آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'مؤلفات وابداعات'

الحلقة الثالثة من كتاب " الحادثة والقرآن للباحث المغربي سعيد ناشيد .
هل هناك نص مقدس ؟
كانت الأديان -ولعلها لا تزال- ثورة روحيّة غايتها سموّالوجدان وتهذيب الانفعالات البدائية للإنسان. لكنها ظهرت في مجتمعات العالم القديم، عالم ما قبل الحداثة وما قبل دولةالمؤسسات والحق والقانون، ما قبل الثورة الكوبرنيكية والعصر الصناعي والعلم الحديث، وما قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقيَم المواطنة وحقوق المرأة والفرد والأقليات والطفل.
لذلك، جاءت الأديان موسومة بميسم القدامة، أي بمفاهيم وقيم العالم القديم، وبذلك عندم نجمِّدها في زمانها ونمدّ هذا الزمان إلى كل عصر تبدو وكأنها أمست عائقاً يحول دون بلوغنا مرحلة الحداثة.
ربّما نحن نقف اليوم على أبواب الحداثة، أو هكذا يُفترض، لكنّنا نقف عاجزين مترددين، خائفين متوجسين، نتقدّم بمقدار، ونتردّد أو نرتدّ بمقادير. لا نجرؤ على الولوج ولا نستطيع الرّجوع.
أمامنا عقبة كأداء تعيقنا وتمنعنا : النص الديني، بكل تراكماته
ومتفرّعاته.
إمكانية الرِّهان على مرجعية الخطاب القرآني لتقويض سلطة النص الحديثي، والانعتاق من أَسر نصوص الحديث التي شهدت تضخماً تصاعدياً، هي المنطلق المسوِّغ لمشروع المفكر العربي جورج طرابيشي، والمتولّد عن ملحمة نقد نقد العقل العربي، بدءاً من نظرية العقل وانتهاء إلى من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.
وفي هذا يوافقه جلّ القرآنيين، أو نحسب الأمر كذلك.
لكن يبقى إجراء آخر، خطوة أخرى قبل الخروج من عتمة القدامة ودخول عتبة الحداثة. ذلك أن الانغلاق اللاّهوتي الذي لا نزال نتخبط في ظلمته إلى اليوم هو مُحصِّلة انقلابين قديمين وليس مجرّد انقلاب واحد. نعم، هناك «انقلاب سنّي »، استعرضه طرابيشي بإسهاب، وهو الانقلاب الذي حوّل الرّسول إلى أقنوم ثانٍ يجاور الذات الإلهية بل يجاوزها أحياناً، ما أفسد مبدأ التوحيد الرّبوبي الذي هو القصد والغاية. لكن الحاصل أيضاً «انقلاب مصحفي » بموجبه أصبح النص القرآني ذاته أقنوماً ثانياً أو ثالثاً.
إجمالاً نقول، تعرّض الإسلام الرّباني لانقلابين متواليين أو متوازيين : انقلاب سني/ أصحاحي، وانقلاب قرآني/ مصحفي.
حمَل المسلمون النص القرآني على كل الوجوه المحتملة، طرقوا كل الممكنات التفسيرية المتاحة، جرّبوا جميع المستويات التأويلية، من مناهج الظاهر إلى مدارج الباطن، مدّدوا القياس الى أبعد مدى ممكن، جربوا الانتقائية بكافة متاحاتها، لكن لا جدوى تُرجى. كما لو كانوا يحملون صخرة سيزيف إلى الأعلى ثم تتدحرج، فيعودون إليها من جديد.
هل المقصود أن قدر الحداثة الإسلامية أن تمرّ عبر طريق الخروج على الدين؟
فرق بين الخروج على الدين والخروج من الدين، كما أوضح طرابيشي في أكثر من مناسبة. الخروج على الدين قرار شخصي يعلنه الفرد في أي لحظة، والخروج من الدين مشروع مجتمعي ينطلق من «ديانة الشعب » ويسعى إلى أن يضفي عليها أكبر قدر من المعقولية والعلمنة.
من وجهة نظر الحسّ السليم، لا مشكلة في أن نؤمن بالله.
بل قد يمثل الإيمان بالله خبرة روحيّة مفتوحة على سمو الشخص وتسامي النّفس وسعة الخيال. إنما المشكلة كل المشكلة أن نؤمن بنصوص دينية قديمة ومتقادمة تُكبِّل العقل وتشل الإرادة وتقتل الإبداع، ثم نقول عنها إنها نصوص الله. كما لو كان الله كاتباً أو مؤلفاً أو مدوِّناً؟ وهذا لا يقبله العقل السليم إلا من باب التسليم الانقيادي الذي قد يفتح باب الإيمان الأعمى بأي شيء. وهنا تتجلى إحدى ثغرات العقلانية الكانطية.
معضلة النصوص الدينية لكافة الأديان )مثل المصاحف والأناجيل والأسفار والوصايا والصحف والزبور...( أنها كُتِبت في مرحلة كان فيها المجتمع بلا مؤسسات، والسلطة بلا قوانين،والمعرفة بلا مناهج، واللغة بلا قواعد. وبالتالي، طبيعي أن تبدو لنا تلك النصوص اليوم قاصرة عن إنتاج أي نظام قِيَمي أو معرفي فعّال، بقدر ما تبدو للبعض أنها قابلة لكل التأويلات والتفسيرات مهما بدت متناقضة.
غير أن الحديث عن القصور ليس انتقاصاً من الذات الإلهية كما يظنّ «عَبَدة النصوص »، لكنّه تأكيد لحقيقة بديهية : الكمال للخالق دون المخلوق.
بكل تأكيد، القرآن مخلوق كما أكد المعتزلة قديماً. ونضيف بأن جميع المخلوقات محكوم عليها بالنقص والنسبية والعَرَضيةوالزوال. وإذا كان هذا شأن كل مخلوق، بما في ذلك المخلوق البشري أيضاً، فما بالك بالقرآن، وهو -في بدئه ومنتهاه- وحيٌ إشاري تلقّاه نبيّ «يمشي في الأسواق »، ثم تمثّله وفق تصوراته، ثم تأوّله تبعاً لثقافته، ثم صاغه في شكل عبارات بحسب المتاح اللغوي والمفاهيمي لديه، ثم دوّنه المدونون باعتماد أدوات بعيدة عن الدِّقّة )عظام وأوراق أشجار وصفائح حجرية...(، ثم جُمع أوّل الأمر كيفما أمكن، ثم.. للحكاية تفاصيل سنأتي على ذكرهاأو ذكر بعضها.
في كل الأحوال، لا وجود لكلام كامل ومكتمل.
هكذا حال القرآن الذي هو كلام أُنشئ بلغة أنشأها البشر. فضلا عما قيل، فإنّ الكلام ليس حلاً مثالياً لمعضلة التفاهم؛إذ يتيح التّحاور بقدرما يضع ألغاماً في طريق التفاهم.الكلام اصطلاحاً يعني الجرح والألم.
هكذا يكون الإشكال في النص القرآني مزدوجاً؛ فهو أولاً، نص مخلوق يسري عليه ما يسْري على سائر المخلوقات، وهو ثانياً، نص قيل وكُتب بلغة بشرية، طبيعية، وضعية، كانت لا تزال قيد التقعيد.
وهو خطاب يعكس في مضمونه مفاهيم وقيم العالم القديم، عالم ما قبل نشوء الدولة، وما قبل نشوء العلم، وما قبل قيم المواطنة.
الأصل في الخطاب القرآني -باعتباره وحياً إلهياً صار كلاماً مخلوقاً ومؤلّفاً بلغة بشرية- هو نقص التعبير وسوء الفهم. لذلك، أصدق وأدقّ وأعمق ما قيل عنه إن آياته حمالة أوجه، وهذا ما قاله الإمام علي بن أبي طالب.
في المقابل، جانبان باقيان ما بقي القرآن : الإيقاع الشعري الجمالي لا سيما في الآيات المكيات، والوقْع التعبّدي الابتهالي في مجمل القرآن. بل، لعل الأمر متعلق بشكل واحد، هو نفس الشكل، طالما الجمال والابتهال سيان. وذلك هو الروح الإلاهي فيه.
هذا يعني أن المضامين المعرفية والتشريعية المحضة للنص الديني آيلة إلى التبدل أو الزّوال، بل لعلها تبدلت وزال بعضها بزوال أسباب نزولها.
لقد ظهرت الأديان في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة وما قبل العلم الحديث. وطبيعي أن تتأثر بمفاهيم وقيم العالم القديم، سواء من حيث علاقة الإنسان بالإنسان، أو علاقة الإنسان بالطبيعة، أو علاقة الإنسان بالله. لذلك، جاءت النصوص الدينية موسومة بمَيسم النظرة السحرية للعالم.
هكذا، فإنّ الإصلاح الديني –الذي لم يكتمل في الغرب لكنه في الإسلام لم يبدأ بعد- رهين بتحرير الخطاب الديني من مفاهيم وقيم العالم القديم، أي تحريره من مفاهيم الطاعة والولاء والتحريم، ومن قيم العار والعورة والتابو، ومن وساوس التعويذات والرقية والتنجيم.
عدا هذا، لن يكون هناك إصلاح ديني ولا هم يحزنون. لكن، هل أفق كهذا ممكن الآن؟
لعل المُمكن هنا يخدش الحساسية الدينية. لكن، هل بغير هذا يكون إصلاحاً ؟
ربّ سائل يتساءل قبلاً : إذا كان الدين ينتمي إلى العالم القديم؟ وإذا كان مكان الأديان متحف التاريخ ؟ فما جدوى هذا الوقت المبذول في التفكير في الدين والإصلاح الديني إذاً؟
حقا، لا أملك خيالاً يمكّنني من تصوّر وجود عالم بلا أديان. لكني في المقابل سيكون وعيي جامداً متجمداً حتى أظنّ أن الأديان ستدوم بنفس تصوراتها السحرية إلى الأبد.
ينطبق هذا القول على الإسلام أيضاً. بل هو عليه أشدّ انطباقاً.
من الرّاجح أن يُعمِّر الإسلام طويلاً. لكن للبقاء ثمن، إذ الكثير من «مسلَّمات » الإسلام فنيت، والكثيرمنها ستفنى ولن يبقى منها سوى أضغاث أوهام.
ماذا سيبقى من هذا الإسلام؟
ببساطة، مبدأ أساس يستحق البقاء : مبدأ التّوحيد الرّبوبي الخالص )لا إله إلا الله(، بلا زوائد تنتمي في الغالب أو على الأرجح إلى العالم القديم. عالم كان يوازنه الأنبياء كما كان يفعل ذلك الآلهة من قبل. في المقابل، هناك ما ينتظر شهادة الوفاة:
شريعة الأحكام البدوية والبدائية، من قبيل القصاص والفيءوالحدود والجزية والسبي والرّجم أو الجلد، وكل ما ينتمي إلى أزمنة ما قبل الدولة، بل بالأحرى ما قبل دولة القانون.
مشكلة الأصوليين أنهم قلبوا وشقلبوا المعادلة، وبدل التركيز على العقيدة التي هي جوهر رسالة الإسلام، فقد شغلوا الناس بكثرة الكلام عن الشريعة، والتي هي كلام الفقهاء على وجه التحديد، بمعنى أنها ثمرة جهد الفقهاء على مدى الف عام أو يزيد لغاية استنباط أحكام وقوانين وتشريعات من النص القرآني والحديثي وحتى الصحابي أو التابعي في بعض الأحيان. ولم يكن ذلك بريئاً، بل لم يكن لوجه الله، إنما هو في غالبيته، إن لم يكن كله، لوجه السلطة والسلطان. في المقابل، أمست العقيدة هي المسكوت عنه داخل الخطاب الأصولي. لماذا؟ من جهة أولى، لأن الشريعة تمثل البُعد التسلّطي المنسجم مع المزاج الأصولي؛ ومن جهة ثانية، لأن العقيدة تمثل البُعد التحرّري للتوحيد الرّبوبي، وتفضح، ابتداء من يزعمون الكلام باسم الدين ومن ينصِّبون أنفسهم حرّاس الدين، ومن يدّعون أنهم هم أهل الدِّين.
بالطبع، سنحتاج إلى غير قليل من الخيال حتى نتصوّر إسلاماً جديداً مختلفاً عن الإسلام الذي ورثناه عن تراثنا. لكن،أليس الخيال نفسه جوهر التجربة الدينية كما كان يرى ابن عربي،والفارابي، وسبينوزا وغيرهم؟
في مقابل ذلك، آفة الدين أن حرّاسه منعوا النّاس من إِعمال الخيال وإِجلال الجمال وطلب المُحال، ومن ثم حرموا الدين من روح التطور وطاقة الإبداع، وجعلوه مجرّد شعائر شكلية وصلوات صورية وتعاليم ميِّتة وحركات تكرارية تُرسِّخ الزمن الدائري في الوعي وفي الأفعال.
آفة الدين «إيمان العجائز » الذي يُعطِّل الطموح ويقتل الإبداع ويردد في كل مناسبة أو من دون مناسبة : كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وإيمان أولئك الذين يقتلون كل إيمان، ألئك الذين يفرضون على الناس تصوّرهم للإيمان فيحوّلونهم إلى تابعين لهم ولآرائهم بدل أن يتبعوا جوارحهم التي تدلّهم إلى الإيمان الحقيقي.
آفتنا أن فقهاءنا المتأخرين أغلقوا باب النقاش في كل المسائل : الذات الإلهية وصفاتها، والمصاحف واختلافاتها، والأصحاح وإسناداتها، إلخ. في المقابل، لم يكن الانغلاق العقائدي داخل تراثنا المبكِّر بهذا النحو الذي صار عليه اليوم، بل كان مجال النقاش أوسع وأرحب.
فهل ضاقت الصدور؟ أم ضاقت الرّؤية واتسعت العبارة )إذا قلبنا مقولة النفري الشهيرة(؟
من أمثلة هذا الضيق أن كان علماء القرآن والمصاحف والتفسير في الماضي أمثال السجستاني والطبري والقرطبي، وحتى المتأخرون منهم مثل السيوطي، يتكلمون بلا حرج عن الآيات التي ضاعت أو فُقدت، أو الأخطاء النحوية في المصحف العثماني، أو المجاز القصصي في القرآن، بل حتى المجاز الأخروي، ومسائل كثيرة في الإلهيات والنقليات والأخرويات، من دون أدنى حرج. أما اليوم فيعدّ الخوض في مثل هذه القضايا ضرباً من الكفر والإساءة للمشاعر الدينية «الهشة » للمسلمين. كما لو أننا أصبحنا فجأة أمّة من المعاقين واليتامى وممن تجب مراعاة مشاعرهم.

هل هي أعراض متأخرة لمرض الهزيمة، تلك الهزيمة التي انتقلت من واقعة تاريخية لتغدو جرحاً نرجسياً، فعصاباً وسواسياً،
ثم نكوصاً جماعياً؟
مشكلتنا أنّنا حبسنا أنفاسنا وحاصرنا أنفسنا في المغاور المقفرة. وبدل البحث عن الله في سعة الحياة الرّحبة وخرير المياه
العذبة وعذوبة الشفاه الرّطبة، بدل أن نبحث عن الله في الجمال والابداع وشاعرية وشغف الحياة، أصبحنا نفتش عنه في نصوص الموتى، نردد ما قالوا، نؤيّد ما فعلوا، نقلّد ما علموا وما جهلوا، لا نَجرؤ على عصيانهم ولا نقدر على إحيائهم. وبهذا النحو تنقلب الآية )وإليه ترجعون(، ليصبح الرّجوع إلى السلف الميت بديلاً عن مرجعية الله الحيّ.
باسم الإسلام وبدعوى حماية الإسلام ))ممن!؟(( جاءت ردّتنا هذه المرّة نحو عصور العشائر البدائية، حيث لا تبدو السلفية أكثر من ديانة بدائية أساسها عبادة الأسلاف.
إنها فضيحة بكل المقاييس.
في هذا المنحدر النكوصي ارتدّت الثقافة الدينية الإسلامية عن مبدأ التوحيد الرّبوبي، وسقطت سهواً أو قصداً في شرك تقديس بل تأليه النص الديني. مع أن النص الديني هو في الأخير مجموعة نصوص تنتمي إلى عالم ما قبل دولة المؤسسات، وما قبل العلم الحديث، وما قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لقد أوصلنا تقديس النص الديني والعجز عن تخطي أحكامه إلى سُبات العقل، وجمود الوجدان، وضمور الإرادة. أوصلنا إلى إيمان العجائز، ذلك الإيمان القائم على الخوف.
مثل هذا الوضع لا يترك للحس السليم مجالاً لأي كلام زائد أو ساقط في أسواق المزاد الديني؛ إذ سيحاسبنا الله، والتاريخ أيضاً، عن ضياع الوقت الباقي وهو قليل.
صدقاً نقول : فكرة وجود الله )الواحد الأحد، والذي لا إله إلا هو( فكرة نبيلة وجميلة، بل لعلها من أنبل وأجمل ما أبدع الفلاسفة والأنبياء على السواء، وهي أساس النزعة الإنسانية، بل أساس النزعة العقلانية أيضاً. لكن الأسلوب الذي تناولت به كافة النصوص الدينية فكرة التوحيد الربوبي لا يناسب في الغالب سوى المستوى الإدراكي والخلفية الأخلاقية والذوق الجمالي لإنسان العالم القديم : عالم المشكاة والهودج والقبيلة والسيف والطاعة
والقصاص والجن والعفاريت والشياطين والسحرة والرقية.
وإذا كانت البشرية لا تزال بحاجة إلى الله، سواء بسبب رهبة الموت وقلق العدم ولامعقولية الطبيعة والكون وشاعرية الحياة، أو بسبب أن الوجود مجرّد نقص في الأصل ولغز بلا حل، فإن النّصوص الدينية «المقدّسة » لكافة الأديان، ومن ضمنها الإسلام، تنتمي إلى السياق التواصلي والقيَمي للعالم القديم. وهي ما عادت تلبي احتياجات مجتمعات الحداثةالسياسية والديمقراطية والحريات الفردية وحقوق الإنسان.
المطلوب بالتالي، أن نخلِّص فكرة الله من كل مفاهيم وقيم العالم القديم.
وإلاّ..ما معنى عبارة )الله أكبر( إن لم تكن تعني أن الله أكبر من كل الكلمات والأشياء، وأكبر من التراث والأصحاح والمصاحف، وأكبر من مكتسبات السلف خيرها وشرها؟
ما معنى عبارة )وإليه ترجعون( أو )إلينا مرجعكم(، التي تتكرّر في النص القرآني مراراً، إن لم تكن تعني أن لا مرجع دائم ولا مرجعية أبدية لأي شيء آخر إلا الله؟
بل، حتى الذات الإلهية نفسها هي أقرب إلى التحوّل منها إلى الثبات. ويكفينا بياناً أن الله يصف نفسه في القرآن الكريم بأنه)كل يوم هو في شأن( الرحمان- 29 .
ولستُ أدري إن كان بوسعي أن أجازف قليلا بالقول إنه ما )كان عرشه على الماء( إلاّ من حيث الصورة الوحيانية، ولما يرمز له ركوب الماء من غياب للثبات وانعدام للاستقرار، بخلاف اليابسة حيث الثبات والاستقرار. ولعل الرّسول قد تمثَّل الصورة الوحيانية هنا بعبارات «حَرْفيَّة .»
وفي كل الأحوال، ترتبط الصور الوحيانية بتمثلات ثقافية وحدسية محدّدة في الزمان والمكان. فلقد كان مبدأ الألوهية في العالم القديم يقوم على أساس مفاهيم العبودية، بما يعنيه ذلك من تسليم وخضوع وخشوع. وهذا ما كان ينسجم مع التركيبة النفسية لإنسان العالم القديم.
لكن، مثل هذا لم يعد يناسب إنسان الحداثة.
ما نحرص على تأكيده هو أن تقديس النص الديني الكتابي –وهو تقديس لا يجوز لغير الذات الإلهية- قد حرم فكرة الله من ذلك الامتياز الشفوي الذي كان يسمح لها بأن تواكب النمو العقلي والمعرفي والأخلاقي للإنسان.
ولذلك، فإن انتقال فكرة الله في الإسلام من مستوى الخطاب الوحياني والآيات البَيِّنات ذات الطابع الشفوي، كما تركها الرّسول الأمين قبل وفاته، في مجتمع قائم على الشفوية،
إلى مستوى نص كتابي ثابت ومقدَّس ومحكم الإغلاق، قد جمّدالألوهية عند مستوى النمو العقلي والأخلاقي للحظة تدوين النص القرآني. أي، لحظة «مَصْحَفة القرآن .»
بالجملة التّوكيدية نقول : إلهنا أو ربّنا أو خالقنا -أو الذي هو بلا تعيين وفق الرّؤى الأكثر دقة وإشراقاً- بات محتَجزاً داخل سياج مفاهيم وتصورات نصوص تنتمي عموماً إلى العالم القديم، عالم القدامة.
لذلك، نؤكد مجدّداً بأنّ انتقال فكرة الله من عالم القدامة البائدة إلى عالم الحداثة المتجددة هو مشروع نبيل وجميل أيضاً، لكنّه يستدعي في المقابل قدرتنا على تحرير صورة الله من تصورات التراث، وتخليص مبدأ التوحيد الرّبوبي من شوائب تقديس نصوص الموتى.
بمعنى أوضح، يتوجب علينا أن نتجرّأ على النظر إلى أحكام ما يُسمى بالشريعة، فنتجاوز ما لايمكن قبوله، وما ينتمي الى القدامة، أو يكفي أن نسقطها بالتقادم.
هذا واجب أخلاقي، ومصلحة واقعية، وضرورة عقلية. ولا غرو، إذ )يبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام( ، سورة
الرحمان، الآية 27 .

بتاريخ الثلاثاء 31 مايو 2016 - 15:35:00 / عدد التعليقات :

صدر كتاب جديد يحمل عنوان "ملف الصحراء أمام الأمم المتحدة - وثائق مرجعية"، يضم الكتاب أكثر من 120 قرارا ووثيقة ذات صلة بملف الصحراء صادرة عن الأجهزة الأساسية لمنظمة الأمم المتحدة: الجمعية العامة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، منذ سنة 1952. الكتاب يقع في 360 صفحة من القطع المتوسط، من تأليف مصطفى يخلف (محام بهيئة أكادير) والتجاني الهمزاوي (باحث في حقوق الإنسان(.
يعتبر هذا المؤلَف مبادرة سبّاقة لتجميع هذا الكم من الوثائق الأممية المتخصصة وترتيبها وتقديمها لكل المتخصصين والمهتمين بملف الصحراء. وذلك بغاية توفير مادة علمية وقانونية رصينة في قضايا القانون الدولي، وفق التطورات التي عرفها ملف الصحراء في ردهات منظمة الأمم المتحدة.
ولأن تكوين موقف موضوعي وسليم عن ملف الصحراء لابد أن يمر بالضرورة عبر استحضار مقتضيات القانون الدولي وتراكم قرارات ومواقف الأمم المتحدة في هذا المجال، فقد ارتأى الباحثين وضع بين أيدي القراء هذا المجهود المهم لكل غاية مفيدة للأمن والسلم الوطني والعالمي.

بتاريخ الخميس 26 مايو 2016 - 23:37:50 / عدد التعليقات :

ما القُرآن؟
خطأ شائع يحتاج إلى تصويب : عندما نتكلم عن القرآن، عادة ما نخلط بين ثلاث ظواهر مختلفة شكلاً ومضموناً. بل، قد لا يكون الأمر مجرّد خطأ طارئ، لعله خطيئة أصلية تتوارثهاأبحاث القرآن -بما في ذلك الأبحاث العقلانية- فتأتي النّتائج في كل مرّة لفائدة الفكر السّلفي والأصولي. وتحديداً، أَمامنا مسلّمة تشبه الحلقة المفرغة التي تعيدنا بعد كل جهد تجديدي إلى نقطةالجمود. المُسلّمة مستلهمة من الآية التي تقول حَرفياً وبالفهم الحَرفي: )كلٌّ من عند الله( سورة النساء، الآية 78 .
وغايتنا مساءلة المسلّمة.
لكن، أليس القرآن كلام الله بالتمام والكمال؟ أليس الله ضمير المتكلم الكلّي، حتى حين يتكلم بضمير الغائب، وربّما بضمير الغيب تحديداً؟
لن نصادر على المطلوب. والمطلوب أن نتفكّر في العبارة )كلٌ من عند الله(: هل المقصود بالعبارة أنّ المصحف الذي بين أيدينا، بترتيبه وتبويبه وقواعد كتابته ورسمه وخطه وتنقيطه وتنوينه، هو أيضاً من عند الله؟
واقعة قديمة وشمت ذاكرتي، أذكرها قبل المتابعة : كنّا في مرحلة الدراسة الإعدادية نقرأ سورة المعارج بقراءة ورش التي لا نعرف غيرها في المغرب، فخطر لي أن أسأل أستاذ
التربية الإسلامية : لماذا لا نضيف الهمزة إلى )سال سائل...( فنقول )سأل سائل(، وهكذا يكون المعنى أوضح؟ أجابني بحسم:
لا يجوز لنا ولأي سبب كان أن نبدل كلام الله. قلت: ولو بهمزة واحدة!؟ فردّ غاضباً: ولو بنصف همزة، ولو برُبع همزة، ولو بقطرة مداد من الهمزة. وخطر لي أن أسأله: ومن أدرانا أن الله أملاها بدون همزة؟ فما كان منه إلاّ أن صفعني على خدِّي ثم طردني من الفصل رافضاً استقبالي إلاّ باعتذار.
لا أذكر كيف تخطّيتُ الشّعور بالإهانة. لكني أذكر فقط كيف زَادت قناعتي بالسّؤال، وأحسستُ أني أمام سِرٍّ لا يُراد لي أن أقرُبه. وهكذا كان.
مرّت سنوات طوال على تلك الواقعة قبل أن أفهم في الأخير، بكل بساطة وبداهة ومعقولية، بأن الله لا علاقة له بأي بأي همزة تُكتب أو لا تُكتب فوق أو تحت الألف، ولا علاقة له بالكثير من التفاصيل الإملائية والكلامية والنصية، وهذه كلّها تدخل ضمن الأساطير المؤسسة للفكر الأصولي والسّلفي.
أساطير إن لم نتجاوزها عن طريق فتح النقاش حولها لن يكون في مجتمعاتنا تجديد ولا مَن يجدِّدون ولا تنوير ولا مَن ينوِّرون،وسنبقى خاضعين لذلك الفكر السلفي الأصولي الذي يرى أن على المسلمين العودة للاحتكام، بل وللعيش، وفق عقلية وأحكام تلك الفترة التي أحكم فيها هذا التفكير السلفي الأصولي سيطرته، وأغرقنا في قرون طويلة من الحدود التي يضعها للدولة ولطرق العيش وللقانون –عفواً الشريعة-.. وللتفكير.
إجراء بسيط :
إذا دفعنا مسلّمة )كلٌّ من عند الله( إلى حدودها القصوى فسنقع في مستنقع الآراء الأكثر سذاجة، والتي تظنّ بأن المصحف بخطه وأوراقه، وربّما بمداده أيضاً، كلٌّ من عند الله! ومن ثم فقد كان الأجدر بنا أن نسميه بالمصحف الرباني أو الإلهي! إلاّ أن الواقع يؤكده الإصطلاح نفسه المصحف العثماني.
إذاً، نحتاج للقيام بخطوة إلى الوراء ومساءلة المسلّمة بدءاً بالسؤال : هل القرآن فعلا كلام الله؟ هل القرآن نص أمْلته الذات الإلهية بالتمام والكمال؟
لكن، ألا يحتمل هذا السّؤال مكراً خفياً، وذلك حين يشل قدراتنا على الإبداع ويضعنا بين جوابين يقينيين متطرفين لا ثالث بينهما أو دونهما : إما تأكيد غيبيّ مطلق أو نفي وضعانيّ مطلق؟
لا بد من قدر من التّنسيب. في كل الأحوال، لا توجد أجوبة جيدة عن أسئلة سيئة.
لذلك يتوجّب علينا أن نسائل السؤال أولاً.

ما المقصود بالقرآن؟
بمعزل عن النّزعات الاختزالية، في شقّيها الغيبي والوضعاني، يدلّ القرآن كما سبق القول على ثلاث ظواهر متباينة لا يجوز الخلط بينها :
-1 الوحي الرباني، وهو يحيل إلى الصور الوحيانية التي استشعرها الرّسول وتمثّلها، إما عبر قوّته التخييلية كما يقول كلٌّ من الفارابي وابن عربي وسبينوزا عن تجارب النبوّة، أو عبر القلب والوجدان كما يشرح أحمد القبانجي. وفي الأخير فإن كلام القرآن هو كلام النبي المؤيَّد بالإرادة الإلهية كما يوضح محمد مجتهدالشبستري.
-2 القرآن المحمّدي، وهو ثمرة جهد الرّسول في تأويل الوحي وترجمة الإشارات الإلهية إلى عبارات بشرية، انطلاقاً من وعيه وثقافته ومزاجه وشخصيته وقدراته التّأويلية. وقد استغرق هذا الجهد ما يقارب رُبع قرن من الزّمن. والمؤكد أن هذا الفارق بين القرآن المحمدي والوحي الرباني قد سبق إلى التعبير عنه المصلحان الدينيان الإيرانيان عبد الكريم شروس (1 ) والشيخ محمد مجتهد الشبستري(2)
-3 المصحف العثماني، وهو ثمرة جهد المسلمين في
تحويل القرآن المحمدي –خلال مرحلة أولى- من آيات شفهية

(1) عبد الكريم شروس، بسط التجربة النبوية، ترجمة أحمد القبانجي، منشورات الجمل، بيروت
- بغداد، 2009 .
(2) الشيخ محمد مجتهد الشبستري، قراءة بشرية للدين، ترجمة أحمد القبانجي، منشورات
الجمل، بيروت - بغداد 2009 .

متناثرة إلى مصاحف متعددة، ثمّ –خلال مرحلة ثانية- من مصاحف متعددة إلى مصحف واحد وجامع، وفق نمط معيّن من التأليف والتبويب والتّرتيب، وبحسب قواعد محدّدة في اللغة والكتابة والخط. وقد استغرق هذا الجهد زهاء نصف قرن من الزمن على الأقل. وللتذكير، فقد تمّت مفهمة هذا الجهد على يد جورج طرابيشي، في حديثه عن «مَصْحَفة القرآن .(1)
نعيد القول بعبارة أخرى : عند الكلام عن الخطاب القرآني، نحن أمام ثلاثة مستويات من التمظهر : أولاً، الوحي الرباني، وهو عبارة عن صور وحيانية «فيها غموض » يستشعرها الرّسول ويحاول التعبير عنها انطلاقاً من ثقافته ولغته وبيئته؛ ثانياً، القرآن المحمدي، وهو عبارة عن آيات شفهية في الغالب متفرقة في الصدور وبعض الأدوات، بما فيها الآيات التي يُفترض أو يُحتمل أنها نُسخت أو ربما يُعتقد أنها نُسيت )ما ننسخ من آية أو ننسِها...( الآية 106 من سورة البقرة؛ ثالثاً، المصحف العثماني وهو الذي اتخذ شكل نص رسمي، جمعه ورتبه وشكّله ونوّنه ونقّطه المسلمون بعد وفاة الرّسول، وعبر مسار استغرق عشرات السنين.
المشكلة بكل وضوح أن تعامُلنا مع القرآن لم يعد ممكناً إلاّ من خلال تمظهره الأخير، أي المصحف العثماني. بل، حتى هذا المستوى لا ندركه إلاّ تجاوزاً، طالما أن النّسخ الأصلية لمصحف عثمان كانت ولا تزال في حكم المفقودة، ولسنا نملك اليوم من أمرها سوى النّسخ المتأخرة، وهي نسخ تمّت إعادة كتابتها عقب

(1) جورج طرابيشي، إشكاليات العقل العربي، دار الساقي، بيروت - لندن، الطبعة الرابعة 2011 ،
ص : 63 .

تقعيد اللغة والكتابة والخط، وعلى الأرجح في زمن خلافة عبد الملك بن مروان.
السؤال : أين «كلام الله » من كل هذا؟
الإجابة : إننا لا نملك من «كلام الله » غير «كلام رسول الله »
على وجه التّحديد.
وهذا ما ينسجم إلى حد ما مع الاتجاه الذي يدعو إليه الشيخ محمد الشبستري حين كتب يقول : «من الواضح أنّنا لو تبنّينا هذاالاتجاه فإنّ الكلام الوحياني الذي نقله النبي للناس يصبح كلام ذلك الانسان النبي الذي يتميز بتأييد الإرادة الإلهية له، وفي هذه الصورة، وبما أن هذا الكلام هو كلام بشر، فسوف يكون من
الممكن فهمه من خلال المعايير الموجودة لفهم كلام الإنسان .(1)
لكن، رغم ذلك، يبقى المشكل شائكاً بعض الشّيء! أقترح إعادة مقاربة المسألة بأسلوب مبسّط وعبر طرح سؤال واضح حول علاقة الخبز بالقمح.
بكل تأكيد، لولا القمح لما كان هناك خبز. لكن هل هذا يكفي حتى نقول إن المزارع هو صانع الخبز!؟
ليس ثمة من شك في أن صانع الخبز هو الخبّاز وليس المزارع، ولكن ما كان لهذا الأخير أن يصنع الخبز لولا المادّة الأولية التي هي القمح.

(1) الشيخ محمد الشبستري، قراءة بشرية للدين، ترجمة أحمد القبانجي، منشورات الجمل
بيروت-بغداد، الطبعة الأولى، 2009 ، ص : 199 .

وهكذا..
نسبة القرآن إلى الله هي على نحو نسبة الخبز إلى المزارع.
بمعنى :
لولا وجود الله لما وُجد القرآن، لكن ليس القرآن كلام
الله، مثلما ليس الخبز صنيعة المزارع. الله هو مُنتج المادّة الخام
التي هي الوحي، مثلما أن المزارع هو منتج المادة الخام التي هي
القمح. وكما أن الخبّاز هو الذي حوّل القمح إلى خبز وفق رؤيته الخاصة ومهاراته الفنية وقدراته الإبداعية، كذلك فإن الرّسول هو مَنْ قام بتأويل الوحي وتحويله إلى عبارات وكلمات وفق رؤيته الخاصة.
نستخلص من ذلك أنّ القرآن هو كلام الرّسول محمد عليه السلام، كلامه الذي يُعبّر عن ثقافته ولغته وشخصيته وبيئته وعصره. وهذا دون أن ننفي دور الله الذي هو الموحي ومصدر المادّة الخام.
وبالأحرى، حين نضع نصب أعيننا أنّنا لا نعرف من أمر الخطاب القرآني سوى المصحف المدوّن على نحو معيّن من قواعد الكتابة وضوابط الإملاء وظروف الجمع وخلفيّات الترتيب، يكون بوسعنا القول إنّنا أمام نص بشري بلا خلاف، أو هكذا يُفترض.
عود على بدء.
ربّما تبدو الأمور أكثر وضوحاً الآن، فعند الكلام عن القرآن
لا يجوز الخلط بين ثلاثة مستويات :
أولاً، الوحي الإلاهي الذي ألهَم الرّسول، ويُمثل المادّةالخام، ولا نعرفه إلاّ عبر التّأويل المحمّدي.
ثانياً، القرآن المحمدي، وهو نتاج تأويل الرّسول لإشارات الوحي الإلهي، وهو بدوره لا نعرفه إلاّ من خلال التأويل المصحفي.
ثالثاً، المصحف العثماني، ويمثل الصياغة النصية الرّسمية للقرآن المحمدي، الذي هو بدوره أيضاً تأويل للوحي.
هذا يعني أننا لا نملك من أمر القرآن اليوم سوى نسخٍ لنسخ، ولا نعرف عنه سوى تأويلات لتأويلات. وهذا يكفي لكي نقول إن نُسخ المصحف العثماني التي صارت بين أيدينا –باختلافها في القراءات- نصوص بشرية تاريخية تراثية وأرضيّة، بكل ما تعنيه الكلمات من دلالات. صحيح أنّ منبعها الأوّل إلهام إلهيّ، لكن لا ماء يعود إلى السماء غيماً كما كان.
والأصح أن نقول :
إن الوحي الإلاهي بعد أن صيّره الرّسول عليه السلام قرآناً محمدياً، ثم صيّره المسلمون مصحفاً عثمانياً، صار نصّاً بشرياً بلغة البشر وعلى قدر أفهامهم.

بتاريخ السبت 21 مايو 2016 - 18:53:05 / عدد التعليقات :
LAN_GOPAGE  1 2 3 4 5 6 7 8 9