آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'فهامة ومفاهيم'

يتمتع المخزن الشريفي اليوم بشرعية تاريخية، يستمدها من قوة استمراريته لقرون بالمجال السياسي في المغرب، فهو ليس وليد مرحلة الاستقلال، و لم تزرع بذوره، كما قال الأستاذ بنعلي، إبان عهد الاستعمار. هو فكر و ممارسة ضاربة في جذور التاريخ، مما مكنه من التمرس والاحتراف في عالم السياسة، حيث راكم المعرفة و الخبرة اللازمة لاختراق المجتمع و ضبطه، ولتدبير أزماته وإخماد فتنه. إن مؤسسة المخزن ليست دخيلة على هذا المجتمع، بل انبثقت من صلبه، حيث تعتبر مؤسسة عضوية من مكونات الشعب، وتعترف لها الذاكرة الشعبية بالقدرة على الحفاظ على وحدة المجتمع، فحتى الاستعمار لم ينل من مشروعية هذه المؤسسة، بل بالعكس استخدمها لصالحه، كما عمل على صقل معارفها السياسية.
 
إذن، نحن نناقش اليوم مؤسسة عريقة، قادرة على إعادة إنتاج نفسها بالرغم من المتغيرات الاقتصادية والسياسية المحيطة بها، والسؤال الذي يطرح علينا في هذا السياق هو: هل تحول مغرب ما بعد الاستقلال إلى دولة عقلانية عصرية، أحدثت قطيعة مع الفكر المخزني، أم مازال المخزن مستمرا بموازاة مع المؤسسات الحديثة أو ربما يشتغل من داخلها قصد التحكم في خيوط اللعبة السياسية؟ هل نحن أمام فسيفساء غير متجانس بين الإدارة العتيقة و الحداثية، أم نحن أمام نظام سياسي أزلي تتلون قشوره مع متغيرات الزمن، لكن عمق بنيته السياسية متكلِّسة؟ 
 

هل تقلص دور المخزن بإنشاء مؤسسات السلطة الجديدة واختصاصاتها في مغرب ما بعد الاستقلال، أم ساعد هذا التوسع المؤسسة المخزنية على الانتشار و التغلغل في أحشاء الدولة الحديثة، مما قد يوحي باستمرارية المخزن في عمق الدولة المعاصرة؟
 
من خلال مسح سريع لما كتب حول المؤسسة المخزنية، و قراءة في المعطيات المتوفرة لدينا حول بلقنة الانتخابات، و التحكم في المشهد السياسي، ورعاية اللوبيات الاقتصادية، و الانتشار على جميع الأصعدة، نكاد نجزم أن التنظيم السياسي المخزني بمفهوم مجاله المادي انتهى ليبدأ عهد جديد بمخزنة الدولة العصرية. لقد انتهى فعلا النظام المخزني القديم لتبدأ الدولة الحديثة، لكن بفكر مخزني و خطاطات مخزنية تغلغلت في الثقافة السياسية المغربية. لقد انتقل المغرب من الدولة المخزنية باعتبارها تنظيما فريدا إلى مخزنة الدولة الحديثة.
 
ابتدأت مخزنة الدولة الحديثة بمؤسسات عصرية تفكر وتتعامل بأسلوب مخزني ينبني في مجمله على منطق شراء الولاءات و تحالف المصالح، تلك بعض الخطاطات المخزنية التي تخترق جميع دواليب الحكم من تعيين الولاة والعمال والسفراء إلى تعيين المدراء و الكتاب العامين. لقد اخترقت الخطاطات المخزنية الكثير من المجالات، حتى أصبحنا نصادف نقابات تعليمية عتيدة مثلا، تنتخب هي الأخرى بمنطق الولاءات والتحالف، فالكل اليوم منخرط في ذكاء الحيلة الذي يحث العضو الاجتماعي على أن "يأكل و يُؤكِّل!"
تصف هند عروب مصطلح المخزن بأنه تعبير فضفاض عائم و عصي عن التعريف، نظرا لديناميكيته في تجديد ذاته وقدرته على التكيف بموازاة مع مؤسسات الدولة العصرية ضمن جدلية المد والجزر بين القطيعة والاستمرار، حيث تؤكد الباحثة عن تآكل بعض مظاهر المخزن السلطاني، لكن مع استمرار مظاهر أخرى بشكل لافت للنظر في الحياة السياسية، إذ بالرغم من اختلاف الدساتير التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، حافظت الملكية، كما تقول هند عروب، على بنيتها المخزنية المركزية القائمة على مسرحة السلطة وأسطرة الحاكم، وتتجلى مظاهر الأسطرة في إعادة إنتاج الطقوس السلطانية، و دعم ركائز الحكم الدينية و الدنيوية، وهكذا فإن ملك دساتير بعد الاستقلال، لا يختلف كثيراً عن السلطان وحكمه الثيوقراطي الذي ينفرد باختصاصات متعددة ومتداخلة.
 
تشتق كلمة "مخزن" مدلولها من أصل الكلمة اللغوي "خزّن"، بمعنى جمع وراكم المؤن، و استُعملت هذه الكلمة كذلك للدلالة على جمع الضرائب، فالمخزن بداية يشير إلى المكان الذي تجمع فيه الضرائب الشرعية قبل إرسالها إلى دار السلطان. تعددت النظريات حول تاريخ هذه المؤسسة العريقة، فهنالك نظرية المخزن-القبيلة المستقاة من الفكر الخلدوني، حيث تؤكد أن المخزن جهاز يضم القبيلة أو الاتحاد القبلي الذي يسيطر على الحكم، و بهذا فإنه مخزن يدافع عن مصالح عشيرته، و يُخضِع باقي القبائل بمنطق الجباية و العنف، مما يذكرنا بمقولة فَضُّول غرنيط التي ساقتها هند عروب على سبيل المثال، "ريش الطير لا يطير"، بمعنى أن السياسة الجبائية تعد وسيلة تحكم في تمرد القبائل، حتى لا تسعى وراء الاغتناء المنفصل أو المستقل عن السلطة المركزية.

هناك كذلك نظرية المخزن-الزاوية التي تأسست حول الالتباس بين القداسة والسياسة، إذ انطلق المخزن من رباطات دينية أو زوايا بعينها جهزت الجيوش وباشرت الدعوة لتخوض مغامرة الحكم، خصوصا في العهد المرابطي والموحدي والسعدي، ويظل النموذج البارز في هذا السياق هو الزواية الدلائية التي نافست السلطان في القرن السابع عشر على الحكم بتوفرها على مخزن بإدارته و أعيانه وولاته وجيشه وسلطانه.  
 
في رأي العروي، استُخدمت كلمة مخزن للدلالة على أجهزة الدولة الحديثة، حيث ارتبطت الكلمة بالهيئات الإدارية و المراتب الاجتماعية، مما يحيلنا على خلاصة مفادها أن الطقوس والتقاليد و الظهائر الملكية، تعتبر هي أيضاً سلوكيات ومراسيم مخزنية. ووفق هند عروب دائما، ميز عبدالله العروي بين معنيين في تصنيف مخزن القرن التاسع عشر، إذ تحدث عن المعنى الضيق للمخزن الذي ينحصر في البيروقراطية والجيش، وكل من يتقاضى أجرا من الخزينة السلطانية، و المعنى الواسع لمجموع مكونات الجهاز المخزني، والتي تتشكل من قبائل الجيش و الشرفاء و الصلحاء. بفضل هذا المفهوم الواسع، يصف العروي المخزن بأنه مُؤسلم مُعرّب، مخزن شريفي قام بدور التحكيم بين القبائل و دافع عن الوحدة الترابية ووحد القبائل في إطار إيديلوجية دينية، كما نهج جهادا دفاعيا للحفاظ على سلمية المجتمع.
 
 
هذه الأطروحة الوطنية تأتي عكس الأطروحة الكولونيالية التي يتزعمها ميشو بيلير، والقائلة بأن المخزن ممزقا ممركزا لا يستطيع السيطرة  على الهوامش، و بأن سياسته قسمت المغرب إلى بلاد المخزن وبلاد السيبة التي تخرج أحيانا عن طاعة السلطان وتتمرد على أوامره بدفع الجبايات. تصنف هذه الأطروحة الإفرنجية المخزن بأنه مؤسسة قائمة على الاستبداد و اللا شرعية، فهو يرعى الفوضى الاجتماعية و يستغلها لصالحه، و يعتمد سياسة "فرّق تسد" لتأجيج العداءات و النعرات القبلية لكي يعزز وظيفته التحكيمية، مما دفع إلى انتشار تمثل راسخ في المخيال الشعبي يقول: "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، و تعبر اللغة العامية الحالية عن هذا التمثل نفسه بالقول المأثور: " والله وخطانا المخزن غير لا كلينا بعضياتنا!"
 
  
 
يفضل الطوزي استعمال لفظ "دار المخزن"، ليحيلنا على مفهوم "المجال المادي الذي تمارس فيه السلطة السياسية فعليا"، و بالرغم من أن السلطان يحتل موقع المركز في هذا المجال و يرسم خريطته السياسية، إلا أنه منفصلا عن دار المخزن، نظرا لمشروعيته الدينية، بينما يظل المخزن مفهوما دنيويا للسلطة فارغا من أي شحنة دينية، و يفتقد لأي صفة أخلاقية سامية، همه الوحيد، في نظر الطوزي دائما، المحافظة على استقرار النظام المخزني، حيث له القدرة على الاختراق والانتشار، و يستبيح جميع الممارسات بعيدا عن الأخلاق والعواطف، لذلك "فالبرغم من أن الملك يرأس الجهاز، إلا أنه غير متورط في نشاطاته"، كما يؤكد على ذلك محمد الطوزي ، نظرا لأن شرعية الملكية التاريخية لم تمتزج قط بلاشرعية المخزن خلال الأزمات، و هكذا ظل السلطان بعيدا عن النقد والتقريع والمساءلة و الإسقاطات السلبية، يتمثل في المخيال الشعبي غير مسؤول عن طرق المخزن المشروعة أو غير المشروعة في إدارة الأزمات وبسط هيمنته على باقي المجتمع. من أين يستمد المخزن قوته؟ يستقي سلطته وتوقيره من الهيبة السلطانية التي تعتبر إحدى الدعامات الأساسية للمُلك بالمغرب، مما يفسر لنا تمسك النظام السياسي بسلوك طقسنة البيعة و مسرحة الحكم و أسطرة السلطان، كلها دعائم أساسية لصناعة هيبة المُلك.
 
 
لقد أشرنا سابقا بأن البنية التنظيمية المخزنية انتهت على مستوى الممارسة من الحاجب و قائد المشور و المسخرين والرقاصة من قبائل الجيش وأصحاب الخناجر وأصحاب الشكارة و الصدر الأعظم ووزير البحر ووزير الشكايات والعلاّف الكبير وأمين الأمناء  وخليفة السلطان و الباشا و القائد و الشيوخ و المخزانية و المحتسب ( انظر هند عروب)، و بهذا دشن مغرب الاستقلال بداية عهد جديد بدولة مؤسسات و دساتير وقوانيين تحدد العلاقات بين المؤسسات و الأفراد، و تنظم عمل  الحكومة و الأحزاب و المجتمع المدني، لكن السؤال الأزلي مازال يراودنا بإلحاح: هل فعلا تخلص النظام السياسي الجديد/القديم من بقايا الذهنية المخزنية أم مازالت دار لقمان على حالها، تتشبث بالخطاطات المخزنية التي تصنع مسرحة الحكم و تعيد إنتاج أسطرة الحاكم و تزرع الخوف في قلوب "العوام"؟
 
يلاحظ حاليا بأن المخزن سلطة مضمرة في المجتمع تستقي قوتها من معرفة عميقة بالأفراد وخبايا المؤسسات و أسرار القلاقل الاجتماعية، و تحسن التخويف والمساومة و التحالف و الاضطهاد، مما يحيلنا على واتوربوري الذي يضع أطروحة مخزن بتحالف مصالح دون إيديلوجية معلنة، حيث يرتكز الجهاز على تكوين تحالفات للحفاظ على السلطة السياسية و الاقتصادية في البلاد، و لا يهمه بناء أي تيار فكري أو إرادة جماعية إيجابية. لقد وُجد المخزن في نظر واتوربوري لخدمة مصالح الجماعات و الأفراد التي ينتمي إليها. هذا لا يعني أن المخزن مستبد يسعى لسحق الخصوم، بالعكس، كما سبق الذكر فهو يحسن التفاوض و المراوغة، و يلتجأ للعنف كحل أقصى وأخير عند استنفاذ جميع الطرق السلمية في التفاوض.
 
لنرى كيف حافظ المخزن على استمراريته بعد الاستقلال؟ في رأي هند عروب، لقد استحوذ الوطنيون على السلطة الإدارية، و هكذا استُبدل المخزن الكولونيالي بالمخزن الوطني الجديد، فحل محل السلطة الفرنسية، وتشكل هذا المخزن من الجيش والأمن، حيث مكن الجيش الأمازيغيين من منافسة انسلال النخبة الحضرية الفاسية من حزب الاستقلال إلى دواليب القرار، و هكذا تم ضخ دماء جديدة في الجهاز مكنته من الاستمرارية، و بقي يستمد قوته من المشروعية الدينية والتاريخية والحماية من الأخطار الخارجية. لقد مكّن الاستقلال، كما يقول بنعلي، المخزن من توسيع نشاطاته وحقل تدخلاته، لكن بنيته الاجتماعية ظلت تعتمد على الأعيان و الأغنياء و النخب الحضرية والشرفاء و أبناء الحركة الوطنية المعترف بهم في الدوائر المخزنية، حيث دخل أعضاؤه عالم الاقتصاد و المجتمع المدني، بالإضافة إلى تحكمهم في عصب السلطة السياسية.
 
هذا هو المخزن الذي مازال مستمرا حتى اليوم بفارق طفيف في تجديد مكوناته الاجتماعية التي أصبحت تقتصر نسبيا على أهل الحظوة من الحسب والنسب و أهل الثراء و القرب من المركز في دار المخزن، و هو يستمر في تقسيم الجسد الاجتماعي لحماية مصالحه وصيانة التوازن السياسي العام. يقول الطوزي في هذا الباب بأن لغة المخزن السياسية تقوم بتعبئة القواميس لخدمة أجنداته السياسية، إذ ابتدع الكثير من المصطلحات و المقارابات، لكن جوهر عمله يظل متشابها، إذ يتساءل الطوزي عن عمق الاختلاف بين القانون والظهائر الملكية مثلا؟ 
 
ماهي مقومات السياسة المخزنية التي مازالت سارية المفعول حتى الآن، و تشكل الذهنية الثقافية السياسية في مجتمع اليوم بالمغرب؟ من خلال قراءتنا للمشهد السياسي وبناء على الدراسات السابقة المشار إليها أعلاه في الموضوع، ونذكر هنا بالأخص البحث القيم لهند عروب، يمكن إجمال مجموعة من الدعائم الأساسية للفكر المخزني فيما يلي: 
 
 
التحالفات المصلحية
- الزبونية و شراء الولاءات
- الاعتماد على خدام المخزن الأوفياء وتقريبهم من مركز القرار
- شخصنة المؤسسات في الحاكم
- مسرحة الحكم و أسطرة الحاكم
- استظلال المواطنة بمفهوم الرعاية
- مأسسة العقيدة السلطوية
- استغلال التوترات و النزاعات السياسية لتدعيم دور التحكيم
- صناعة الخطر الخارجي وهميا أو واقعيا للتحكم بالعاطفة الدينية و الوطنية للشعب.
- تطوير القوة العسكرية
 
تعتبر هذه العناصر مؤسسة للفكر المخزني و بمثابة الوصايا العشر لتثبيت دعائمه داخل المنظومة السياسية المغربية، و تجدر الإشارة في هذا الباب إلى أن المخزن لا يؤمن بالموظفين و أدائهم بقدر ما يؤمن بولائهم للحاكم كأمناء على النظام ومن ضمن زمرة خدامه الأوفياء. 
 
 
في نفس السياق، يؤكد عبدالله حمودي  على ثلاث ركائز أساسية للنظام المخزني: الإخلاص و الولاء في خدمة النظام، و إسناد إدارة المال والاقتصاد للأعيان، و مقاومة الإيديلوجية المعادية للعقيدة السلطوية. 
 
و أخيرا، انظروا نوع النتائج التي تم حصدها في الساحة السياسية من خلال تكريس الخطاطات المخزنية، خصوصا حين توزع المناصب و الوظائف والتشريفات على الخدام الأوفياء بغض النظر عن الأداء؟ أليس هذا شكلا من أشكال الريع الذي يرعاه النظام المخزني؟ 
 
هل هناك حل لاجتثاث الفكر المخزني من عمق الدولة العصرية الحديثة؟ من يعتقد أن المشكل ينحصر في أشخاص بعينهم، فهو واهم، لهذا فالشعارات الاحتجاجية التي ترفع ضد ما يسمى برموز النظام المخزني، لن تصيب الجماهير الغاضبة إلا بالمزيد من الإحباطات و تغذي أوهامهم بالتغيير، ذلك لأن المشكل ليس في الأشخاص أو حتى في المؤسسات، ولكن المشكل يكمن في العقيدة المخزنية المتغلغلة  في الذهنية الشعبية بمجتمعنا، فحتى لو تم استبدال أدنى تراتبية اجتماعية بأخرى، سيولد نظام مخزني جديد. وبنفس المنطق، نصف المشروع الإسلاموي الصاعد في ظل السلطوية القائمة بأنه ليس سوى نظاما مخزنيا دينيا قادما،  يبشرنا هو الآخر بنفس الخطاطات القائمة لشراء الولاءات و اعتماد التحالفات و شخصنة الحكم في الزعيم، ناهيك عن اعتناقه لخطاطات مخزنية أخرى.
 
أين يكمن الحل إذن؟ يبدو أن جزءا من الحل يكمن في إنشاء محولات ثقافية نحو دمقرطة المؤسسات و تحقيق العدالة الاجتماعية و ترسيخ فكر المواطنة، كما يجب أن تصل هذه المحولات عمق أسفل الهرم الاجتماعي، حتى يتم استبطان دلالاتها من لدن المواطن العادي أثناء احتكاكه اليومي بجميع أصناف الإدارة، و يجب تلقينها عبر وسائل الإعلام الرسمية و الاجتماعية، وإدراجها في صلب البرامج الدراسية و التأطير السياسي، و إنباتها في بنينة المجال العام، حتى يتمكن المجتمع من بلورة منظور ثقافي جديد يناهض العقيدة المخزنية، و يفكك خطاطاتها البالية. نعتقد جازمين أن إرهاصات هذا المشروع الثقافي، قد بدأت بالفعل في المجال العام الافتراضي، لكن بشكل غير مؤطر، مما قد يتسبب في انفلاتات ومزالق فكرية، تهدد سلمية المجتمع، فيوما بعد يوم، تتعالى أصوات فيديوهات المواطنين الشباب الذين يطالبون بحقوق سياسية واجتماعية و ثقافية تساءل مفهوم الخطاطات المخزنية المتكلسة، تلك بدايات يجب احتوائها و تأطيرها لبناء جسور ثقافة تشاركية جديدة في مسيرتنا الناعمة نحو مشروع التغيير الديمقراطي من داخل منظومة الاستقرار.
 

ذ. محمد معروف أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

بتاريخ الأربعاء 16 أغسطس 2017 - 11:14:48 / عدد التعليقات :

خلفيات تحرك وزارة الداخلية من أجل نزع هذه الصفة عن الجمعية.
 
1 – متى حصلت الجمعية المغرية على صفة المنفعة العامة ؟
حصلت على صفة المنفعة العامة في عهد حكومة عبد الرحمان اليوسفي إلى جانب المنظمة المغربية لحقوق الإنسان .
 
2 – ماذا استفادت الجمعية من صفة المنفعة العامة ؟
الجمعية لم يسبق لها أن تقدمت بملتمس " الإحسان العمومي" يعني الاستفادة المادية من دعم الدولة.
صفة المنفعة العامة تمكن الجمعية فقط من تنصيب نفسها كطرف مدني في المحاكم للدفاع عن المواطنات والمواطنين ( وهو عمل نضالي تقوم به هيئة الدفاع التابعة للجمعية مجانا وغالبا على حساب نفقات الأساتذة المناضلين والمناضلات ، الدين يتنقلون إلى محاكم المغرب تطوعا للدفاع عن الضحايا ).
 
 3 – تذكير لابد منه.
أولا : في عهد وزير الداخلية السابق (حصاد) ، وفي خرق سافر للقانون المغربي ، منعت الجمعية من القاعات العمومية و رفضت السلطات المحلية التوصل بملفات تجديد مكاتب الجمعية وكدا تسليم وصولات الإيداع للفروع.
وقد انتصرت الجمعية في جل القضايا المرفوعة بهذا الصدد أمام المحاكم الإدارية بالمغرب. كما عبر السيد وزير العدل السابق (مصطفى الرميد) عن استنكاره لما تقوم به وزارة الداخلية من خرق للقوانين الجاري بها العمل .
ثانيا : سبق لوزير الداخلية الحالي (والي جهة الرباط سابقا )،أن أرسل رسالة اعذار مؤرخة بتاريخ 17 دجنبر 2014 للجمعية موضوعها " اعذار للتلاؤم مع الأحكام القانونية" ودبجت الجمعية رسالة جوابية بهذا الخصوص فرفضت سلطات الرباط تلقيها .
 
 4- لماذا وضعت وزارة الداخلية طلبا لدى الحكومة لرفع صفة المنفعة العامة عن الجمعية ؟فمن الناحية القانونية ومن ناحية الالتزام بالقوانين الجاري بها العمل والمنظمة لعمل الجمعيات ،فإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مشهود لها حتى من لدن المجلس الأعلى للحسابات بالنظافة والالتزام بالقوانين عكس ما تروج له وزارة الداخلية وذيولها وأبواقها المأجورة .وبالتالي لو ثبت لدى وزارة الداخلية ما يؤكد لها خرق الجمعية للقوانين لأقامت حفلا لتأبين الجمعية .
أما ما يزعج وزارة الداخلية فهو تشبث الجمعية بمرجعيتها الكونية لحقوق الإنسان ودفاعها عن حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها ورفضها الانخراط في جوقة المزمرين والمطبلين بحقوق الإنسان كما يريدها المخزن وليس كما تنص عليها المواثيق الدولية .
إن حضور الجمعية في كل المحطات النضالية العادلة والمشروع للمواطنات والمواطنين ( حراك الريف على سبيل المثال وليس الحصر) ،ومؤازرتها للضحايا، وتمتعها باحترام كبير من لدن المنظمات والشخصيات الوطنية والدولية، واعتماد تقاريرها في الترافع وطنيا ودوليا ،هو ما يقض مضاجع وزارة الداخلية المغربية .هذا هو السياق العام والخاص وبشكل مركز ومختصر، الذي دفع بوزارة الداخلية إلى وضع ملتمس رفع صفة المنفعة العامة عن الجمعية ،في أفق اتخاذ إجراءات أخرى، أكثر تصعيدا وأكثر تهديدا، للهامش الديمقراطي المغربي الضيق . 
 
عزيز عقاوي
عضو اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان
خنيفرة بتاريخ 24 يونيو 2017

بتاريخ السبت 24 يونيو 2017 - 14:24:27 / عدد التعليقات :

نزولا عند رغبة صديق عزيز طلب مني أن أدلي بدلوي في موضوع حراك الريف، قررت أن أخط هذه الأسطر؛ دون أن يعني هذا، بأي حال، أنني لم أكن مبال بالموضوع إلى حين توصلي بالطلب من قبل صديقي العزيز، بل إني اعتبرت ما حدث في الريف نتيجة منطقية لما كنت قد كتبته في مقالات سابقة؛ وأخص بالذكر مقال خصصته للرد على منار السليمي، نشرته على صفحتي بالفايس بوك تحت عنوان: ردا على مقال: "المغاربة في الجيل الثالث من الاحتجاج" – "المثقف المغربي: في غياب التماسك المنطقي وضعف الحجاج"، ومقال: "التصوف والحداثة: تبيان العلاقة ونقد الأطراف" ثم مقال: "العنف الحضري والتفكك الاجتماعي: الشباب المغربي من استشراف التغيير إلى استعجال المتعة".
تمتح هذه المقالات من مرجعية واحدة: محاولة رصد التحولات العامة في عصر العولمة، وما يترتب عنها من تبدل عميق لطبيعة الصراع المهيكل للمجتمعات، وبروز فاعلين جدد يفرضون علينا إعادة تعريف الديمقراطية على أسس جديدة. يتعلق الأمر بالحركات الاجتماعية باعتبارها فاعلا محليا يطالب بإعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع وإعادة تجديد التعاقد الاجتماعي، لكن تحت ضغط أسئلة كونية ترتبط بقلق حضاري وإنساني عام، يرتبط بانحسار المشروع الحداثي واختلال المنظومة العقلية التي ربطت على نحو وثيق وطبيعي بين مفاهيم التقدم والتقنية والسعادة والرفاه الاجتماعي.
لن أعيد ما كتبته في المقالات المذكورة أعلاه، لكنني لن أتزحزح قيد أنملة عن المرجعية التي غذتها جميعها. والبداية رأيي في موضوع راج في الإعلام المكتوب مؤخرا؛ فقد اتفق عدد من الإعلاميين والمحللين على أن حراك الريف يجد تفسيره في ضعف الوساطة بين الدولة والمجتمع، أو قل غيابها التام. ويقصدون بالوساطة الأحزاب السياسية. إن هذا الرأي في نظري صحيح في منطوقه خاطئ في مضمونه؛ فالمغاربة كفوا منذ زمن بعيد عن الثقة في الأحزاب، واليوم هم يائسون تماما لأنهم فقدوا الثقة حتى في المجتمع المدني، الذي كان من المفروض أن يلعب دور أداة للدفاع الذاتي يعبر بها المجتمع عن معقوليته التاريخية وهويته في مواجهة عقلانية السوق وسلطان المال. إن المغاربة يعرفون حق المعرفة أن الدولة فاسدة والإدارة فاسدة والأحزاب فاسدة، لكنهم اليوم أدركوا أن سلطان الفساد كان أقوى مما تخيلوا؛ حيث طال أولئك الذين من المفروض أن يحاربوه لأنهم من أهل الدار ! هل يمكن أن تتصوروا ماذا يمكن أن يحدث لفتاة تتعرض لاغتصاب من قبل أقرب أقاربها؟!!
إن المشكلة الكبرى التي تعاني منها عقلية الحكم في المغرب هي أنها تعتقد بأن نجاح الدولة يكمن في إسكات صوت المعارضة الحقيقية وتدجينها وتجفيف كل منابعها، وأساسها المجتمع المدني، غير أن ما لا تفهمه أو تتجاهله هو أنها بفعلها ذلك إنما تلغي المجتمع ذاته. فالمجتمع الذي لا يتهيكل حول صراع وتمثيليات حقيقية لهذا الصراع مجتمع مفتوح على العنف؛ لأن الصراع يعني وجود بدائل كامنة، والمظلوم في إطار الصراع يشعر دائما بأنه لم يسحق بعد، وأنه بخوضه للصراع يساهم في بناء المستقبل. 
ما لا ينبغي أن ننساه في نظري، هو العدو الحقيقي لكل المجتمعات الإنسانية، والمغرب واحد منها، إنها النيو-ليبرالية. غير أننا عندما نتذكر ذلك ننسى أمرا آخر في غاية الأهمية؛ وهو أن النيو-ليبرالية ليست مشروعا اقتصاديا فحسب، وإنما مشروعا سياسيا كذلك. فبعض التحليلات تعتقد أننا نعيش آثارا موضوعية وحتمية للانتشار الاقتصادي للنيو-ليبرالية، وأن انعكاسات هذا الانتشار على حياة الشعوب لا تحتاج إلى أي برنامج سياسي أو تخطيط مسبق. بل إن كثيرا من التحليلات قد سوغت وبررت تحول الجمعيات إلى ما يشبه مقاولات يحكمها منطق التسويق، الذي يتمحور حول مبدأي الفعالية والنجاعة بدعوى تراجع الميزانية العمومية. وقد عملت هذه التحليلات على إظهار هذا التحول كما لو كان كارثة طبيعية يلزمنا التكيف معها.
لهؤلاء أوجه كلامي هذا: إن فصل مؤسسات المجتمع المدني عن تطلعات الناس والزج بها في حقل غريب عنها تماما هو حقل المقاولة ومنطق التسويق، وقد لعبت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هذه اللعبة في المغرب، هو تجسيد أمين وترجمة لبرنامج واع لذاته تم إعداده وصوغه بتأن من طرف مجموعة عالمية يتكون أعضاؤها من رجال أعمال وكبار أثرياء العالم ومفكرين مرموقين؛ يتعلق الأمر بمنظمة "مونت بيلران" (MONT-PELERIN) التي شهدت النور سنة 1945 من التاريخ الميلادي قبل أن يتصلب عودها ويتقوى خلال سنوات السبعينات من القرن الفائت. وتدافع هذه المنظمة التي تحيط اجتماعاتها ولقاءاتها بسرية كبيرة عن النزعة النقدية (MONETARISME) التي سيطلق عليها فيما بعد اسم النيو-ليبرالية.
وفي سنة 2010 –وهذا في غاية الأهمية- أعلن أعضاء في هذه المنظمة أنهم قد فازوا بالمعركة على المستوى الفكري، ولم يتبق لهم سوى المرور إلى الفعل. وليس من باب المصادفة أن تشهد سنة 2010 المصادقة على قانون حرية التمويل الخاص للحملات الانتخابية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما علق عليه تشومسكي حينئذ بأنه إفساح الطريق أمام الشركات الكبرى للتحكم في السياسة.
يقدم هاييك، وهو أحد الآباء المؤسسين للنيو-ليبرالية، دليلا حاسما على أن النيو-ليبرالية ليست برنامجا اقتصاديا فحسب، بل مشروعا سياسيا كذلك حينما يدين بوضوح الطابع المفتوح للديمقراطية كما نعرفها ونمارسها حاليا. فهذا الطابع المفتوح للديمقراطية يشكل في نظر هاييك عبء على المؤسسة الحكومية. ولا يتردد هاييك في الإعلان عن أن الديمقراطية الخالصة يمكن أن تكون أسوأ من السلطوية.
قد يعتبر البعض أن إدانة هاييك للديمقراطية الخالصة أمر معزول، وأنه لا يحتمل كل هذا الحذر والتوجس من وجود برنامج سياسي يصالح بين الرأسمالية والسلطوية، ويحدث طلاقا بائنا بينها وبين الديمقراطية الخالصة كما نظر لها فلاسفة التنوير، والتي اعتمدتها الرأسمالية في طور صعودها رافعة ضد المجتمع القديم؛ حيث سادت السلطوية الدينية. 
لكن لماذا ننسى التاريخ؟ ألم تصدر لجنة ثلاثية سنة 1975 تقريرا موقعا من طرف كل من سامويل هنتنغتون وواتانوكي وسوسيولوجي التنظيمات ميشيل كروزيي يعلنون فيه بوضوح رغبتهم في الحد من الانتشار الديمقراطي على نطاق واسع؟ ألم تشهد هذه الفترة على تناسل بعض الأبحاث التي ألقت على عاتقها مهمة البرهنة على كونية وعالمية المشروع الرأسمالي، انطلاقا من قدرته على أن يتوافق حتى مع الأنظمة السلطوية!! 
يبدو أن البرنامج النيو-ليبرالي لا يتلخص، على خلاف ما نعتقد غالبا، في مجموعة من الإجراءات الاقتصادية، بل يؤلف على نحو وثيق بين سجلين كبيرين:
1- على المستوى السياسي، لا تهدف النيو-ليبرالية إلى إعادة تعريف دور الدولة فحسب، بل إنها تهدف إلى إعادة تعريف دور جميع المنظمات الشعبية، التي بمستطاعها أن تقاوم كل تقزيم للديمقراطية والحد من قوتها، من خلال استثمارها للفعل داخل الفضاء العمومي.
2- على المستوى الاقتصادي، تهدف النيو-ليبرالية إلى إقامة مجتمع السوق؛ أي اجتياح منطق السوق لجميع جوانب المجتمع؛ وذلك عن طريق التحويل المتزايد للأنشطة العمومية، التي لا تتوخى أي ربح إلى قطاعات ربحية يحكمها منطق التسويق. 
ماذا يعني هذا؟
إن هذا يعني أن النيوليبرالية تدمر المجتمع وتقضي عليه نهائيا. والدولة في المغرب، عندما تنصاع إلى تعليمات المؤسسات المالية العالمية، وتتجاهل المطالب العميقة للشعب، والتي تتمحور حول العدالة الاجتماعية، إنما تسير، وبتعنت، في طريق مجهولة. أما استعانتها بالدين من أجل تحوير مسار الحراك ففيه مغامرة كبيرة جدا، سيما وقد جاءت هذه الاستعانة بعد انقلاب على مشروعية الدين الشعبي، على علاته، وهذا من شأنه أن يقود إلى ما لا تحمد عقباه.

بتاريخ الأربعاء 31 مايو 2017 - 04:32:28 / عدد التعليقات :
LAN_GOPAGE 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10  LAN_NP_LAST