاع الصحة ، فمنذ 1976 إلى 2003 لم يبنى ولو مستشفى جامعي واحد.
  أما مقارنتا مع دول الجوار مثل الجزائر وتونس فحدث ولا حرج، فلا يمكن أن ننافسهما لا في عدد المستشفيات الجامعية (تونس تتوفر على 13 مستشفى جامعي في العاصمة فقط و20 مستشفى جامعي في تونس كلها) ولا في عدد الأساتدة و الأطباء والممرضين، ولا في عدد سيارات الإسعاف،ولا في التخصصات والمختبرات ناهيك عن عدد الأطروحات والمقالات العلمية،والأهم جودة الخدمات الصحية وعدد الأسِرة (les lits).
  ومع تبني المغرب لمشروع الجهوية الموسعة، نجد ان كثير من الجهات ذات الامتداد الجغرافي الشاسع والساكنة المهمة، تفتقد لحضور مستشفى جامعي يلبي احتياجات هذه الساكنة في مختلف التخصصات، ويلبي رغبات أبناء هذه المنطقة في إتمام دراستهم بمجال الطب... فأنا أجد عيب أن مدن صغير في تونس كمنزل بورقيبة و المهدية و أخريات لا يتعدى تعدادها السكني ال 50000 نسمة تحتوي على مستشفى جامعي، و مدن  تعداد سكانها بين ال 100000 و مليون نسمة كأكادير، طنجة،  مكناس ، القنيطرة،  تطوان، الرشيدية، آسفي، المحمدية، العيون، خريبكة، بني ملال، الجديدة، تازة،  الناظور، سطات، الحسيمة، القصر الكبير و العرائش لا تتوفر على  مستشفى جامعي .
   مع كل هذا نتمنى من مسيري البلاد أن يقتنعوا بالنهوض بهذا القطاع الحيوي، لأنه بدون مستشفى جامعي لا مجال لتنمية السياحة والصناعة والحضارة،وأي وباء لا قدر الله قد يعصف بكل الانجازات الأخرى. فكما أعلن المغرب عن الحاق الطرق السيارة بكل المدن التي يصل تعدادها الى 400000 نسمة، أنا أقترح كمرحلة أولى تشييد مستشفى جامعي في كل مدينة تعدادها 100000 نسمة لكي نرقى إلى المستوى العالمي في الصحة.

بتاريخ الأحد 06 نوفمبر 2016 - 14:20:09 / عدد التعليقات :
LAN_GOPAGE  1 2 3 4 5 6 7 8 9 10  LAN_NP_LAST