آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'دردشة ينايرية'

"الثورة. دائما"
حوار مع جويل أوبرون  
 
العمليات ضد مؤسسات الحلف الأطلسي و صندوق النقد الدولي و البنك العالمي و الأبناك، والهجمات ضد محلات البيع الفاخرة ومصانع السلاح، و كذا قتل روني أودران وجورج بيس، هذه هي مجمل العمليات التي ميزت المسار الشيوعي و الثوري لمناضلي "العمل المباشر"Action Directe . 
أدانت المحكمة الثوار بالمؤبد مرتين و بالحبس الانفرادي لعدة سنوات. لازال أربعة من مناضلي "العمل المباشر" وراء القضبان، وهم جون مارك رويون وناطالي مانغون وجورج صبرياني منذ 1987 و ريجيس شلشر منذ 1984، و ذلك بتهمة المشاركة في إطلاق النار على رجال الشرطة. أما جويل أوبرون J. Aubron، 45 سنة، فلقد تمتعت بالسراح في يونيو من عام 2004 بعد إصابتها بالسرطان. 
نضجت رغبة أوبرون في التحول إلى النضال المسلح خلال أول اعتقال لها عام 1982. تقول بأنها تتحمل مسؤوليتها كاملة وبأنها غير نادمة سياسيا عما قامت به، وتعتبر أنه لا يمكن، من وجهة نظر إنسانية، تبرير الموت المقصود لأي كائن بشري، وتنظر إلى عملياتها الماضية داخل سياقها السياسي و التاريخي. 
في هذا الحوار، تعود إلى نضالاتها وتناقش إمكانية انطلاقة جديدة للثورة.
 
 
- سؤال: كيف أصبحت مناضلة ثورية؟ 
- جواب: الأمر كالحياة، مزيج من أشياء نعيشها ولقاءات ننخرط فيها و سياق عام تحدث داخله كل هذه الأمور. هناك بالضرورة لحظات نتذكرها، ولكني لا يمكن أن أقول: "لقد أصبحت مناضلة ثورية في هذه اللحظة بالذات". يكتب ميشال بنازاياك Benazayag في كتابه مسارات   بأنه لا يمكن تحديد اللحظة التي نتخذ فيها القرار ونحن على حافة الهاوية حتى وإن تعلق الأمر بنضال كنضال حرب العصابات. في حياتي، هناك أشياء اعتبرتها في البداية "غير عادلة". وبعد اللقاءات التي انخرطت فيها ترجمت هذا الإحساس بالظلم إلى لغة سياسية أكثر ثم، وفي لحظة ما، أصبح خيار حمل السلاح الحل الأكثر انسجاما مع ما كنت أحس به. 
و لأوضح أكثر ما أريد قوله، فأنا أنحدر من عائلة ميسورة، و أتذكر أني اعتبرت و منذ طفولتي أن هذا الامتياز لم يكن عادلا. وضعني أبواي في مدرسة عمومية في حي شعبي بباريس. لاحظت أنني ازددت بامتيازات اجتماعية هامة، وبأن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لمن حولي. لم أفهم لماذا كانت لدي هذه الامتيازات منذ الولادة. سارت الحياة بعد ذلك الى طريقها. في البداية، كنت أقول بسذاجة الأطفال: "هذا غير عادي، هناك شيء ليس على ما يرام". ومع اللقاءات التي قمت بها وتوالي الفرص التي أتيحت لي، تطورت ووجدت نفسي أمام الاختيار بين جهة المستغلين (بكسر العين) و جهة المستغلين (بفتح العين) (تضحك). وبعدما مارست لبضع سنوات بعض أشكال البلبلة والدعاية القانونيين، قلت لنفسي، وبالنظر إلى الوضع القائم فعلا، بأنه يجب إيجاد تنظيم يسير في اتجاه حرب العصابات.
- سؤال: ما هي العلاقة بين الثورة والثوريين؟ 
- جواب: الثورة في حد ذاتها غير كافية، فإذا لم يكن الثوري شخصا ثائرا فإنه يصبح موظفا يشكل خطرا على قضيته، لأنه يتخلى عن طرح الأسئلة المستفزة. والحال أنه لكي نتقدم من المهم إعادة النظر في الأشياء. 
- سؤال: تقولين عن الثوار الذين يؤجلون على الدوام الثورة و اللجوء إلى السلاح بأنهم موظفو الثورة.. 
- جواب: نعم، و هذا سلوك كلاسيكي داخل الحركة الثورية. فخلال الثورة الروسية عام 1905، وجد ماركسيون نددوا بها، وخاصة بليخانوف الذي – و يا للمفارقة– أدخل الماركسية إلى روسيا. حينها انتقد لينين – موظفا كلمة ماركس عن "الذين صعدوا للهجوم على السماء" - أولائك الذين رددوا بلا هوادة: "لا، لا، ليست هذه هي اللحظة المناسبة" (تضحك)، في الوقت الذي كانت فيه الثورة قائمة في الشوارع (ونحن نعلم أن عام 1905 أرخ لنشوء السوفياتات). "عفوا، سنعاود الكرة مرة أخرى، أما الآن فسنرجع إلى الكواليس" (تضحك). هناك بلا شك مناسبات حيث يمكن القول بأن اللحظة ليست ملائمة، ولكن ليس دائما، ليس و نحن ننتظر قدوم اللحظة الكبرى Le Grand Soir.
إن تجربتنا في "العمل المباشر" – ولكن ليس فقط تجربتنا – مرتبطة بفكرة البراكسيس هاته. من غير المجدي انتظار اللحظة الكبرى عندما نكون أمام تحول اجتماعي من المهم أن لا نحوله إلى هدف بعيد المدى. و بالنسبة لجيلنا و الجيل الذي سبقنا والذي قطع مع الجمود اليسراوي، كان هناك إلحاح قوي من أجل تحقيق عمل مختلف و فوري يبشر بمستقبل آخر ضد كل "التأجيلات التي تضعف و تتفه وتدمر الكائنات البشرية" ، سواء على مستوى العلاقات بين الرجال والنساء أو على مستوى العلاقات مع السلطة. 
موازاة مع ذلك طرحت مسألة استعمال العنف في إطار صراع الطبقات. فالاختلاف الأساسي في المصالح بين المشغلين والمشغلين لا يحل بالنوايا الطيبة. 
- سؤال: تعتقدين إذن بأن الانتقال من مجتمع رأسمالي إلى آخر شيوعي يمر بالضرورة عبر حمل السلاح يوما ما. ألا يمكن أن يوجد هناك انتقال سلمي؟ 
- جواب: إذا كنا نظن بأن أصحاب المصالح الرأسمالية سيقولون يوما ما: "جيد، لديكم الأغلبية، لذلك سنرحل"، فإننا نخدع أنفسنا. جيلنا هو جيل انتخاب ألندي  Allendeفي الشيلي. انتخب ألندي بطريقة ديمقراطية وضمن سيرورة مطابقة لتصور البورجوازية للديمقراطية. كان ألندي اشتراكيا ديمقراطيا محمولا بحركة "ثورية نشيطة" أعادت النظر في الهيمنة القائمة عندما دفعت في اتجاه تحمل المسؤولية داخل المعامل و حثت المستغلين و المسحوقين على التعاون و التنظيم لاستعادة التحكم في حياتهم داخل أحيائهم. في الجهة الأخرى، قامت البورجوازية الشيلية مدعومة بوكالة الاستخبارات الأمريكية بأعمال تخريبية ضد ألندي. وبعد عمليتين أو ثلاثة، قاد هذا التحالف نحو انقلاب 1973. إن التفكير في انتقال هادئ لهو أمر غير مسؤول، و الشيلي ليست سوى مثالا واحدا. الواقع هو أن الأمر يتعلق بصراع طبقات. 
- سؤال: هل تتساوى كل أنواع العنف أمام العنف الشرعي للدولة؟ هل توجد تراتبيات داخل العنف بين، مثلا، النضال المسلح و عنف المظاهرات التي نفذها عمال الصلب عام 1979 حيث سلبوا وخربوا باريس؟
- جواب: أفضل الحديث عن مستويات في العنف لا عن تراتبيات. فبعد بث فيلم بيير كارل  تدخل أحد المشاهدين و قال بأن الفيلم لم يعط الكلمة لضحايا "العمل المباشر". رد ميشال بنازاياك بأن هناك ضحايا كل يوم للرأسمالية و الإمبريالية: ضحايا القصف على مناطق بكاملها، ضحايا الجوع، أولائك العاجزون على الوصول إلى العلاجات الطبية.. هؤلاء هم أيضا بشر يجري الدم في عروقهم. ثم إني لا أرى كيف يمكن نعت هذا العنف بالشرعي. 
- سؤال: ألم يعمل استعمال العنف المسلح في غير صالح الحركات الاجتماعية؟ 
- جواب: لا، وأنا لست مقتنعة بذلك. بالنسبة لي، يبقى النضال المسلح "عنفا مضادا". وسواء تعلق الأمر بمظاهرة لعمال الصلب أو باغتيال رب مقاولة، فالأمر سيان. فالعنف الأصلي ثاو في قلب النظام، ليس فقط في قلب الدولة، ولكن في قلب علاقة الرأسمال/العمل التي هي علاقة عنيفة جدا. وبالنسبة لي، ليس صدفة أنه في الوقت الذي أصبح فيه العنف المدمج داخل النظام عاديا ومقبولا، تحول العنف المضاد إلى ظاهرة مرفوضة يشار إليها بأصابع الاتهام. الأمور متعالقة فيما بينها في نظري. وعلى كل حال فمن كلاسيكيات الفكر السياسي الوقوف عند العنف المدمج داخل النظام والقبول بالتالي بوجود "ضحايا" لهذا العنف. أن نعامل الناس "كضحايا" معناه أننا ننفي وننزع عنهم القدرة على أن يكونوا ذواتا، كما أن ربط مسألة العنف والعنف المضاد باستعادة نوع من الاستقلالية الجماعية أي بإمكانية استعادة الناس لوضعهم كذوات فاعلة سواء داخل تنظيم مسلح أو في إطار تظاهرة أمر لا يهم، المهم هو الفعل الجماعي لصد علاقات الاستغلال و القهر. 
بالنسبة لأولئك رجالا ونساء ممن كانوا ينشطون خلال تلك الفترة من الاندفاع الثوري، فإن شرعية احتكار الدولة للعنف لم تكن بالبداهة التي نتصور. فارتباط العنف بالنظام الرأسمالي طرح حينها سؤال استعمال العنف الثوري، وحجم العنف الذي يجب استعماله، وطريقة استعماله  اللحظة المواتية لذلك. لم يكن هناك تطابق بين قانونية العنف وشرعيته. وفي سياق هزيمتنا في "العمل المباشر" – ولكن ليس فقط هزيمتنا لأن الأمر يتعلق بظاهرة أكثر اتساعا للأسف – تضاعف عنف النظام، وأصبحت قسوته أمرا طبيعيا، بل إن النظام عرض العنف الاجتماعي الناجم عن سياساته كفرجة، كظاهرة غريبة و خارجية، والمثال على ذلك هم شبان الضواحي الذين لا نعرف ما إذا كانوا ضحايا أم أناسا همجيين، حتى و إن لم ترتبط أفعالهم بمشروع سياسي يروم التغيير. 
خلال أحداث جينوة عام 2001، شاهدت على شاشة التلفزة مناضلا مناهضا للعولمة أنيق المظهر يقول: "إن العنف يدفن المستقبل" قاصدا "جماعة البلاك بلوك". ولكن عن أي عنف كان يتحدث ؟ 
- سؤال: في فترة السبعينات، نظر كثير من المناضلين للعنف و رفض بعضهم الدخول في صراع مسلح حيث فضل جزء من الحركة المستقلة تنظيم عمال الصلب مثلا، كما حدث في إيطاليا حيث لم تنفصل أية مجموعة عن الحركة، و لكن الحركة في كليتها هي التي كانت قد ولجت النضال المسلح. ألا تعتقدين أن هناك فرقا على مستوى الفعالية السياسية بين تنظيم حركة في مجموعها و تنظيم مجموعة صغيرة تنسلخ عن المجموع لتلج مجال الصراع المسلح ؟ 
- جواب: بالنسبة لي الأمران متكاملان. وبصراحة ليس من السهل تحمل مسؤولية العنف. أعتقد أنه يجب أن يكون هناك مزيج من الحزم الشخصي – ليس لأنك تحب العنف و لكن لأن مجموعة من الأمور تدفعك للقول: "بالعنف أستطيع ربما أن أفعل شيئا مفيدا" – و من الظروف المحيطة. أعتقد أنه لم يكن بمقدور المنظمات المتخصصة في الصراع المسلح السير في عملها لو لم تكن هناك حركة عامة. وبنفس الطريقة، أبانت الحركة العامة أيضا عن محدوديتها. وكانت منظمتنا، "العمل المباشر"، عبارة عن منظمة طليعية ضمن منظمات أخرى، لكنها لم تكن هي الطليعة، كنا نعمل داخل كل و لم يكن لمنظمتنا أن تلعب دور قيادة الجماهير نحو الثورة. لم تكن منظمة "العمل المباشر" هي النخبة المتنورة. 
- سؤال: ألا تعتقدين أن ما قام به غاندي كان أكثر فعالية ضد الإمبريالية البريطانية من تجارب أكثر حداثة من العنف "الإرهابي"؟ 
- جواب: أن تمارس الإرهاب هو أن تحول بشرا أو جماهير بأكملها إلى بيادق للاستعمال بحسب مصالح الأقوياء. لا أعتبر مجموعتي ولا الرفاق الإيطاليين ولا الألمان ولا الأمريكيين مجموعة إرهابيين، وأنا أحذر جدا من استعمال هذه الكلمة. إنسانيا، لا يمكن أبدا تبرير الموت المقصود لكائن بشري، ولكن بالإمكان أن نحاول فهم الوضعية التي تؤدي إلى مثل هذه الأفعال داخل صراع معين. أما فيما يخص غاندي، فإنه حصل على الاستقلال من بريطانيا العظمى في إطار السياق الخاص لإعادة البناء الكولونيالي الكبرى. لا يمكن في هذه الحالة عزل الفعالية عن استراتيجيتها. أنا حذرة من المقارنات اللاتاريخية. ومن وجهة نظري، المهم هو فهم التكامل بين الصراعات وأشكال الصراع. 
- سؤال: في بعض نصوص "العمل المباشر" وفي مناسبات أخرى، قلت بأن عملكم لم يكن معزولا، وبأنه كان يشكل استمرارا لصراع الطبقات وللحركات المضادة للاستعمار ولحركة ماي 68 ولقلاقل السبعينات وللحركة المناوئة للتسلح النووي... إلخ. 
- جواب: نعم، وهذا الاندفاع الكبير تراجع فيما بعد. وحتى وإن كانت "العمل المباشر" قد ركزت أكثر على الرأسمال والإمبريالية فلقد تقاطعت مع مطالب حركات أخرى، كمطلب الحركة المناوئة للتسلح النووي. تتمثل وظيفة النووي كوظيفة عسكرية في مركزة إنتاج الكهرباء، وهي المركزة التي تكبح وتكسر استغلال الإنتاج. على العكس من ذلك تسمح البدائل الطاقية بإقامة نظم تنظم ذاتها بذاتها S’auto-organisent. النووي إذن علامة على تحقيق مستوى عال من الأمن والمركزية، وهذا هو موضوع اشتغال الحركات. من البديهي أن يجد الرأسمال مصلحته في النووي أكثر من البدائل الطاقية التي تترك هامشا للأشخاص حتى ينتظموا. ولكن جاءت مرحلة انهار فيها كل شيء: انهارت النضالات ضد الاستعمار وضد وكالات الوساطة Intérim، ونضالات الحركة المستقلة عموما وحتى نضال عمال الصلب. تزامن كل هذا كذلك مع مجيء اليسار إلى الحكم ومعه الأمل في تحقيق الخيار الاشتراكي – الديمقراطي الذي لم يقم –للأسف - سوى بتأدية دوره التاريخي: تمرير ما لم يكن بإمكان اليمين تمريره. لذلك، فقدت هذه النضالات من قوتها، ولكن ذلك لم يكن بسببنا. كانت الاشتراكية الديمقراطية التي وصلت إلى الحكم مع ألندي في الشيلي تقبل بأن تضع نفسها موضع خطر كمؤسسة في السلطة، وهو ما لم يفعله الحزب الاشتراكي مع ميطران. 
- سؤال: تقولين بأن حركتكم لم تحصد منذ سنة 82/83 سوى الهزائم وقليلا من الانتصارات. أحس هنا بأنك متشائمة نوعا ما. 
- جواب: لا أعتقد إطلاقا بأنني متشائمة، ولن أعبر عن الأمور بهذه الطريقة. فمنذ النصف الثاني من عقد الثمانينات ونحن نحس بالفعل بضرورة القيام بشيء مستعجل، وذلك انطلاقا من ملاحظتنا لأفول الاندفاع الثوري. كانت الأمور تسير بشكل سيء، وهو ما كنا نعلمه، إلا أننا كنا نعتقد أننا كنا لازلنا نتوفر على حظوظ لإعادة الروح لهذا الاندفاع، خصوصا بإطلاق أشكال من السلطة المضادة، و بشكل أخص باستعمال عنف ثوري مضاد، من جهة لإثارة الانتباه لدور الدولة الفرنسية في الحروب على شعوب الجوار، ومن جهة أخرى لتغيير علاقة القوة بأرباب العمل. 
في عام 1993، استمعت في الراديو لعضو سابق في اليسار البروليتاري (الذي ظل قائما على الساحة عكس أولائك الذين أصبحوا موظفين تافهين في دهاليز الوزارات) كان حينها في لوهافر على الساعة الخامسة، أربعة وعشرين ساعة بعد عملية كوموندو بيير أوفرني P.Overney ،  استمعت له يقول : "كان هناك شيء ما يحدث في الميناء ذلك الصباح".  بالنسبة للعمال الذين كانوا في عين المكان فهذا يعني أن "هذه المرة لم يكونوا هم من يتلقون الضربة". وفي بعض المعامل التي كانت في صراع مع الرؤساء، فإن عملية هذا الكوموندو ساهمت في خلق علاقة قوة أفضل. 
ومع ذلك لم نفلح في بث الروح في هذا الاندفاع، ولم نحصل على "انتصارات" كان من الممكن أن تساعد على التقدم في العشرين سنة الأخيرة. ومع ذلك لست متشائمة. لم يفاجئني الفراغ الذي تركه غيابنا، كان لدينا إحساس بأننا كنا نرفع من سقف المواجهة مع وعينا بتآكله يوما عن يوم. وهذا لا يعني أيضا أنه لم يكن بالإمكان في تلك اللحظة القيام بعمل ما، و اليوم نرى أننا كنا فعلا إزاء فشل. مؤخرا، قرأت حوارا لرفيق ألماني كان عضوا في حركة 2 جوان  قبل أن يلتحق بجناح "الجيش الأحمر" قال فيه بأنه لا يجب أن ننظر إلى تاريخ الحركة الثورية بعين الحاضر، لأن ذلك سيحجبها عن من سيجيئون لاحقا، إذ أن هناك من سيأتون لاحقا، وسيكونون "مختلفين، لكنهم سيأتون، لأن صراع الطبقات لازال مستمرا". عشنا فترة فراغ مع بداية التسعينات، ومنذ ذلك الحين ونحن نعيش فترة فراغ. وإذا لم أكن متشائمة فلأني أعتقد أن الإبداع الإنساني سيقع على طريقة أخرى لإعادة بناء ذاته. 
في أحيان كثيرة أحيل إلى جملة لجاك لندن في كتابه  Le talon de fer. فبعد انقلاب فاشي في الولايات المتحدة الأمريكية، و إثر تحالف بين ما يسميه الأرستقراطية العمالية و البورجوازية يجد بطل جاك لندن و رفيقته نفسيهما مختبئين في جبل. يقول البطل لرفيقته: "التطور الاجتماعي بطيء بشكل يدعو لليأس، أليس كذلك يا حبيبتي؟". و أظن من وجهة نظري بأن هذا الوصف يطابق الوضع الحالي. فعندما انهار الاتحاد السوفيتي مثلا، ظننت بأن الأمور الراكدة ستتزعزع، وبأن عدة أشياء سوف تحدث، لكني كنت متفائلة نوعا ما: فالتطور الاجتماعي هو بالفعل بطيء بشكل يدعو لليأس. 
- سؤال: هل كان بإمكانكم النجاح في ظل ظروف مغايرة؟ 
- جواب: أنا متيقنة من أن عملنا كان سينجح في ظروف أخرى. فشلنا مزيج من الأخطاء الذاتية و الشروط التاريخية، ولكني أعتقد أن النجاح كان ممكنا في تلك الفترة. كان النجاح ممكنا، لكننا لم ننجح. 
- سؤال: هل كانت أخطاؤكم تكتيكية أم أخطاء تحليل؟ 
- جواب: لا، لم تكن أخطاء تحليل، لم نخطئ بصدد توقع ما كان سيحدث، و لربما ضيعنا وقتا أكثر من اللازم في وصف ما سيقع، في أوروبا مثلا. تمثلت أخطاؤنا بالأحرى في كوننا لم نحافظ بما فيه الكفاية على التنظيم، عندما لم نضع كل قوانا بشكل منظم في المعركة، كما أننا لم نعالج بما فيه الكفاية مسألة الوسائط. قمنا ببعض المحاولات دون أن ننجح في التواصل فعليا مع مختلف الحركات و الجرائد المناضلة التي كانت لا تزال على الساحة الفرنسية. لم تكن الأمور على ما يرام على هذا المستوى، خصوصا خلال السنة التي سبقت اعتقالنا. كان التواصل إذن يمر أساسا عبر وسائل الإعلام البورجوازية القائمة بشكل خاص على تشويه وتدمير نشاط الثوار. 
أجد دائما بعض الصعوبة في التعبير عما عشته كأخطاء. يجب نقد هذا التاريخ –هذا أكيد – ولكن يجب أن يتم ذلك من قبل أولائك الذين يتساءلون حول قضية المستقبل وينظرون إلى التاريخ قائلين: "ماذا يمكن أن نفعله بهذا التاريخ لبناء شيء آخر و الانطلاقة من جديد؟".
- سؤال: عبرت للقاضية المكلفة بتطبيق العقوبات عن غضبك حتى قبل اعتقالك، لكنك تتحدثين أيضا عن إعادة القفز من جديد، وعن الإبداع وإيجاد طريقة جديدة للفعل. إلى ماذا يشير ذلك فعليا؟
- جواب: ليس هناك أي مبرر حتى أتوقف عن الغضب، فالأسباب التي جعلتني غاضبة منذ 25 سنة لازالت قائمة، بل إنها صارت أسوأ من ذي قبل، إلا أني لست مؤهلة اليوم لاقتراح السبيل الذي يسمح بانتصار الحياة، فأنا لم أخرج من السجن سوى منذ أربعة أشهر بعد 17 عاما من الاعتقال. 
- سؤال: و مع ذلك تقولين بأن فترة السجن لم تكن وقتا ميتا !
- جواب: ولكن السجن ليس مكانا للفعل العملي. قمت بدراسة نصوص، إلا أني لا أعلم مدى انخراط الناس الذين يكتبون تلك النصوص، لا أدري إن كانوا يقومون بمجهود حتى يكونوا منسجمين مع ذواتهم. كان الانسجام بين النظرية و التطبيق قويا فعلا لدى جيلنا، و ليس فقط لدى أولائك الذين انخرطوا في الصراع المسلح، كنت إذا فكرت في شيء أنفذه. 
منذ خروجي من السجن وأنا أطرح أسئلة كثيرة، لكني لا أتوفر على الإجابات، إذ أفتقد تماما لأدوات القياس. أنا الآن "ألاحظ"، لكني لا أقتصر فقط على الانتظار دون فعل أي شيء، أفكر، إلا أني أفتقد لبعض العناصر. هناك شيء واضح بالنسبة لي وهو أني أود لو أن يخدم تاريخنا الجهة التي ننتمي إليها وأن يمر إلى بين أيديها بشكل فعال، وألا يكون مما يدفع إلى اليأس.  

بتاريخ الاثنين 09 سبتمبر 2019 - 00:20:50 / عدد التعليقات :

- في كتابك "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" نبّهت إلى ضرورة فهم عميق للدين في المجتمعات العربية التي يتصارع عليها قطبان متضادان (الإسلام السلطوي والإسلام الأصولي).. ضمن هذا التجاذب.. هل يمكن التعويل على الاجتهاد الفردي والجماعي للوصول إلى فكر ديني حقيقي ينهض بالمجتمع وينأى بنفسه عن التوظيف السياسي؟
 الوصول إلى فكر ديني موضوعي يعني الوصول إلى تمثّل عقلي للدين، متخلّص من اللامعقول والأسطرة والأدلجة، وبلوغ رؤية متزنة في علاقة النص بالواقع. ولن يتأتى هذا سوى بوعي سوسيولوجي عميق بمسار تشكّل الفكر الديني لدينا. أما مسألة التوظيف السياسي للدين، فلا مراء أن الإسلام بطبعه هو دين سياسي، منذ إرساء دولة المدينة وإلى الراهن. ولا سبيل للخروج من إشكالية علاقة الديني بالسياسي في بلاد العرب إلا بتحرير السوق الدينية ونزع الاحتكار والمونوبولات في هذا الحقل أي كان مأتاها.
أما بشأن الاجتهاد فالعملية ليست ميكانيكية، بل هي نضجٌ معرفي داخل التاريخ، لم يتهيأ للعرب بلوغها بفعل الرهان التعليمي القائم على الشكلانية. فهل لدينا أنثروبولوجيا عربية أو علم اجتماع عربي أو فلسفة عربية، أو دراسات دينية علمية، أو ما شابه ذلك؟ كلاّ، لدينا مسخٌ من كل شيء. ينبغي أن نعيدَ الدين إلى الناس حتى نبني معرفة صائبة، لقد عشنا ونعيش معركة الاستحواذ على الدين من قِبل الحكام والأحزاب، مع ذلك فهو كالفرس الجموح من يمتطي ظهره سرعان ما تتكشّف عورته، أكان جهازا أو حزبا أو مؤسسة. ثمة توظيف للدين مفزع من عديد الأطراف المتصارعة في المجتمعات العربية، لا يتكلّم أي منها بلسان رشيد.
- ما ظلت تعانيه المجتمعات العربية هو تأويل النص الديني وفق ما يخدم السياسة. أي نظام الحكم، وتكريس فكرة الأصولية كنهج أكثر منه حالة. أصبح البخاري وابن تيمية يضاهيان القرآن لدى البعض من حيث القداسة واللامساس. كيف استفحلت هذه الكارثة لتصبح ما نراه اليوم؟
 الدين في المجتمعات العربية المعاصرة هو إيديولوجيا، ولا يقدر أي نظام أن يتغافل عن توظيفه، ومن ثَمّ ليس هناك أنظمة مدنية أو علمانية، هناك أنظمة متفاوتة في درجة التدين. ويبدو بناء علاقة صائبة ومتّزنة هو أمرٌ في حاجة إلى تفكيك مستجدّ لمعارفنا وتركيبها ثانية، وحريّ أن يطال ذلك قطاعات على صلة بالتراث، مثل الفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث والسيرة وعلم الكلام وغيره. نحن نعيش اغتراب العقل ومصادرته، في الجامعة وخارجها، ومن هذا الباب استفحلت الظاهرة، حتى بات الفارق بين خطاب الأكاديمي وخطاب الداعية ضئيلا.
- دعني أسألك صراحة: برأيك ما الذي يدفع سيدة متعلمة إلى تفجير نفسها في وسط حشد من الناس كما حدث في تونس مؤخرا! أين الخلل في الفكر المجتمعي وحتى الديني المقدم جاهزاً لتحويل كائن ما من إنسان إلى إرهابي؟ 
 إنّ إتيان العنف على هذا النحو هو ناجمٌ عن انفصام في الشخصية، وهو حالة مَرَضية متطورة ذات طابع ديني سيكولوجي مدفوعة بغواية عنف ثوري مغشوش يعيشه كثيرون نتيجة هزال التكوين الثقافي. حيث تتطلع المرأة في هذه الحالة بشكل مهووس للتساوي مع الذّكَر حتى في آثامه. وبالفعل ذلك ما عاشته إيطاليا سابقا مع تنظيمات "الألوية الحمراء" و"الصفّ الأول" و"النواتاة الثورية المسلحة"، فقد كان انخراط نساء في تلك التنظيمات لحاقًا بِوهْم، تطلعت فيه "الثوريات" إلى تشييد المجتمع الطوباوي لتعانق أفقا من التهويمات يجرّ إلى قعر الردى.
بخلاصة يبدو العنف النسوي هدرا لرأسمال اللاعنف الذي بحوزة المرأة، وكلما تآكلت تلك الثروة إلا ودخلت المرأة في حالة من اللاتوازن المريع يتطلب علاجا بنيويا مركّبا. فلا بد من فهم الأمور بعمق، أن الناس في المشرق العربي أو في مغربه يعانون خواء معرفيا بدينهم ودنياهم ولَّد عتمة في أذهانهم، فهناك جيلٌ تائهٌ أرهقته آثام الدكتاتوريات.
- الحرب مع الإرهاب هي حرب فكرية وثقافية بالدرجة الأولى.. هل ترى بأن توتر الرؤى بين الأديان الإبراهيمية ساهم بانتعاش هذه الظاهرة الخطيرة وتحولها إلى آفة كونية؟
 على مستوى واقعي الأديان الإبراهيمية في الراهن هي الأكثر تباعدا فيما بينها. إذ تعني كلمة يهودي بالنسبة إلى البعض الشيطان، وتعني كلمة مسلم المصيبة، وتعني كلمة مسيحي الخنزير، فهل ضمن هذا المنطق يمكن الحديث عن مِلّة إبراهيمية؟ كلاّ، نحن نعيش مرحلة تفجر الإرث الإبراهيمي. كنت قد أفضت في الحديث في كتاب "الأديان الإبراهيمية.. قضايا الراهن" عن هذه المسألة لما لخّصت الأمر بأن ما نشهده من إيلاف في الراهن داخل المجتمعات، يأتي بفعل الإطار التشريعي للدولة المدنية الحديثة لا بموجب تحريض تلك الأديان. رغم ما يلوح جليا من قواسم مشتركة، ومن تقارب عقائدي بينها. وبالتالي يبقى التحدي يواجه الجميع، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر –نقصد الإسلام الأوروبي- بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلبا للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن وتلك النُّصرة عند رفيقه في رحلة الإيمان، فهو ليس في استضافة الكاثوليكية "التقليدية" ولا البروتستانتية "التقدمية"، ولكن هو في كنف العلمانية.
- التنظير لفلسفة التقارب بين الأديان لا تسير على نهج موحد في المنظور الإسلامي والمنظور الكاثوليكي.. في ظل هذا الواقع: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه دُعاة الحوار للانفتاح على الآخر في إطار التحديات التي يواجهونها والتي تحدثت عنها بوضوح في كتابك الهام (الأديان الإبراهيمية)؟
 ثمة فروق جمّة بين الكاثوليكية والإسلام اليوم من حيث القدرات المعرفية. فلازال الآخر بالنسبة إلى جامعاتنا هو الضال والباغي والمنحرف، وهذه عقلية تمنعنا عن فهم العالم والتعايش معه. ولكن بشكل عام الحوار والتقارب بين الأديان، سيما في نسخته الغربية، هو استراتيجية هيمنة تبدو القدرات العربية فيه ضحلة، إسلامية كانت أم مسيحية. ولعل أكثر ما تُهدّد تلك الهيمنةُ المسيحيةَ العربيةَ، بموجب ما لحقها من فتور وتفسّخ، لتجد نفسها تجابه كنائس غربية عابرة للقارات، غدت بارعة في التحكم باقتصاد المقدّس على نطاق عالمي.
- ما نلاحظه أن العالم الغربي مازال يجهلنا ثقافياً بالرغم من وفرة مؤتمرات (الحوار بين الأديان) و(حوار الحضارات) .. فهل يمكن الرهان على سلطة المعرفة لتلافي هذه الفجوة الخطيرة؟ وما دور الترجمة لتحقيق التفاعل الإيجابي على هذا الصعيد؟
 سيظلّ الغرب يجهلنا ما دمنا لم نحقق مناعة وجودية لأنفسنا، فالغرب لا يبالي بالهامش، ونحن على هامش هذا العالم ثقافيا مهْما أوهَمونا بجوائز نوبل أو ما شابهها. الغرب يركّز نظره في الأقوياء، فلا تعنيه ثقافيا تونس ولا الجزائر ولا العراق ولا مصر فنحن في منظوره ننتِجُ هذيانًا معرفيا ولغوًا كلاميا غير جديرين بالإصغاء، ولذلك هو لا يترجم لنا إلا النزر القليل وأحيانا مدفوع الأجر مسبقا.
- (اعرف عدوك) مقولة تاريخية موضوعية تعكس أهمية الاطلاع على ثقافة العدو لتشخيص نقاط الضعف والقوة لديه ومن ثم التهيؤ له.. في هذا الإطار وربطاً بما قدمته في بحثك الهام (الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري) أود أن أعرف رأيك: إلى أي درجة استفاد العرب من هذه الرؤية منذ تأسيس (إسرائيل) وحتى اليوم؟!
 كتاب "الاستهواد العربي" هو تعرية جريئة للفكر العربي في موضوع اليهودية. فعلى مدى قرن أو يزيد نلهج باسم إسرائيل مع ذلك لم نعرف فحوى التلمود، ناهيك عن المدونات الأخرى التي تستلهم منها إسرائيل وجودها السياسي والمعرفي. تعلّمنا شيئا وحيدا أن هناك فرْقا بين الصهيونية واليهودية. وأنا أتساءل هل ثمة صهيونية بدون يهودية؟ وهل لمقولات آباء الصهيونية مثل تيودور هرتزل وصامويل موهلافر ويعقوب رانز وأبراهام إسحاق هاكوهين كوك وشاؤول يسرائيلي وموسى حرْلَب معنى بدون التراث العبري. ما أنصح به الدارسين العرب الجدد الذين يزمعون دراسة اليهودية المعاصرة أن ينسوا هذا التقسيم المضلّل وألاّ يضيعوا وقتا كثيرا في ما كتبه العرب المحدثون حول اليهودية. لدينا انحرافات كبرى في منهج دراسة اليهودية يضيق المجال عن ذكرها، كان قد أشار إليها الراحل نزار قباني بلباقة عالية:
أمارس التشخيص خلف حضرة الإمام
يقول: اللهم امحق دولة اليهود
أقول: اللهم امحق دولة اليهود
يقول: اللهم شتت شملهم
أقول: اللهم شتت شملهم
يقول: اللهم اقطع نسلهم
أقول: اللهم اقطع نسلهم
يقول: اغرق حرثهم وزرعهم
أقول: أغرق حرثهم وزرعهم
وهكذا يا سادتي الكرام
قضيت عشرين سنة..
أعيش في حضيرة الأغنام
أعلف كالأغنام
أنام كالأغنام
أبول كالأغنام
أدور كالحبة في مسبحة الإمام.
- 'كما تعلم' المنهج العلمي في دراسة الأديان غائب في بلادنا تقريباً.. قل لي كباحث عربي متخصص في الأديان ومقيم في المجتمع الإيطالي منذ فترة طويلة: ما الإفادة الثقافية والحضارية التي يمكن تحقيقها لشعوبنا من خلال ترسيخ هذا العلم إزاء ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية بعد صعود الإرهاب والتطرف والتكفير؟
 يهدف المنهج العلمي إلى دراسة الظواهر الدينية من زاوية خارجية. ونرجع تراجع هذا التمشي ضمن سياق الثقافة العربية إلى عدم توفر الشروط التاريخية المعرفية لذلك، وبقاء تفسير الأمور في حدود ما هو غيبي وباطني. إذ بافتقاد الشروط التاريخية المعرفية يتعذّر على الإنسان المتديّن إعادة قراءة تجربته، ومراجعة نسق مفاهيمه، ما أبقى العربي والمسلم عامة في مستوى استهلاك الاعتقاد وقصوره عن بلوغ مراتب تَبَيّن أصول الاعتقاد، وهو ما يتطلّب تجاوز حاجيات الغريزة إلى طرح تساؤلات الثقافة. ولا تزال المعالجة للدين والكائن المتديّن مطروحة على الوجه الأغلب ضمن رؤية إيمانية، مع إسهامات علمية خاطفة، ولا يمكن الحديث حتى الراهن الحالي عن خط منهجي تاريخي أو مقارني أو سوسيولوجي. فالمبادرات فردية ومحدودة ولا تَرِد ضمن تراكم علمي في دراسة الظواهر الدينية. وأبرز مظاهر هذا الوهن ما يطفو من خلط في المصطلحات المتعلقة بدراسات الأديان والدراسات اللاهوتية بين كثيرين، مثل عدم التفريق بين علم اللاهوت وعلم الأديان، وتاريخ الأديان ومقارنة الأديان وعلم اجتماع الأديان، ولعل خير مثال على هذه الضحالة المعرفية التي نعيشها في هذا المجال كتاب العراقي خزعل الماجدي المعنون بـ"علم الأديان" الصادر بالمغرب سنة 2016، وهو أقرب إلى "كشكول للأديان".
منهج علم الأديان باختصار هو منهج موضوعيّ يهدف إلى الوعي بظواهر المقدس وهو منهج يتميز عن المنهج اللاّهوتي من الناحية النوعية والكمية، فهذا الشكل الأخير (علم اللاهوت) يجيب عن سؤال: ما الواجب علينا الإيمان به؟ ولماذا ينبغي علينا الإيمان بذلك؟ في حين يهتمّ علم الأديان بكلّ ما هو معتقَد من قِبل البشر بقصد إرساء وعي موضوعي.
وبإيجاز مشاكل العالم العربي هي أكبر من قدرات أي علم من العلوم، ولكن الوعي العلمي بالظواهر الدينية يمكن أن يسهم في حلّها.

بتاريخ السبت 22 ديسمبر 2018 - 03:58:46 / عدد التعليقات :

يقدم الفيلسوف والمحلل النفسي ميغال بنازياك M. Benasayag نفسه "كمناضل باحث" وذلك حتى يعزل ذاته عن "المناضل " الذي يخدم خطاب وممارسات أسياده. انخرط بنازاياك في حرب العصابات الغيفارية ( من تشي غيفارا) في الأرجنتين أيام حكم الدكتاتورية العسكرية، وهي الحرب التي كلفته عدة سنوات داخل السجن. يعيش و يشتغل حاليا في فرنسا حيث ينشط، ضمن اهتمامات أخرى، جماعة "Malgré tout" التي تضم عدة تنظيمات من مختلف بقاع العالم تعمل داخل إطار ما يسميه بنازاياك "الجذرية الجديدة"، وهو إطار يروم تغيير العالم بواسطة مقاومة تمر عبر الإبداع.
 
- سؤال: بالنسبة لكم، تتميز النضالات الاجتماعية الجديدة التي تنبعث من مختلف جهات العالم منذ عقد التسعينات عن سابقاتها بأنها ليست فقط نضالات هدامة، ولكنها أيضا نضالات تتوق إلى بناء وترسيخ الحياة. هل يمكنكم أن توضحوا لنا ماذا تقصدون بهذا النضال "لأجل الحياة"؟
- ميغيل بنازاياك: في الواقع، أعتقد أن ما يتوجب تغييره، على الأقل في حده الأدنى، هي تحديدا مقولة "النضال". ما يقع هو أن الحديث عن النضالات وعن المنطق وعن المواجهة يستدعي أيضا أن نتقاسم مع العدو على الأقل مجالا ترابيا مشتركا. إلا أن هذا لا يشكل اليوم، فيما يبدو، أساسا لما يحدث في عدة مناطق وبلدان من العالم. لهذا السبب أود أن أستعيد، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، ملفوظ جيل دولوز: "أن تناضل هو أن تبدع". في الواقع يتوجب أن نلاحظ اليوم انبعاث أشكال جديدة من العلاقة الاجتماعية ومن الأشكال الثقافية ومن أنماط الحياة. إن شيئا ما يمر، بمعنى ما، نحو بعد "المعنى"، مع العلم بأن "المعنى" ليس شيئا اعتباطيا أو ذاتويا، ولكنه شيء ببعد أنطولوجي. إن بشريتنا تبحث عن ذاتها بعد وبسبب الإنهاك التام للأشكال الكلاسيكية للحداثة وللمجتمع ولثقافة الفرد أمام زحف مختلف المشاكل التي تواجهها البشرية. لهذا السبب يتعلق الأمر بقضايا ومشاكل حياتية، وبمسألة معرفة عبر أية قناة يمكن للحياة أن تستمر في التطور. وهذا السؤال السبينوزي شيئا ما هو ما يشكل جوهر الموضوع. فقط يجب أن نعي بأننا عندما نقول بأن "الثقافة والمجتمع وثقافة الفرد توجد في حالة إنهاك، أي عاجزة عن تطوير الحياة"، فإننا لا نريد أن نحيل إلى مجموع أو إلى كل مزعوم يكون نقيضا للفرد. عندما نتحدث عن "ثقافة ومجتمع الفرد" فإننا نعين، في الوقت ذاته بطبيعة الحال، شكلا للجماعي، شكلا يقدم ذاته ويتبنين وينضبط كما لو كان شيئا معطى، شيئا عبارة عن تجميع لأفراد معزولين عن بعضهم البعض. 
- سؤال: هل تعتقدون أنه بإمكان مختلف ضحايا الهشاشة، أولائك الذين يعانون من هشاشة العمل ومن أكبر أنواع الإقصاء أن يطوروا هذا النوع من النضال؟ أليس من المفروض فيهم أن يوجهوا نضالاتهم ضد المجتمع الذي تسبب في معاناتهم؟ ألا تكون معاناتهم في بعض الأحيان على درجة من الحدة يستحيل لهم معها القيام بأية ثورة؟ 
- جواب: في الواقع، إن ما يحدث هو أن الضحايا، انطلاقا من تمثلهم لأنفسهم "كضحايا"، ملزمون بأن يطالبوا بتحقيق العدالة وطلب التعويض من المجتمع الذي يسحقهم ويقهرهم. لمئات المرات علمتني تجربتي مثلا داخل الأراضي المحتلة والأحياء المسيرة ذاتيا أو داخل الأحياء الأخرى أن الناس يبدؤون في القيام بأشياء حتى يظلوا على قيد الحياة وحتى يلبوا حاجياتهم، وشيئا فشيئا، تتحول هذه الأمور إلى معامل حقيقية وإلى مختبرات حقيقية لبناء صورة جديدة وأشكال جديدة للحياة. هكذا يبدأ الناس في القول: "لقد بدأنا نقوم بهذا الأمر لنظل على قيد الحياة وهكذا أصبحنا نحيى"، نحيى شكلا أعلى من الحياة. إن الأمر يتعلق إذن بانبعاث سلسلة من التجارب الوجودية، تجارب أكثر رحابة وعمقا من التي نعرف، كالبعد السياسي التقليدي مثلا. 
- سؤال: تكمن قوة الأنواع الجديدة للنضال، من وجهة نظركم، في قطعها مع الخطاطات التقليدية للتنظيم ورفضها لكل بنية تراتبية. أين هو وجه الجدة في هذا التصور؟
- جواب: إن ما يتبين في هذه التجارب الجديدة والمتعددة هي بالذات هذه القطيعة مع عالم التمثيلية، أي أننا نشهد تطور نوع من القوة الحاضرة فعليا، هنا والآن، وهذا لا يعني أنه لا يمكن لهذه الأخيرة أن تستمر في المستقبل، بل العكس هو الصحيح. فقط، عندما نقطع مع الشكل الكلاسيكي للتمثيلية فإننا نقطع مع الانتظار ومع الوعد ومع المبدأ السياسي الكلاسيكي الذي يقول: "ضعوا ثقتكم فينا وانتظموا داخل الصف". إن من يرغب في الحرية يبدأ في الخضوع "لسيد". بهذا المعنى فإن القطيعة مع الانتظار وسكنى الحاضر دليلان على وجود قوة تحررية كبرى. من المهم أن نتذكر أن سبينوزا كان يضع الأمل ضمن "الأهواء الحزينة"، لأنه يتركنا دائما ننتظر غودو .. هناك فرق شاسع بين الفعل مع الأمل في العثور على برنامج أو نموذج من جهة، وما يحدث ويجري من تطويرات للمشاريع الملموسة البعيدة عن أن تكون مجرد نماذج أو برامج. 
- سؤال: كشفت تظاهرات سياطل (2005.. المترجم) النقاب عن فعالية التنظيم الشبكي حيث تنظم المناضلون داخل مجموعات متقاربة مستقلة عن بعضها البعض. في هذا السياق، ألم تكشف تظاهرات جنوة وغوتبرغ ( 2002.. المترجم) عن حدود هذا النوع من التنظيم؟ وبشكل أعم، كيف يمكن لهذا النموذج التنظيمي أن يرد، في نظركم، على التجريم المتصاعد للحركات المناهضة للعولمة؟
- جواب: في الواقع، أعتقد أن الصحافة العالمية تقوم بتضخيم هذه التظاهرات الكبرى، لأن ما يخرج من هذه الأحداث ويتخذ بعدا أنثروبولوجيا وتاريخيا وفلسفيا هو من الجدة بحيث يصعب فهمه داخل الإطارات الضيقة للصحافة. إن ما يحدث لهو من الجدة ما يجعله ينفلت لفهم الجامعيين، ناهيك عن السياسيين المحترفين والمناضلين التقليديين (أولائك الذين ننعتهم بالمناضلين الحزينين الذين يعتقدون أن ما يحدث يتسم بغموض و"بعفوية" أكثر من اللازم، وأنه يجب تأطيره وتنظيمه، كما يعتقدون أن هذه اللقاءات تحولت إلى أماكن بدأت تعرف بعضا من "النظام وسط كثير من الفوضى". 
وفيما يخص تجريم الحركة، فهذا ليس مشكلا، بل هو فرجة خالصة. الحقيقة أنه لا يمكن الاحتجاج بشكل جذري على نظام اجتماعي ثم انتظار أن يحبنا هذا النظام وممثليه. فيما يخصني سأكون منزعجا جدا إذا ما أحبني ممثلو هذا النظام النيوليبرالي المجرم بلا شك. إنهم لا يحبوني، ولا أنا أحبهم. وسنوات السجن والمنفى وموت من أحببتهم بقوة هي ما يشكل أسباب سعادتي وقوتي وحتى نخوتي. 
- سؤال: تواجه الحزن الاجتماعي والفردي الذي يميز المجتمع الرأسمالي بالنضال من أجل الفرح. بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر وتطور مختلف أشكال العنف الجذري على المستوى العالمي، هل مازال ممكنا تطبيق هذا البرنامج؟ ألا يجب بالأحرى أن نخلص إلى أن الكارثة قد حلت وأنه لم يتبقى لنا سوى أن ننظم تشاؤمنا؟ .
- جواب: لا أدري لماذا نحن متشائمون لهذه الدرجة، ولكن فيما يتعلق بعالمنا الصغير، فإن الأمور هي بعيدة عن أن تكون حزينة لهذا الحد. في الواقع، هناك أمران في حدث الحادي عشر من شتنبر: شيء حزين وحزين جدا وهو أنه في يوم الحادي عشر من شتنبر من عام 1973 قامت وكالة المخابرات الأمريكية والأوليغارشيا المحلية بسحق فرحة الشعب الشيلي وسط الدم بفعل انقلاب بينوشي  ضد الرفيق ألندي. أما إذا أردتم الحديث عما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية فهناك، في الواقع، إرهاب لا يتصور تمثل في إرغام الجميع على اعتبار العمل الحربي الذي وقع داخل تراب الولايات المتحدة كارثة شبه شخصية. و في نفس الأسبوع لا أحد علم كم من الأفارقة سقطوا في الحرب وكم من الأطفال ماتوا بسبب ظلم نظامنا الاجتماعي. إن ابن لادن هو منتوج للولايات المتحدة حتى أننا واجهنا بعضنا البعض في خنادق نيكاراغوا باعتباره كان يحارب ضمن قوات "الكونطرا". هذا لأقول بأنه ليس لدي أي تعاطف مع هذه الشخصية ولا مع الوسائل الإرهابية للسلطة. مثلا، لم نقم ولم نطور أي أعمال إرهابية أيام مقاومتنا للطغمة العسكرية. إلا أن ما حدث مع الأمريكيين هو أنهم تعرضوا للهجوم فوق ترابهم، تماما كما يحصل عندما يهاجمون الشعوب الأخرى. الحرب بشعة، ولكن لا أرى لماذا يكون قصف ساكنة مدنية بواسطة طائرات حربية أقل خطورة مما حصل داخل الولايات المتحدة. يجب رفض الإرهاب الذي يريد أن يوهمنا بأن الهجوم على الأمريكيين هو هجوم علينا أيضا. هذا ليس مشكلنا، ليس لنا أن نختار بين الطاعون والكوليرا، فقضيتنا هي التطوير البطيء والمفارق والصعب لعالم جديد، متعدد ومرح هنا والآن. أما فيما يخص المستقبل، فإني أترك الأمر للأغبياء ليتفاهمو حوله فيما بينهم. 
- سؤال: قمتم بدراسة الايديولوجيا الأمنوية، وقلتم بأنها تؤدي إلى عزل الناس عن بعضهم البعض بتخويفهم واختزالهم في وضعيتهم كأفراد، وتعتبرون مقولة الفرد صناعة رأسمالية تواجهونها بمقولة الشخص التي تعتبرونها مقولة إيجابية. هل لكم أن تعودوا بنا إلى هذه الإيديولوجيا وإلى هاتين المقولتين؟ 
- جواب: إن مقولة ومفهوم وكذلك ثقافة الفرد لا يمكن تقديمها فقط "كمنتوج للرأسمالية". في الواقع، بين انبعاث الانشغال بمقولة الفرد وظهور مقولة الفرد - مما يمكن التأريخ له بأعمال أبلار - وحتى يومنا هذا، لم يسبق "للفرد" أن دل على نفس الشيء إلى درجة أن معنى ومحتوى المفهوم تحولا إلى نقيضيهما. إن الممارسة - كمفهوم- تولد، كما يقال، من الانعتاق، أما اليوم، فإن "فرد" يدل على المجتمع المنمط، وعلى الحزن، والعجز. وفيما يخص الإيديولوجيا الأمنوية، يمكن القول بأننا أمام عرضsymptôme s حقيقي للأزمة، ولكن بالمعنى العميق. في الواقع، إن من يتحدث عن اللأمن يعلم، أو من المفروض فيه أن يعلم، عما يتحدث. من وجهة نظري، في كل مرة أسمع فيها أحدهم يتحدث عن غياب الأمن، فإن الصورة التي تتشكل لدي هي صورة عالم حيث ثلاث أرباع الساكنة محكوم عليهم، بطريقة أو بأخرى، بالشقاء، أو حتى بالاختفاء، أما الربع المتبقي، ذلك الذي لا زال يستغل لصالحه هذا الوضع الاجتماعي الظالم، فهو يعلم، بطبيعة الحال، أن الآخرين يكرهونه ويسرقونه ويهاجمونه. باختصار، إن الحديث عن غياب الأمن يعني التموضع مسبقا إلى جانب القوة، في صف أولائك الذين يستغلون هذا الوضع الاجتماعي. يجب ألا يصوت أحد في الدور الثاني للانتخابات الفرنسية  ، لأنه حتى ندافع عن الديمقراطية، فعلينا أن نقول بقوة "كفى" لهذا النفاق حيث يقف الطرفان في الواقع في صف واحد، الفرق أن طرفا يسخر التنويم والآخر لا يستعمله، وكلاهما يقفان في صف الأقوياء ضد الشعب، ضد الشعوب. واليوم، كما البارحة، علينا أن نتموقف مع أو ضد مسحوقي الأرض، ليس بسبب وجود العنف، ولا لأننا نحب الفقراء باعتبارهم قديسين علمانيين، ولكن لأننا نرفض أن نحس بأننا نقف مع الأقوياء. لا وجود لمشكل غياب الأمن، المشكل هو تحلل العلاقة الاجتماعية، المشكل هو فساد السياسيين، المشكل هو تلك المختبرات الصيدلية التي تدمر ساكنة برمتها باسم الربح الاقتصادي. هناك عنف لأن النسق البيئي يدمر يوميا، ولكن ليس هناك من جهة عنف ومن جهة غياب للأمن، كما يعتقد ذلك البورجوازي الذي ينظر نحو تلفزته منددا. هناك كارثة حقيقية تنتظر الحياة. هذا هو المشكل. والآن، لا يجب أن ننتظر أكثر، ولا أي شيء، ولا أي أحد. يجب القيام بشيء ما. 

بتاريخ الجمعة 13 أكتوبر 2017 - 04:46:46 / عدد التعليقات :
LAN_GOPAGE 1 2 3 4 5 6 7