آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'فكر و ادب'

 
عام 415 م تجمع مئات المسيحيين المتعصبين ليعتقلوا الفيلسوفة المصرية "هيباتيا" ويسحلوها في الشوارع ثم يقتلوها، وبعد قتلها مثّلوا بجثتها وقطعوا أطرافها..حتى الجلد كشطوه بأصداف المحار، وأخيرا أحرقوا الجثة لتنتهي حقبة الفلسفة السكندرية .

مقتل هيباتيا كان نقطة تحول في تاريخ الفلسفة والمسيحية معا، بدأ العلماء والفلاسفة في الإسكندرية إما بالهجرة او باعتناق المسيحية خوفا على حياتهم، نفس فكرة الغزوات والفتوحات الإسلامية..زرع الخوف والرعب في قلوب الخصوم لحملهم على تغيير آرائهم بالقوة، ثم وبسيادة الدين الجديد وتتابع الأجيال يأتي جيل يظن أن سلفه الأول كان صالحا ودخل الدين باختياره..مع قصص وروايات عن الإغراءات والتضحيات التي دفعها السلف من أجل الدين الحنيف.

بمقتل هيباتيا انتهت الإسكندرية كحضارة وعاصمة للفكر والفنون، وبدلا من إعمار المسارح والمكتبات تم إعمار المعابد ليبدأ عصر جديد هو "عصر الكهنة والقساوسة"

بعد 1300 عام على استشهادها أحيا الأوروبيون قضيتها ونشروا مظلوميتها وتحدث فولتيرعن جرائم الكنيسة ومظلومية هيباتيا لتأخذ البشرية بثأرها ويعود العلم من جديد..لكن هذه المرة في أوروبا لأن مصر والإسكندرية كانوا غارقين في التخلف والمرض والدروشة بفضل الحكم العثماني.

هيباتيا لم تدعو للوثنية كما اتهمها المتعصبون القتلة، بل كانت مفكرة وعالمة رياضيات نادت بإعلاء العقل وقيم التسامح كثوابت لفلسفتها الشهيرة "بالأفلاطونية المحدثة" أما انتمائها غير المسيحي كان يجب أن يُحتَرم لتسامح المسيح نفسه مع مخالفيه..لكن آفة الأديان عامة في رجالها والمتحدثين باسمها..

سنة 2009 تم تخليدها بفيلم سينمائي أسباني هو "أجورا" صورت فيه هيباتيا وهي تكافح ضد هجوم المتعصبين المسيحيين على مكتبة الإسكندرية، لكنها فشلت في إنقاذ المكتبة من الحرق، علما بأنه لم يكن الحريق الأول والأخير للمكتبة، لكن هذا الحريق بالذات قضى على منجزات عصر النهضة اليونانية بحرق آلاف الكتب والمجلدات في كافة العلوم.

بتاريخ الأحد 02 يونيو 2019 - 21:19:57 / عدد التعليقات :

مقدمة:
 
"إن بناء الوطن رهين ببناء الانسان وان تخريب الانسان يعني تخريب الوطن"، تخريب الماضي من خلال نسيانه وتخريب الحاضر من خلال التفريط فيه وتخريب المستقبل من خلال غياب الخلف.  في إطار هذه المعادلة الصعبة يمكن القول بأن قضية التعليم والمدرسة هي ام القضايا التي يجب ان تكون محط نقاش وطني واسع بين كل الاطراف الوطنية الغيورة على هذا البلد. فبعد أكثر من ستين سنة من "الاستقلال" لم يستطع البلد ان يخرج من عباءة التبعية للنظم الاجنبية، بل الادهى والامر هو ان تعليم وتكوين وتربية الانسان اضحت كلها في خبر كان منذ ستينيات القرن العشرين. لقد تم تعريب التعليم وزرع بذور التشدد من خلال استيراد كل المنتجات المشرقية من فكر بعثي ووهابي لا يمت بصلة لهوية الانسان الشمال الافريقي المتوسطي الذي يتسم بروح التسامح والانفتاح على الاخر. ان التدني الكبير الذي وصل اليه التعليم المغربي ادى اوتوماتيكيا الى تخريب الانسان وهذا ما نلاحظه ليس فقط من خلال الانحطاط الذي يعرفه التعليم المغربي في كل المستويات الابتدائية والثانوية والجامعية، ولكن ايضا من خلال السلوكيات اليومية للإنسان المغربي من جريمة وبطالة ورشوة ومخدرات وفساد واستبداد وغياب لمشاعر الوطنية وهجرة سرية وعلنية للشباب الذي فقد البوصلة التي يمكن ان توجهه في حياته اليومية
 
ان واقع التخلف الذي يعيشه البلد مرده الى تدهور المنظومة التعليمية سواء فيما يتعلق بالموارد البشرية او المناهج التعليمية او البنيات التحتية، وهذا الوضع هو نتاج سياسات لا وطنية ولا شعبية ولاديمقراطية؛ وهي بمثابة جريمة نكراء في حق الوطن والشعب. جريمة بكل المقاييس لأنه كما يقول المثل: فاقد الشيء لا يعطيه وهذا هو حال الحاكم والمحكوم، حال المدرس والمتعلم، ثم حال الاسرة والابناء. والنتيجة الحتمية لكل هذا الفراغ هو التخبط في إصلاحات ترقيعيه لم تعد تجدي نفعا مع قطاع مريض منذ خمسين سنة. لقد أدت السياسات التعليمية الى التطبيق الحرفي لمقتضيات برنامج التقويم الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي على البلاد والى اعتبار التعليم قطاعا غير منتج، وهكذا توالى مسلسل افراغ التعليم العمومي من محتواه وتم فتح الباب للقطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال وجعله قطاعا ماليا مدرا لأرباح خيالية تفوق كل التوقعات. فتم خلق تعليم طبقي موجه الى فئات اجتماعية متناقضة نظرا للتفاوت الطبقي الذي يميز كل هذه الفئات. فهناك تعليم خصوصي تقوم به معاهد عليا تابعة للقطاع الخاص مقابل أموال طائلة وهو موجه للفئات الميسورة والغنية؛ وتعليم عمومي ضعيف وهش على مستوى البنيات والاطر والبرامج. هذا التفاوت الطبقي هو الذي جعل الانسان المغربي يفقد الثقة في المدرسة العمومية التي أصبحت فارغة من كل شيء: إطارات كفؤة، موارد معتبرة، مناهج قيمة وبنيات لائقة. وأضحت المدرسة العمومية مرتعا للغش والمحسوبية والتسويف واللامبالاة والبيع السري والعلني لكل أنواع المخدرات امام أبواب المدارس.
 
ان عملية نقد المدرسة المغربية لا يراد منه التنقيص من دور هذه المدرسة، رغم كل الاعطاب، في تخريج كوادر وطنية كبيرة منذ الخمسينات والستينات الى حدود الثمانينات من القرن العشرين ولا زالت تلعب دورا مهما حتى يومنا هذا رغم كل العراقيل.  ان المراد من هذا النقد هو دق ناقوس الخطر لما آلت اليه هذه المدرسة خصوصا بعد توالي كل السياسات التقزيمية التي مست قطاع التعليم وجعلت منه قطاعا غير منتج في نظر القائمين على تسيير شؤون هذا البلد. لقد تم افراغ مناهج التعليم من خلال التغيير العميق الذي مس هذه المناهج وخير مثال على ذلك التراجع عن تدريس الفلسفة والسوسيولوجيا والعلوم السياسية؛ كما تم تكريس التعريب لكل المواد العلمية في اطار توجه أيديولوجي مرتبط بفكر القومية العربية الذي تبناه النظام المغربي ومعه كل الأحزاب والجمعيات والافراد التي تدور في فلك هذا الفكر؛ كما تم اغلاق العديد من مراكز تكوين المعلمين والأساتذة ، وتم اتباع سياسة التوظيف التعاقدي فتم اغراق المدارس بما يسمى الأساتذة المتعاقدين الذين لا يتوفرون بالضرورة على الكفاءات الضرورية لتعليم الناشئة؛ لقد تم اغراق المؤسسات التعليمية في دوامات من المشاكل في أفق وضع حد نهائي لمجانية التعليم، وتم اغلاق العديد من المؤسسات التعليمية وبيعها كقطع أرضية لمافيا العقار، وتم الإهمال التام للتجهيزات الضرورية للمدارس. اما على مستوى تدريس اللغات فقد تم الاقصاء الممنهج للغة الامازيغية في برامج تعليم وتكوين الانسان المغربي مما أدى الى خلق انفصام كبير في شخصية الانسان المغربي.
 
لقد تم اتباع سياسة التجاهل التام لكل الحقائق التي تنطق بها الجغرافيا واللغة والجنس والعرق والتاريخ الموضوعي للمنطقة، مما تسبب في اقصاء تام لتاريخ عريق للامة المغربية والذي يبدأ منذ آلاف السنين في إطار تلاقح عميق بين أبناء المنطقة المغاربية او الشمال الافريقية وباقي شعوب البحر الأبيض المتوسط وعلى رأسهم شعوب منطقة ايبريا الذين يعتبرون أبناء عمومة وأقرب الناس الى الامة المغاربية. وأصبح تاريخ البلد يبدأ بالنسبة للنظام المخزني المغربي مع نشأة الامارة الإدريسية (؟؟؟ّ؟؟). ان التوجه الأيديولوجي للمخزن المغربي أفقد الانسان المغربي كل الركائز الضرورية لبناء شخصية وطنية قادرة على الصمود في وجه كل التيارات الفكرية والأيديولوجية التي قد تحدث له شرخا على مستوى القيم والفكر والاختيار. اما فيما يخص السياسات التعليمية فان التوجه الليبرالي للنظام المغربي، وفي إطار التطبيق الحرفي لمقتضيات برنامج التقويم الهيكلي، اذى الى خوصصة التعليم وربطه باقتصاد السوق، فلم تعد المدرسة ذلك المكان التي ينتج الادمغة والعقول وانما مكانا لإنتاج شبه انسان فارغ همه الوحيد هو النجاح بكل الطرق الغير شرعية (الغش) وعدم القدرة على امتلاك ملكات التفكير النقدي والتحليل العلمي لكل الظواهر والمشاكل التي تعترضه.
 
في خضم هذا الوضع المزري والمتخلف، وضع الرداءة والبؤس تطرح مجموعة من الأسئلة علينا جميعا كأفراد ومجتمع؛ اسئلة مرتبطة ارتباطا وثيقا بسؤال ما العمل من اجل انقاد التعليم العمومي وانقاد الوطن؟ لهذا وفي إطار المساهمة في فتح النقاش حول هذه المعضلة تأتي هذه المبادرة على شكل مجموعة من المقترحات موجهة الى ذوي الاختصاص للإجابة على سؤال ما العمل؟ ثم من اجل التفكير في انقاذ الوطن من خلال انقاذ الانسان ولن يتم ذلك الا من خلال انقاد التعليم والتعليم هو ام القضايا الذي لن يتم اصلاحه (كما هو الحال مع ما يقوم به النظام المخزني الذي يتحكم في كل دواليب الدولة) الا من خلال سياسات وطنية جدرية تقطع مع كل اسباب التخلف والانحطاط.
 
المشروع المقترح
 
ان المدرسة هي البيت الثاني بعد الاسرة الذي ينمو فيه الانسان ولن ينمو هذا الانسان الا في محيط قابل للحياة. في محيط يتوفر على كل المؤهلات والموارد الضرورية والناجعة من اجل حياة سليمة. لقد كثرت الشعارات الفارغة والفضفاضة التي يتغنى بها الجميع وعلى رأسهم النظام المخزني الذي ما فتئ يدعو الى اصلاح التعليم منذ ستيينيات القرن العشرين من خلال مناظرات ولجن وغير ذلك دون ان يعبر عن إرادة وطنية صادقة لإصلاح التعليم ولكن فقط عن إرادة مبيثة لإفراغ التعليم من محتواه نظرا لما تشكله الطبقة المتعلمة من خطر على نظام يقتات من الجهل والتجهيل. الكل يبكي على المدرسة والكل من هؤلاء البكائيين يدرس ابناءه في المدارس الخاصة وفي مدارس البعثات الأجنبية مقابل ملايين الدراهم، وان لم تكن ملايين الدولارات ولا يريد ان يساهم ولو بدرهم واحد من اجل المدرسة العمومية وهذا أضعف الايمان. لقد استقال النظام المخزني من كل شيء يهم تطور وتقدم ورفعة ورفاهية وسعادة الانسان المغربي الا من شيء واحد وهو حماية امنه الخاص وامن الاستثمارات الأجنبية ثم تقاسم أموال الضرائب والموارد الطبيعية بين علية القوم التي تشكل المخزن الكبيروالصغير.
 
ان الوضع المزري للتعليم يعكسه حالنا وحال البلد. زوروا المدارس والمستشفيات، انظروا الى الازبال في الطرقات، انظروا الى الحفر والترقيع، انظروا الى الرشوة في كل الإدارات، زوروا اهل الجبال لمعاينة التهميش والتفقير والاقصاء .... لذا فالقول الصواب هو اعتبار المدرسة والتعليم ام القضايا ولن تقوم قائمة لهذا البلد الا من خلال بناء الانسان وتكوين الانسان المغربي تكوينا يليق بمستوى التحديات التي يجب علينا جميعا تجاوزها من اجل ان نكون او لا نكون. وهنا تأتي هذه المبادرة على شكل مجموعة من المقترحات التالية:
 
1 اعتبار المدرسة العمومية والتعليم العمومي القاطرة الوحيدة التي يمكن ان تقود الوطن والشعب الى بر الأمان والذي يتمثل في الخروج من التخلف والتحرر من كل اشكال الفساد والاستبداد؛ لذا يجب إعادة الاعتبار لقطاع التعليم وجعله القطاع الأول في كل السياسات العمومية؛
 
2 تخصيص الموارد المالية الضرورية للتعليم العمومي من اجل التكوين والبحث العلمي وفي هذا الصدد يتعين على الدولة تخصيص %5 من الناتج الوطني الخام للبحث العلمي و% 15 للتعليم والتكوين والتدريس والتجهيز؛ مع الإشارة بان كل مدرسة بالمدن تتوفر على موارد خاصة تساهم بها في تمويل تسيير المدرسة؛ هذه الموارد تأتي من واجبات التسجيل ومصاريف الدراسة التي تؤديها العائلات المتوسطة والميسورة.
 
3 بناء مدارس عمومية عصرية في مساحات أرضية شاسعة تمتد من هكتار بالنسبة للمدارس الابتدائية، هكتار ونصف للمدارس الاعدادية الى هكتارين  بالنسبة للمدارس الثانوية؛ مدارس من الطراز الرفيع تتوفر على قاعات تحت أرضية للمطالعة في المكتبة وممارسة الرياضات وتعلم فنون الرسم والحرف اليدوية؛ اما المساحة الفوق أرضية فيجب على مدارسنا العمومية العصرية ان تبنى على شكل اغرم أي على شكل قصبة/قصبات من فئة سبع طوابق واقسام بمساحة 80 متر مربع تتسع ل 30 تلميذ فقط؛ مدارس مجهزة بشكل عصري وتتوفر على أشجار متنوعة وحدائق طبية؛ مدارس عمومية مبنية بالإسمنت المسلح لتعمر ما شاء الله ان تعمر؛
 
4 العمل على تأهيل المدارس العمومية القديمة من خلال إعادة هيكلتها بحيث تكون موضع اشغال بناء وفق الطراز المقترح في النقطة السالفة الذكر؛ لا يمكن للمدرسة ان تكون مسكنا لأي موظف "المدير او الحراس"؛ تخضع المدرسة لنظام مراقبة عصري تشرف عليه شركة للحراسة الخاصة.
 
5 بالنسبة لمدارس العالم القروي: يجب ان تبنى على شكل أغرم(قصبة) من ثلاث طوابق وبمواد محلية؛ يجب ان لا تقل الأقسام بهذه المدارس عن 10 اقسام الى 20 قسم مجهزة بكل المستلزمات الضرورية لتعليم سليم وجيد؛ يجب التفكير في تقريب المدارس الإعدادية من تلامذة المناطق الجبلية وذلك في مناطق بها تجمع سكني مهم؛ مع التذكير بأهمية بناء داخليات كمأوى لهؤلاء التلاميذ.
 
 6 توفير الموارد البشرية الضرورية لتسيير هذه المدارس: أولا إدارة كفؤة تتمتع بالصلاحيات الضرورية من اجل تسيير ذاتي للمدرسة-المؤسسة؛ ثانيا لن يدرس بالمدرسة العمومية الا من يحمل شهادة الدكتوراه او الماستر في التخصصات التي تدرس بالمدرسة مع ضرورة اخضاع الأستاذ المعلم للتكوين المستمر في بيداغوجيا التدريس وعلم النفس والعلاقات الاجتماعية مع الناشئة؛
 
7 ولوج المدرسة للعمل سواء بالنسبة للإداريين او المعلمين الأساتذة يتم وفق مباراة ويخضع الموظف حسب الهرم الإداري للمدرسة مباشرة ثم النيابة؛ تسيير المدرسة يخضع لنظام شبه مستقل على شكل مقاولة؛ حيث يعتبر الكل موظفا رسميا لذى المدرسة على قاعدة قانون الوظيفة العمومية: حقوق وواجبات، مخالفات وعقوبات في احترام تام للقانون. كل أستاذ يتم توظيفه هو ملزم بأداء الخدمة المدنية لمدة 3 سنوات ومن تم يتم ترسيمه كإطار خاضع لمدونة الوظيفة العمومية. لا يجب ان يقل اجر الأستاذ العامل بالابتدائي والثانوي والاعدادي عن 8 الاف درهم ولا يجب ان يتجاوز 15 ألف درهم. 
 
8 لا يمكن للمدرسة العمومية ان تأتي اكلها الا إذا توفرت على مناهج ومقررات دراسية تواكب متطلبات العصر؛ لذا يجب وقف مسلسل التعريب ؛ يجب منذ البداية تدريس خمس لغات للطفل المغربي: الامازيغية والعربية والفرنسية والانجليزية والاسبانية؛ يجب تدريس هذه المواد كلغات للتواصل بطريقة فنية وممتعة للتعلم السريع لهذه اللغات؛ يتم تعلم هذه اللغات من القسم الأول التحضيري حتى قسم الباكالوريا وفي الجامعة هناك تخصصات في لغة معينة او أي مجال اخر: علمي، تقني، هندسي، اقتصادي، قانوني أو أدبي، أو طب أو علوم إنسانية واجتماعية؛ 
 
9 التدريس الاجباري لخمس لغات (الامازيغية والعربية والفرنسية والانجليزية والاسبانية) لجميع التلاميذ المغاربة كمواد تستفيد من خمس حصص أسبوعية من خمس الى عشر ساعات لكل لغة. جعل الإنگليزية لغة التدريس لكل المواد العلمية: الرياضيات، الفيزياء، العلوم الطبيعية والطب وفي كل المستويات التعليمية، وجعل الفرنسية لغة التدريس للفلسفة والتاريخ والجغرافيا، وجعل العربية لغة لتدريس التربية على الاخلاق والقيم الدينية، اما الامازيغية فيجب العمل على تدريسها كمادة لغوية بحروف لاتينية مكيفة لهذا الغرض وتسهيل تعلمها لكافة المغاربة في إطار برنامج تأهيلي لجعلها لغة لاكتساب العلم والمعرفة؛ تظل الدارجة المغربية لغة محورية لتمكين التلاميذ من الفهم؛
 
10 التدريس داخل المدرسة المغربية يتم على أساس تخصص كل أستاذ في مادة معينة منذ القسم الأول، حيث يكون هناك كل أستاذ خاص بكل لغة، كما يكون أستاذ خاص بالرياضيات، أستاذ خاص بالفيزياء والعلوم الطبيعية...؛ مما يعني توفر التلميذ على طاقم من الأساتذة يتناوبون على اقسام متعددة ومستويات متعددة؛ كل أستاذ حسب تخصصه.
 
 
11 فتح أبواب المدرسة العمومية لكل فئات الشعب المغربي شريطة مساهمة هذا الشعب في تنمية مدرسته من خلال أداء رسوم التسجيل لكل التلاميذ والطلبة؛ هذه الرسوم في المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية لا يجب ان تقل عن 300 درهم سنويا لكل تلميذ، وعن 500 درهم للطلبة؛ اما العائلات المتوسطة والميسورة فإنها ملزمة بأداء واجب شهري قد تصل قيمته الى 500 درهم لكل تلميذ بالنسبة للعائلات المتوسطة و 1000 درهم للعائلات الميسورة؛ مع الإشارة بأن المدرسة تلتزم بتجهيز كل تلميذ فقير بالابتدائي بالبدلة المدرسية ومحفظة بها كل اللوازم المدرسية من كتب ودفاتر وأدوات مدرسية ( يعتبر فقيرا التلميذ الذي لا يتجاوز الدخل الشهري لأسرته 7الاف درهم)؛ ثم جعل المدرسة فضاء مفتوحا أمام البالغين من اجل التعلم في اطار دروس ليلية مخصصة لتعلم اللغات واكتساب معارف في جميع المجالات.
 
12 العمل على صياغة مقررات دراسية وطنية شاملة تخضع لها جميع المدارس العمومية مع احترام بعض الخصوصيات المحلية (جغرافية المنطقة والتاريخ المحلي)، مقررات حاملة للعلم والمعرفة ومواكبة لتطورات ومتطلبات العصر؛ لذا يجب العمل على تنمية المواهب الإبداعية والخلاقة لدى الأطفال من خلال تدريس العلوم والتقنيات الحديثة المرتبطة بالمعلوميات والبرمجة، المهن الهندسية الجديدة؛ يجب وقف المتاجرة بالمقررات الدراسية التي يتم ترقيعها سنويا لمصلحة مافيا الكتاب المدرسي؛ 
 
13 خلق مراكز للتكوين البيداغوجي للأساتذة والمعلمين؛ لا يلج هذه المراكز الا من تتوفر فيه شروط القابلية للعمل كمدرس وان يكون المرشح حاصلا على الدكتوراه او الماستر؛ مدة التكوين البيداغوجي لا يجب ان تقل عن سنة تجمع بين التكوين النظري والتطبيقي؛
 
14 جعل الجامعة قطب الرحى في كل العملية النهضوية المتعلقة بالتعليم والمدرسة العموميين؛ الجامعة هي منبع كل الطاقات والادمغة التي يحتاجها الوطن، لهذا فهناك ارتباط وثيق بين الجامعة وكل المستويات التعليمية الابتدائية والاعدادية والثانوية. ان تحقيق الطفرة النوعية على مستوى التعليم الاولي هو ما سيمكن الجامعة من استقطاب تلاميذ لهم كل الإمكانات من تكوين جامعي عالي المستوى. لهذا فان الاستثمار في الجامعة هو المحرك الأساس لعجلة التطور بالبلد ولن يتحقق ذلك الا من خلال توفر البلد على جامعات مستقلة وقادرة على تلبية حاجيات البلد من أطر وكوادر في مجالات الهندسة والتقنيات، الطب والعلوم الرياضية والفزيائية والطبيعية، الاقتصاد والتسيير والقانون، الفن والابداع والمعمار والرياضة...ومن هنا أهمية بناء مركبات او مجمعات جامعية على مساحات تناهز 30 هكتار وعلى شكل قصبات من فئة طابق تحت ارضي لكل بناية و7 طوابق فوق أرضية لكل بناية. هذه المركبات الجامعية تتوفر على جميع التخصصات وجميع التجهيزات الضرورية من أجل تكوين ذو جودة عالية. 
 
الجامعة العمومية مفتوحة امام كل الطلبة شريطة أداء رسوم الدراسة ورسوم التسجيل؛ رسوم التسجيل يجب ان تتراوح بين 500 درهم و1000 درهم؛ أما رسوم الدراسة فلا تهم الا العائلات المتوسطة والميسورة وتتراوح بين 500 و1500 درهم شهريا. يدرس الطالب في الجامعة لمدة لا تقل عن أربع سنوات للحصول على الاجازة وفق برنامج مكون من مواد على شكل وحدات modules   تدرس لمدة سنة جامعية؛ اما باقي التخصصات فالمدة الزمنية للتكوين تتراوح بين 5 و7 سنوات كما هو الحال للهندسة والطب. 
 
لا يمكن للجامعة المغربية ان تأتي اكلها الا إذا كان الأستاذ الجامعي معززا ومكرما من خلال جعل الجامعة فضاء للحرية والابداع ومن خلال توفير كل الإمكانات الضرورية من اجل عمل سليم منتج وفعال؛ لذا لا يجب تفقير الأستاذ الجامعي بل يجب جعل راتبه الشهري لا يقل عن 30 ألف درهم لأستاذ التعليم العالي، و25 ألف درهم لأستاذ التعليم العالي المؤهل و15 درهم لأستاذ التعليم العالي المساعد.
 
تعتبر الجامعة فضاء مستقلا يتمتع بالاستقلالية الذاتية في تسيير كل شؤونه؛ إضافة الى الموارد العامة التي تخصصها الدولة للتعليم، تتوفر الجامعة على موارد خاصة (رسوم التسجيل وواجبات الدراسة). إدارة الجامعة تتكون من الأساتذة الجامعيين ومن الإداريين الذين يختارهم الأساتذة (عمداء، مدراء، مساعدين اداريين، تقنيين...)؛ لا يحق للسلطة العمومية ان تتدخل في شؤون الجامعة الا من اجل فرض احترام القانون. 
 
15 تنشئة الأطفال على حب الوطن من خلال التركيز على التاريخ العريق للامة المغربية الافريقية المتوسطية ومساهمتها عبر كل حقب التاريخ في اغناء الحضارة الإنسانية من خلال مفكريها وقادتها التاريخيين وثقافتها وفنونها في اللباس والبناء والمطبخ والفلاحة والصناعات التقليدية والتبادل التجاري والثقافي مع كل الجيران جنوبا وشمالا وشرقا وغربا؛ مع ضرورة تبني الصرامة في التربية على الاخلاق والمواطنة الحقة من خلال تنشئة الأطفال على السلوك الحسن، كما يجب تربية الأطفال على الصدق في العمل والإخلاص والابتعاد عن كل اشكال الغش والنصب والاحتيال، كما يجب اخضاع الأطفال للتدريب العسكري منذ الصغر لبناء انسان كامل وقوي الشخصية ليكون قادرا على مواجهة تحديات الحياة؛
 
الاليات والأهداف 
 
هذه بعض من الأفكار والمقترحات التي اود ان اتقاسمها مع كل أبناء البلد الذين لهم غيرة على هذا الوطن؛ هي أفكار قابلة للنقاش والاغناء والنقد في إطار نقاش علمي أكاديمي مع اهل الميدان وذوي الاختصاص الذين لهم دراية علمية بكل الأفكار الواردة في هذه المقالة؛ لذا فان النقاش يجب ان ينصب فقط حول المشروع المقترح لانقاد الوطن والشعب من براثين التخلف والجهل والانحدار نحو الهاوية. كيف يمكن ان نبني وطنا يسع الجميع؟ ما العمل من اجل انقاد التعليم العمومي والمدرسة العمومية؟ سؤال ما العمل؟ هو السؤال المركزي والمحوري الذي يجب ان ينصب عليه تفكيرنا. 
 
 
ان قضية التعليم والمدرسة العمومية هي أم القضايا ولكن هي جزء لا ينفصل عن الكل لان الطبقة الحاكمة (ممثلة في النظام المخزني الذي يقتات ويستمد قوته من الجهل الذي يعيشه الشعب) ليست لها اية إرادة من اجل انقاد التعليم العمومي لان ذلك لا يخدم مصالحها الطبقية التي تقوم على أساس الخوصصة التي هي أساس الليبرالية واقتصاد السوق. كما ان قضية التعليم لا تنفصل عن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني بالبلد إضافة الى دور القوى الامبريالية العالمية في كبح أي تحرر وطني للشعوب والبلدان الخاضعة للهيمنة والتبعية لهذه الدوائر الامبريالية. 
 
انه لا يعقل ان يتمادى الجميع بالتشدق بالخطابات الرنانة حول التعليم العمومي دون ان يقوم باي شيء من اجل هذا التعليم؛ كم من لجن ومجالس ومنتديات واصلاحات قامت بها السلطة المخزنية من اجل التعليم ولكن دون جدوى؛ الجواب هو غياب الإرادة الحقيقية من اجل انقاد الوطن؛ هناك فقط إرادة لخنق التعليم وتوجيهه في الاتجاه الذي يكرس الجهل والتجهيل.  لقد حرص النظام المخزني على جعل التعليم العمومي قطاعا غير منتج في منظوره الخاص وقام بتنزيل كل السياسات الليبرالية في كل القطاعات خصوصا الصحة والتعليم مما أفقد هذا البلد كل أسباب النمو والتقدم؛ أصبح المال هو سيد الموقف في الصحة والتعليم. ان نمو البلد رهين بتمكين البلد من قطاعي الصحة والتعليم من خلال بناء مجمعات تعليمية وجامعية واستشفائية قادرة على انقاد البلد من براثين التخلف. فلا يعقل ان يكون المغرب أقرب بلد افريقي لأوروبا (14 كيلومتر كمسافة جغرافية) وبعيد عن هذا العالم ب 500 سنة كمسافة زمنية؛ ان اثيوبيا البلد الافريقي الذي يتواجد على بعد 5515 كيلومتر من أوروبا يتوفر على أكثر من 44 جامعة في حين لا يتوفر المغرب الا على 14 جامعة؛ هذا الفارق المهول بين البلدين يبين مدى تأخر المغرب.
 
لقد ساهمت كل الأطراف: النظام المخزني، الأحزاب السياسية، النقابات وحتى الافراد في تدهور المنظومة التعليمية من خلال صراعاتها السياسوية والايدلوجية التي لا تروم الا تحقيق مصالحها الضيقة دونما اعتبار لمصلحة الوطن؛ هذه الصراعات هي التي جعلت التعليم وقطاعات أخرى محط مزايدات بين كل هذه الأطراف فغلبت العشوائية على تسيير وتدبير قطاعات استراتيجية كان بالإمكان ان تكون محط اجماع كل الأطراف المساهمة في تسيير الشأن العام، ولكن للأسف أسندت الأمور الى غير أهلها فحصل ما حصل من تراجع مهول للبلد في كل القطاعات: الديمقراطية، الحريات الفردية والجماعية، التنمية، التعليم، الاقتصاد، الصحة، الشغل، البنيات التحتية من مدارس ومستشفيات وطرق... في حين استشرى الفساد والاستبداد، البطالة والمخدرات والانتحار، الهجرة في قوارب الموت والسرقة الموصوفة (السرية والعلنية) للمال العام، واصبح كل مسؤول صغير او كبير مستبدا بالأمر داخل مؤسسات عمومية تحولت بقدرة قدير الى ضيعات وملكيات فردية يصول و يجول فيها المسؤول دون حسيب او رقيب. وهذا هو مربط الفرس لان غياب الحس الوطني والاحساس بالمسؤولية أفرغ كل القطاعات من الطابع المؤسساتي للدولة التي هي ملك للشعب كل الشعب. لذا فان الجميع مدعو الى التضحية من اجل الوطن.
 
ان اصلاح التعليم يقتضي استقلالية التعليم عن النظام المخزني برمته وعن الأحزاب والنقابات وان يكون التعليم محط عناية ورعاية من قبل المجتمع برمته؛ لهذا فان الالية الأهم لتحقيق ذلك هي خلق هيئة وطنية مستقلة على شكل مؤسسة وطنية للتعليم Fondation Nationale de l’enseignement؛ مؤسسة مستقلة عن السلطة العمومية المركزية والمحلية، عن الأحزاب والنقابات. هذه المؤسسة تتكون من جميع ذوي الاختصاص من مثقفين وأساتذة جامعيين وأساتذة التعليم الثانوي والاعدادي والابتدائي والعاملين بقطاع التعليم من عمداء ومدراء ومفتشين واداريين والفاعلين بكل القطاعات الحيوية بالبلد. تتمتع هذه المؤسسة بالاستقلالية التامة التي يوفرها لها القانون المؤسس للمؤسسة الوطنية للتعليم، وبكل الصلاحيات والسلط اللازمة لتدبير شؤون التعليم بصفة دائمة.  
 
 
ان الهدف من هذا المشروع المقترح هو فتح النقاش حول ما وصل اليه تعليمنا من انحطاط نتيجة هذه السياسات اللاوطنية واللاشعبية واللاديمقراطية والتي لا تخدم مصلحة البلد؛ كما يجب التأكيد بأن التعليم والصحة يقتضيان منا وخصوصا العائلات المتوسطة والميسورة تضحيات جسام من اجل إعادة الاعتبار لهاذين القطاعين وجعل الجميع يستفيد منهما في حدود المعقول. فعوض أداء الملايين من الدراهم للمدارس الخاصة والمصحات الخاصة، سيستطيع الجميع مقابل مساهمات معقولة (300 درهم الى 1500 درهم في كل المستويات التعليمية وفي كل المستشفيات) من الاستفادة من الخدمات التي تقدمها هذه المصالح. لذا يجب وضع حد لكل اشكال الفردانية المقيتة والتسيب الذي يسود بهاذين القطاعين. قد يقول قائل وأين هي أموال الضرائب والثروات؟ هذه الأموال موجهة للبنيات التحتية الكبرى للبلد، للبحث العلمي والتقدم الفلاحي والصناعي للبلد. لهذا فان المجانية لا تعني عدم تضحية الشعب من اجل جودة كل القطاعات الحيوية في البلاد. ان المجانية للقطاع العمومي لا تنتفي مع أداء رسوم للتسجيل والولوج الى المدارس والمستشفيات؛ ففي جميع الدول هناك رسوم تؤدى مقابل التسجيل في المدارس العمومية وهذه الرسوم قد تصل في فرنسا مثلا الى 500 أورو سنويا ناهيك عن مصاريف التمدرس في المدارس والمعاهد العليا.
 
لذلك ورغم كل التحديات فيجب على الشعب ان يواجه مصيره وعلى كل الوطنيين، كل في موقعه، التوقف عن البكاء على الاطلال، والعمل على الضغط من اجل تغيير سياسي واقتصادي جدري بالبلد وذلك بشكل سلمي بعيدا عن كل اشكال المواجهة العنيفة؛ اشكال نضالية سلمية ستدفع بالطبقة الحاكمة الى التفاوض حول مشروع الإنقاذ الوطني الشامل. لان همنا الأول والأخير هو تحقيق ثورة فكرية وثقافية وعلمية بالبلد، ثورة قادرة على تخليص البلد من التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي... لذا فان المشروع المقترح ، رغم ما يمكن ان يقال عنه وكل الانتقادات التي يمكن ان توجه له، لا يبغي الا هدفا واحدا وهو انقاد الوطن من خلال انقاد التعليم؛ ان الانسان هو الرأسمال والمورد الأساسي الذي يجب ان يكون محط كل العنايات والرعاية الضرورية لكي تتفتق طاقاته الإنتاجية والابداعية؛ ان الهدف الأساسي من التعليم هو تمكين المجتمع من امتلاك الأدوات الضرورية للبناء الذاتي والمستقل للمجتمع؛ لذا فان هذه الأدوات يجب ان تكون محط تكوين ناجع وفعال لكي تؤتي اكلها.
 
ان أي ثورة فكرية او ثقافية او علمية لا يمكن ان تتحقق الا إذا توفرت الإرادة الجماعية لذى كل افراد المجتمع؛ لذى فان طليعة الشعب هي التي تشكل روح الشعب والمحرك الأساس لأي تغيير نحو التحرر من براثين التخلف بكل اشكاله. ان طليعة الشعب هي النخب المثقفة والواعية بجسامة المسؤولية والتي لها العزم كل العزم للتضحية من اجل رفعة الوطن وتحرر الانسان من كل الامراض التي افقدته صفة الانسان الجمعي والمجتمعي social et sociable  . ان اهم الية يجب تعبئتها من اجل تحقيق كل اهداف التحرر هو نشر الوعي بين الناس بضرورة اخذ زمام الأمور والعمل من اجل المشترك.
يناير 2019 الدار البيضاء
منصور عبد الرزاق

بتاريخ السبت 09 مارس 2019 - 04:17:31 / عدد التعليقات :

يواجه مستقبل العمل الثقافي في الزمن المعاصر ضبابية، بفعل تحولات هائلة هزت قطاع الثقافة انعكست على العاملين فيه. فهناك دواع ملحة لإعادة النظر في علاقة توظيف المعرفة في السياق الإنتاجي، أي ما يربط صنّاع الثقافة كمبدعين وأفراد، بما هو حاصل من تطور تقني-ثقافي والذي يمثّله كبار المستثمرين الذين باتوا يشكّلون طبقة موازية. حيث مرّ التحكم بمقاليد الحقل الثقافي إلى قوى أخرى تعيش قِيما مغايرة في علاقتها بالثقافة تتغاير مع ما اعتاد عليه المثقف التقليدي. وقد لاحت هذه التحولات في القطاع بعد إزاحة العاملين الأفراد عن تصدّر الدور الطليعي وتحوّلهم إلى عمّال ضمن مؤسسات راعية توجه إنتاجهم الثقافي. والكتاب الذي نتولى عرضه والدائر ضمن هذا الجدل سهر على إعداده الكاتب الإيطالي فرانشيسكو أنطونيللي، مستشرفا من خلاله مستقبل المثقفين والعمل الثقافي عامة. وأنطونيللي هو باحث جامعي في قسم العلوم السياسية بجامعة "روما ثلاثة"، صدرت له جملة من الأعمال منها "الحداثة في تحوّل" و"الفوضى وما بعد الحداثة"، فضلا عن مجموعة من الترجمات من الإنجليزية. قسّمَ الباحث بحثه إلى قسمين: عنون الأول بـ"علم الاجتماع التفكري لغولدنر وتحولات المثقفين" والثاني جاء ترجمة لنص لغولدنر بعنوان "مستقبل المثقفين".
في القسم الأول من الكتاب يتعرّض أنطونيللي إلى المنزع اليساري الذي طالما ساد في أوساط المثقفين طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما بدأ ينحو للتبدل مع تحولات الرأسمالية في العقود الأخيرة، التي باتت تولي اهتماما الاستثمار في القطاع الثقافي بوصفه قطاعا يدرّ ربحا، فضلا عن كونه مجالا سلطويا يمكن التحكم من خلاله بالمسارات السياسية وبتوجيه الرأي العام. هذا التحول الذي مسّ طبيعة الحقل الثقافي، من العمل الإبداعي العفوي للمثقّف الدائر ضمن هموم فردية في غالب الأحيان، إلى من يتحكم في إنتاجه ويوجهه، بموجب تطورات أدخلتها الرأسمالية في الأدوات والعمل والمنافسة والعرض والطلب، خلّف تحويرا جذريا جرى في غفلة أو لنقل في ظل دهشة المثقف أمام قوة التحولات التي باتت تحيط به (ص: 27).
والملاحظ حسب أنطونيللي أن تراجع المثقف الفرد قد جاء مرفوقا بتراجع سنده الأيديولوجي الاشتراكي عامة في الساحة الدولية، في مقابل قدرة هائلة لليبرالية على التلون مع المستجدات، راهنت فيها على مجال كان حكرا على اليسار في ما مضى. فمع الرأسمالية الثقافية ثمة مسعى جاد لإخراج العمل الثقافي من طابعه المتأدلج المحكوم بالولاء السياسي إلى طابع بضائعي مجرد من سماته الإبداعية، بما يعني قدرة الإنتاج الثقافي بمختلف أصنافه: الأدبي والفني والفلسفي والسوسيولوجي إثبات جدارته وقيمته بمنأى عن اللبوس الأيديولوجي الذي يمكن أن يكتسيه. وقد انحاز شق واسع من المثقفين إلى هذا التوجه الجديد يحدوهم ما دبّ من نقد للأيديولوجيا، بلغ شوطا متطورا بالحديث عن موت الأيديولوجيا (ص: 39). من هذا الباب وجد التحول البضائعي للثقافي رواجه داخل أوساط المثقفين أنفسهم وبات له أنصاره. لكن هذا التحول أملى على المثقف دورا جديدا حوّله إلى بيروقراطي لدى الرأسمالي يقنع فيه بدور مكتبي ضمن مؤسسة إنتاجية وسلطوية، لا دور اجتماعي طليعي كما ساد في السابق.
وقد تبين لأنطونيللي أن ذلك المخاض الجديد في النظر إلى القطاع الثقافي، ضمن منظور وظيفي ودون خلفية قِيَمية أيديولوجية، كانت ساحته الأكاديميات الغربية بما توهج فيها من جدل حاد، خصوصا في مجال علم الاجتماع والفلسفة. حيث باتت المطالبة بالحياد العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية والقضايا الفكرية بعيدا عن الانتصار لشقّ أيديولوجي دون آخر. وهو بالأساس إلحاح للعودة إلى العلمية المعرفية الكلاسيكية المشغولة بالمنزع العلمي لا الموالاة الساذجة التي غالبا ما يتوارى خلفها الأيديولوجي. ضمن هذا الجدل مثّل عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر مرجعا وسندا للتوجه الجديد، من خلال ما عبّر عنه في كتاباته ضمن رغبته الجارفة لتنقية العلوم الاجتماعية مما سماه هيمنة "القِيم"، أي من جانبها غير العلمي. أو كما لخّص المفكر زيغمونت باومان الحالة بحاجة الواقع الأكاديمي الجديد للتعالي فوق المصالح القطاعية الثقافية وتسوية الحسابات مع المسائل الكونية للحقيقة (ص: 51). وقد تبين لأنطونيللي أن ألفين وارد غولدنر، بوصفه يساريا غير منضبط، من أبرز المراجعين للحقل الثقافي، ولم تحل قناعاته اليسارية دون توجيه انتقادات عميقة للتعاطي التقليدي مع المنتوج الثقافي والإبداع عامة. فحاول استشراف مستقبل المثقفين في زحمة التحولات الجارية في العالم دون تبنّ عقدي للمقولات الأيديولوجية السائدة في الأوساط اليسارية. فأوضاع المثقفين تبعا لمنظوره تتطلب تحررا من الرؤى المهيمنة التي تتميز عامة بتحليلات مرهونة لأوضاع مجتمعات الحقبة ما بعد الصناعية. مقرّا أن المثقف ما زال بوسعه الإمساك بالدور الحقيقي للفعل الثقافي بوصفه المنتج المباشر، حتى وإن استهين أو هُوّن من مقامه بما يلعبه منتوجه من دور في السيطرة الاجتماعية والتحكم.
في واقع الأمر ان التحولات البنيوية في قطاع الثقافة قد أبانت عن أزمة تتهدد المثقف، تتلخص في أن يكون أو لا يكون. وصحيح أن ثمة محدودية لحضوره، من حيث التأثير في مجريات السياسة وحراك المجتمعات وضبط قوى التحكم الاقتصادي، ولكن تلك الاستفاقة على تلك المحدودية قد لاحت بفعل انقشاع الوهم المعلَّق على المثقف، بوصفه مقتدرا على إتيان الخوارق؛ وبالتالي ثمة تصحيح لحجم المثقف الحقيقي داخل ساحة تعجّ بالفاعلين الاجتماعيين. فقد سادت ادعاءات جعلت من المثقف وصيا على المعرفة والحقيقة، وبالمثل حكَماً ومرشدا أوحد للمجتمع، وكذلك مقرّرا وملهما للسلطة السياسية، بيْد أنه فجأة، وبفعل النقد الحداثي والما بعد حداثي، وجد نفسه مجردا من هذه الأوهام، ليخرج من دور "المشرِّع" الذي يتولى رسم خريطة سير العالم، وهو ما وجدَ تمثّلَه في صورة "الفيلسوف" الممثْلنة، إلى دور المفسِّر والمعلِّق على أحداث العالم، بعد أن بات موظفا لدى السياسي في المشورة بمختلف تنوعاتها. إذ ثمة أشياء كثيرة تتجاوز قدرات المثقف وخارج سيطرته وهو غير قادر على إدخال أي تحوير عليها. فالإنسان الحديث يجد نفسه قبالة "أشكال متعددة للحقيقة" يلعب فيها قانون السوق دورا بارزا، وكل منتوج ثقافي لا يحظى برواج بات سلعة مزجاة، وكل إبداع ينتجه أمسى محكوما بقانون عرض وطلب يحدد قيمته. كل ذلك –وفق أنطونيللي- أطاح بهيبة المثقف الاجتماعية، جراء تسليع عمله الثقافي الذي ما عاد يستمد قيمته من ذاته بل من شروط تتجاوزه. ما جعل المثقف يفقد دوره في التدخل المباشر في العمل السياسي، ويتحول إلى مكمّل للمشهد العام.
ففي الحقبة الراهنة التي نعيشها ثمة ارتهان واضح للعمل الثقافي للسوق. تحتاج فيه العلاقة إلى ترتيب مستجد بين مثلث المنتج والمستثمر والمستهلك، لا سيما وأن علاقة الثقافة بوسائل الإعلام أمست علاقة عضوية ومصيرية من حيث الترويج والإظهار والطمس. فالمثقف ما عاد يستطيع العيش خارج شروط الواقع الإعلامي، بعد أن أضحى الظهور المشهدي -كما يقول-أوكسيجينه، وهو ما صادر آخر بقايا الاستقلالية لديه. فالواقع الإعلامي الجديد حافل بالتدخل في حريته الشخصية، في ما ينتج وما لا ينتج. ومثل السوق تماما، غدا الإعلام متحكما باستقلالية المثقف، في نوعية إنتاجه وفي مضامينه، وفي من يوالي ومن يعادي. وصحيح أن المثقف الغربي قد تحرر من تدخل السياسي في عمله بفعل تخمة الديمقراطية وهامش الحرية الواسع؛ ولكن هناك أشكالا جديدة متربصة به، مثل السوق والإعلام واللوبيات، تتحكم بنوعية منتوجه وبمضامينه. من هذا الباب تملي المرحلةُ إعادةَ نظر في العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين الأدب والمجتمع، بين الفلسفة والسياسة، إنها مرحلة التردد والتأمل. فليس كما يزعم البعض أن ثمة خيانة للثقافة من قِبل المثقفين، بل هناك إعادة توزيع للأدوار في ظل تحولات بنيوية لا قدرة للمثقف على السيطرة عليها (ص: 74).
والمناخ العام للرأسمالية اليوم يدفع نحو تقليص الحاجة للمثقفين والإعلاء من شأن التقنيين، وأزمة التخصصات الأدبية والاجتماعية والفلسفية في الجامعات والكليات وما يواجهه الخرّيجون من بطالة دليل واضح على ذلك. وربما تقليص مرحلة الدراسة الجامعية يشي بحاجة سوق الشغل اليوم إلى فنيين مكوَّنين على عجل لسد الثغرات المهنية وليس غرضه تكوين عقول نقدية قادرة على تفكيك العلاقات الاجتماعية. حيث تتميز فترة ما بعد الحداثة بتجريد الدارس والمثقف من وظيفتيهما الاجتماعية والسياسية. فالثقافة تحولت إلى "بزنس" و"متعة" بعد أن كانت "إبداعا" و"فعلا". والواقع أن ما نشهده في عالم الثقافة هو تحلل الباراديغمات القديمة وانبناء أخرى جديدة، وهو ما أثار غالبا لخبطة في أوساط المثقفين التقليديين الذين اعتادوا على نمط محدد للفعل الثقافي مروا فيه كما أوضح المؤلف من دور "المشرّع" إلى دور "المفسّر". 
فقد بات الصواب والخطأ، الشر والخير، الجميل والقبيح في العمل الثقافي تحدده معايير مغايرة، وهو ما أدخل على المثقف التقليدي اضطرابا. لذلك نجد "الـمثقف الجاهز"، صنيع الآلة الجديدة للثقافة، قادرا على عرض خطابات جميلة لكنها خاوية. مع أنها متكونة من كلمات صعبة وأحيانا فضفاضة يحاول أن يحيط بها بكل شيء ويتناول بها كل شيء وهو جالس في أريحية على أريكة أثيرة أمام كاميرا التلفزيون. إذ يكفي اليوم سحر الخطابة الجوفاء ليكسب المثقف سلطة وليغدو مستشارا وخبيرا ومحللا ومرجعا. فالمثقف الناجح هو المثقف الحاضر في الإعلام والذي ينطّ من قناة تلفزيونية إلى أخرى، ويحسن التأقلم مع الأيديولوجيا السائدة. وهو المدرك أن الكلمة أفضل من الفكرة، وأن موالاة الرأي العام مبجل على التمسك بالأفكار، وأن الشكل أهم من المضمون (ص: 104).
في القسم الثاني من الكتاب وهو ترجمة لنص لألفين وارد غولدنر، يعدّ الباحث أنطونيللي صاحبَه رائدا في طرح رؤية مستقبلية للثقافة والمثقف. نلحظ فيه تناغما مع ما يرد في القسم الأول. ففي تحليل غولدنر للوضع الثقافي إقرارٌ بتواجد ما يسمّيه "الطبقة الجديدة"، وهي عبارة عن بورجوازية ثقافية متشكلة من رجال المعرفة ورجال التقنية الحرفيين. وقد وجدت هذه الطبقة في التطورات العلمية والتقنية شروطها المادية للتطور والظهور، وهذا ما دفع لسيطرة البورجوازية الثقافية على الرأسمال الثقافي. حيث تسعى الطبقة الجديدة إلى بناء عالمها الاجتماعي الذي تتصور أنه الأكثر عدلا والأكثر انتظاما والأكثر عقلانية (ص: 120). معتبرا غولدنر أن الخطاب البراغماتي هو أحد العناصر التي يقوم عليها بناء الطبقة الجديدة التي تتفاعل فيما بينها بموجب التقارب الرؤيوي. وهذه الطبقة الجديدة، وفق رأيه، بدت جلية منذ فترة في الولايات المتحدة. فما كانت النقابات ولا الصحافة ولا رجال الأعمال من أججوا المعارضة البارزة للانسحاب من فيتنام، بل معاقل المثقفين المتمثلة في الجامعات الأمريكية. والتي شكلت فيها قضايا الحرية الأكاديمية، وحماية حقوق الإنسان، والمطالبة بحضور عملي للثقافة ميدانَ المعركة الأهم بين الطبقة الجديدة وعناصر الطبقة المسيطرة القديمة. فالطبقة الجديدة لا تبحث عن الصراع لأجل الصراع ولكن تسعى لوضع مصالحها المادية والفكرية في مأمن، وإحدى استراتيجيات الطبقة الجديدة هو بناء تحالفات مع مختلف العاملين في حقلي العمل اليدوي والذهني. وإن تكن الطبقة الجديدة، وفق غولدنر، ربيبة الطبقة القديمة فهي بصدد انتزاع دوْر ضمن صراع يشبه الحرب الأهلية داخل الطبقات العليا.
فالطبقة الجديدة تدرك كيف توظفُ الإرثَ الأيديولوجي لغرض دفع الفعل الثقافي قُدما، وليس الارتهان عند المقولات المسيَّسة لتغدو سندات عقدية دغمائية. وهذه الحيوية التي تملكها الطبقة الجديدة في التطور والتقدم، يغدو فيها المنتوج المعرفي السابق سندا لتدشين مسارات جديدة دون رفض أعمى أو تبني عقدي. وفي هذا السياق يلوح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ابن الإرث اليساري الممثل البارز لهذا التوجه الجديد من خلال توظيف ميراث الإيديولوجيا، بعد مراجعته، واستدعاء تلك الأنماط بشكل معاصر، وتنزيلها منزلتها الصائبة، على غرار الإرث الماركسي، لأجل صناعة فكر حرّ.
الكتاب بقسميه استشراف لمصائر المثقف في زمن مشوب بتحولات عميقة. جاء حافلا بتوصيف الصورة الجديدة التي تنتظر المثقف، غير أنه خلا من بيان "رسالة" المثقف الجديد المنضوي ضمن هذه الطبقة الثقافية الجديدة. فقد بقيت المتابعة السوسيولوجية في حدود التأملات النظرية دون تقديم استشراف حاسم أو توقعات ثابتة.
الكتاب: مستقبل المثقّفين.
إعداد: فرانشيسكو أنطونيللي.
الناشر: ميمزيس (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.
 

بتاريخ الأربعاء 27 فبراير 2019 - 00:53:36 / عدد التعليقات :
LAN_GOPAGE 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10  LAN_NP_LAST