آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'فكر و ادب'

قالت وسائل اعلام موريتانية  ان المحكمة العليا الموريتانية قررت يومه الثلاثاء 31 يناير نقض قرار محكمة الاستئناف القاضي بالحكم على الكاتب  ولد امخيطر  بالاعدام بتهمة الاساءة لنبي الاسلام محمد وبالتالي احالته على تشكيلة مغايرة للتي حكمت عليه  على خلفية مقال ارسله المتهم لموقع ينايري قبل سنتين والذي انتقد فيه ولد امخيطر  استمرار العبودية في موريتانيا اعتمادا على نصوص دينية تافهة ومسيئة للانسانية ٠ 
وقد تم تهييج الشارع المورتاني  في السنتين الاخيرتين لاهداف سياسية وطالبت مظاهرات  بإعدامه لأنه تجرأ على كشف نظام العبودية الذي مايزال سائدا في المجتمع الموريتاني  بشكل واسع ٠
"ينايري" يعيد نشر مقالته المزلزلة للبيضان  ويتضامن مع ولد امخيطر في محنته التي هي محنة العقل المتقد الناقد  لمجتمع يريد أن  يخطو اولى خطواته نحو مجتمع حداثي وهو لم يتخلص بعد من سلوكات تعود للعصور الحجرية ٠ ولد امخيطر عبر عن موقفه كتابة فواجهوه بالقلم اذا كنتم متيقنين من وجاهة رأيكم  ٠ اما اعدامه فهو حل الجبناء والاستبداديين الذين لاهم لهم سوى تدمير اوطان  بكاملها مقابل ان يحافظوا على كراسيهم ومصالحهم ٠

مقالة محمد الشيخ ولد امخيطير التي جرته لمقصلة الاعدام 

الدين و التدين و "لمعلمين"
 لا علاقة للدين بقضيتكم أيها لمعلمين الكرام فلا أنساب في الدين و لا طبقية و لا "أمعلمين" و لا "بيظان" و هم يحزنون......
 مشكلتكم إن صح ما تقولون يمكن إدراجها فيما يعرف بـ"التدين"..... تلكم أطروحة جديدة و قد وجدت من بين لمعلمين أنفسهم من يدافع عنها....
 حسنا....
 دعونا الآن نعود للدين و التدين حتى نتبين موقع الأنساب و الطبقية من الدين...
 ما هو الفرق بين الدين و التدين...؟
 يقول الدكتور عبد المجيد النجار (إن حقيقة الدين تختلف عن حقيقة التدين ؛ إذ الدين هو ذات التعاليم التي هي شرع إلهي، والتدين هو التشرع بتلك التعاليم ، فهو كسب إنساني. و هذا الفارق في الحقيقة بينهما يفضي إلى فارق في الخصائص، واختلاف في الأحكام بالنسبة لكل منهما)(كتاب الأمة).
 إذن: الدين هو وضع إلهي و التدين كسب بشري.....
 متى كان الدين و متى كان التدين...؟
 مما لا شك فيه أننا إذا قسمنا الفترة الزمنية للإسلام إلى قسمين سنجد:
    - فترة حياة محمد و هي فترة دين
    - ما بعد محمد و هي فترة تدين
 تعالوا بنا لنأخذ بعض المشاهد من عصر الدين:
    الزمان: بعيد معركة بدر 624 ميلادية
    المكان: يثرب
    ماذا حدث ؟
 الأسرى من قريش في قبضة المسلمين، و الحكم قد صدر بمايلي:
 قال المستشار الأول لرسول الله أبو بكر الصديق: "يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا".
 ملاحظة: من هم الكفار إذا هنا في رأي أبي بكر....؟
 ثم كان بعد ذلك قرار أبي بكر هو القرار النهائي مع إضافة عملية التعليم لمن لا يملك المال.
 لكن مهلا.... لقد كانت هنالك حالة استثنائية فقد أرادت زينب بنت رسول الله افتداء زوجها أبي العاص بقلادة لها كانت عند خديجة ، فلما رآها رسول الله رقّ لها رقّةً شديدة ، وقال لأصحابه :( إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فوافقوا على ذلك )، رواه أبو داود .
 برأيكم ما هذا الاستثناء.....؟
    الزمان: 625 ميلادية
    المكان: أحد
    الحدث: قتال بين المسلمين و قريش
 قريش في مواجهة المسلمين انتقاما لبدر و رغبة في القضاء على محمد و أتباعه .هند بنت عتبة تستأجر وحشي لقتل حمزة مقابل حريته و مكافأة مالية تتمثل في حليها.
    هند تصل للهدف و تمثل في جثة حمزة.
 و بعد سنوات عدة و أيام ما يعرف بفتح مكة دخلت هند في الإسلام لتنال اللقب الشهير "عزيزة في الكفر ... عزيزة في الإسلام" أما وحشي فأمره النبي أن يتوارى عن أنظاره عند دخوله الإسلام .
 هند قرشية و وحشي حبشي و إلا فما هو سبب التمييز بينهما و هم في الجرم على الأقل سواء أو إن شئتم الدقة فهند هي المذنب الحقيقي و ما ذنب عبد مأجور.
 دائما و في نفس المعركة – أحد- و لنقارن ما حدث لـ"وحشي" مع دور شخص آخر هو خالد بن الوليد حيث أن هذا الرجل كان السبب الرئيسي في هزيمة المسلمين في "أحد" و قتل عددا من المسلمين و عند دخوله الإسلام أخذ اللقب الشهير "سيف الله المسلول" ، فلماذا لا يتم استقبال وحشي و يأخذ مثلا لقب "حربة الله التي لا تخطئ الهدف".....؟.
    المكان: مكة
    الزمان: 630 ميلادية
    الحدث: فتح مكة
    ما هي النتيحة....؟
 نال أهلُ مكة عفوًا عامًّا رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول محمدٍ ودعوته، ومع قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول محمد فيهم، فقال: «ما تظنون أني فاعل بكم؟»، فقالوا: «خيرًا أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ»، فقال: «لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ» و عبارة "اذهبوا فأنتم الطلقاء" وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي، وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها، وعدم فرض الخراج عليها، فلم تُعامل مكة كما عوملت المناطق الأخرى.
    المكان: حصون بني قريظة
    الزمان: 627 ميلادية
    الحدث: إبادة بني قريظة
 السبب : 1- تآمر رجالات من بني قريظة ضد المسلمين في حصار الخندق _ هم القادة فقط إن عممنا مع العلم أن هنالك آية تقول : " و لا تزر وازرة وزر أخرى...."-
    2- وقد ثبت أن النبي قال لليهود وهو مشرف على حصون بني قريظة وقد حاصرهم :" يا إخوة القردة والخنازير و عبدة الطواغيت أتشتمونني ؟ قال فجعلوا يحلفون بالتوراة التي أنزلت على موسى : ما فعلنا ويقولون يا أبا القاسم ما كنت جهولا ثم قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرماة من أصحابه . 
 وقد ناداهم بذلك لشتمهم إيَّاه. (الطبري(2/252) تحقيق الشيخ أحمد شاكر، وذكره ابن كثير بتحقيق الوادعي:(1/207)
    أريد هنا قبل أن أواصل أن أشير إلى أننا في سياق الحديث عن النبي فنحن نتحدث عن ما يمكن تسميته "العقل الشامل" بدليل أنه لا ينطق عن الهوى.
 و نعود للمقارنة بين الحالتين – مكة و بني قريظة-:
  بنو قريظة هموا بالتمالؤ – و الأمر لم يحدث - مع قريش من أجل القضاء على محمد و دعوته. فتم العفو العام عن قريش و نفذ الإعدام في بني قريظة سيان من هم بنقض العهد أو من لم يهم بذلك فقد تم الحكم على بني قريظة، فقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، فكان يكشف عن مؤتزر المراهقين فمن أنبت منهم قتل، ومن لم ينبت جعل في الذراري، الراوي: - المحدث: ابن الملقن - المصدر: البدر المنير - لصفحة أو الرقم: 6/670 خلاصة حكم المحدث: صحيح مشهور.
 وهذا غلام ويُدعى عطية القرظي، لم يُقتل لأن المسلمين كشفوا عن عورته و لم يجدوا شعراً (دليل البلوغ) فنجا من السيف المحمدي.
 عن عطية القرظي، قال: كنت من سبي قريظة، عرضنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا ينظرون؛ فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكشفوا عانتي، فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي. الراوي: عطية القرظي المحدث: الألباني - المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - لصفحة أو الرقم: 3901 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.
 قريش واجهت المسلمين في أكثر من معركة و حاصرتهم حصارا شديدا في الخندق و في بدايات الدعوة انتدبت أربعين شابا لقتل محمد ليلة الهجرة و قبل الهجرة و في مكة قتلوا و عذبوا المسلمين أشد تعذيب و في فتح مكة وجدوا أمامهم أخا كريما و ابن أخ كريم فقال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء.
 بني قريظة فقط هموا بالتحالف مع المشركين فكان جزاءهم القتل الجماعي.
    أين راحت الرحمة.....
    أم أن للأخوة و "أَتْبَنْعِيمَه" دورها في "العقل الشامل/المطلق".
 و كخلاصة:
  إذا كان مفهوم " بنو العم والعشيرة والإخوان" يجعل ابا بكر يحجم عن قتل المشركين و علاقة الأبوة بين زينب و الرسول تمنحها إطلاق سراح زوجها مجانا ، و الانتماء القرشي يعطي ألقاب البطولات للقرشيين و يمنعها عن الحبشيين.
و الأخوة و علاقة الدم و القربى تمنح حق الرحمة لقريش في الفتح و تحرم بني قريظة من ذلك الحق.
 و كل هذه الأمور تتم في عصر الدين فما بالك بعصر التدين.
 إخوتي
 أريد فقط أن أصل معكم – و أخاطب لمعلمين أساسا – أن محاولة التفريق بين روح الدين و واقع التدين هي محاولات "طيبة لكنها لا تنافس" فالحقائق لا يمكن طمسها، و هذا الشبل/البيظاني من ذاك الأسد...
 و أن الذي يعاني يجب أن يكون صريحا مع ذاته في سبب معاناته مهما كان السبب، إذا كان الدين يلعب دورا فلنقلها بأعلى صوت: يلعب الدين و رجال الدين و كتب الدين أدوارهم في كل القضايا الاجتماعية من: قضايا لحراطين و لمعلمين و إيكاون الذين لا زالوا صامتين رغم أن الدين يقر بأن مأكلهم حرام و مشربهم حرام و عملهم حرام....... 
    
محمد الشيخ بن محمد ولد امخيطير موريطانيا

بتاريخ الأربعاء 01 فبراير 2017 - 01:44:50 / عدد التعليقات :

في نهاية الملحمة البابلية القديمة، فضّل جلجامش أخيراً أن يتقبّل قدره المحتوم، أنّه كائن فان. خلاصة صاغها الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر في عبارة شهيرة له تقول:«الإنسان كائن من أجل الفناء». لعله ابتغى بتلك الصياغة إسقاط «الحق في الخلود» نهائياً طالما أن الكينونة لا تتشكّل إلاّ انطلاقاً من وعيها بفنائها. غير أنّه فتح الباب أمام سؤال آخر، لربّما آن أوان طرحه: ما مآل الكينونة في ظل الخلود؟ لنكن صرحاء، لم تعد فرضيّة الخلود مجرّد فكرة مِن نسج سينما الخيال العلمي، لم تعد مجرّد وهم خرافيّ خارج أفق الاشتغال العلمي، بل أصبحت هدفاً علمياً قريب المنال، على مرمى مئة عام أو يزيد عنها قليلًا. بَعد ذلك، سنشرع على الأرجح في الخروج من عصر الإنسان، هذا الكائن الذي يواجه المرض والشيخوخة والألم والموت، والدخول من ثمة إلى شيء آخر، يسميه البعض منذ الآن بإنسان ما بعد الإنسان (transhumanisme). لا يتعلق الأمر بمجرّد فرضية نظرية أو افتراضية، لكن الأمر متعلق بمشروع علمي جبار يثير أقسى المخاوف ويبعث أقصى الآمال، يعتبره فرانسيس فوكوياما بمثابة الفكرة الأشد خطراً وضرراً على مستقبل الإنسان، ويعتبره لوك فيري أملاً عظيماً للوجود الإنساني، ويعتبره بتير سلوتردايك مغامرة مفتوحة يجب خوضها في كل أحوالها من دون أحكام قيمة. عموماً نحن أمام بوادر ثورة وراثية قد تغير من طبيعة النوع البشري بصفة جذرية.
بدأت الخطوة الأولى من هذه المغامرة يوم 18 سبتمبر 2013 في إحدى بلدات كاليفورنيا، حيث تم إطلاق «مشروع كاليكو»Calico Project الذي تشرف عليه الشركة العملاقة «غوغل» نفسها، ويهدف إلى توجيه دينامية الهندسة الوراثية، وتقنيات النانو، ومهارات البرمجة العصبية، ومعطيات علوم الأعصاب، نحو إطالة عمر الإنسان بنحو خارق، نحو 500 عام وفق بعض التقديرات، وربّما ألف عام وفق تقديرات أكثر تفاؤلاً، مع القضاء جينياً على القابلية الوراثية للأمراض جميعها، وضمنها الشيخوخة التي بات يُنظر إليها بدورها كمرض وراثي قابل للعلاج الوراثي، وليست قدراً حتمياً كما كان الاعتقاد. بل يؤكد بعض المسؤولين على المشروع بأن الإنسان الذي سيعيش ألف عام سيولد في غضون السنوات القليلة القادمة، إن لم يكن قد وُلد منذ الآن. بالطبع يبقى مجال الارتياب هنا واسعاً وكبيراً، وقد لا تظهر النتائج الأولية قبل عقود من الآن، لكن المؤكد، أن عمر الإنسان إذا بلغ عتبة ألف عام، فمعنى ذلك أن الإنسان يتّجه بخطى حثيثة نحو العمر الأبدي.
 
 الحقيقة الأخرى، أو الوجه الآخر لنفس الحقيقة، أن لكل إنجاز كبير كلفة كبيرة. هنا بالذات، قد يكون عدم حساب الكلفة أو عدم الاكتراث بها، كارثياً بكل المقاييس. الواقع أننا نوجد اليوم في لحظة هي الأكثر حرجاً وارتياباً، إننا فوق حبل منصوب على الهاوية كما جاء في «الإنجيل الخامس» -وهو المصطلح الذي أطلقه سلوتردايك على كتاب «هكذا تكلم زارادشت»- الإنسان جسر وليس نهاية، وفق نبوءة نيتشه. في كل تردّد خطر، في كل توقف خطر، في كل تراجع خطر، ولا خيار لنا لتفادي السقوط سوى المضي قدماً. ذلك هو رهان نيتشه لتخطي مرض العدمية المفضي إلى الانحطاط والسقوط. ما يعني أن النوع الإنساني يجب عليه أن يتخطى نفسه بنفسه، لكن نحو ماذا؟ نحو الإنسان المتفوق (superman) بلغة نيتشه، ونحو إنسان ما بعد الإنسان (transhumanisme) بلغة تيار ثقافي معاصر بات يحمل نفس الاسم. لكن، هل كان رهان نيتشه أن الإنسان المتفوق سيحقق الخلود؟ هل كان نيتشه يراهن على العيش بحيوية وعنفوان خارج هشاشة الوجود العرضي؟ بلا شك، تبقى أسئلة كلفة الوجود الأبدي كثيرة ومبرّرة، بعضها يتعلق بملاحظات هابرماس عن أن التفاوت الاجتماعي قد يصير تفاوتاً في قدرات الناس على تحسين نسلهم، ما يعني أن التفاوت الطبقي قد يصبح تفاوتاً بيولوجياً، وقد ينتهي إنسان ما بعد الإنسان إلى تشكل أنواع بشرية متنوعة بدل نوع بشري واحد، تماماً مثلما جرى لعالم الكلاب. مخاوف مبررة بالفعل. غير أني أعتقد بأن أهم أسئلة الكلفة تتعلق بمصائر الوعي ذاته؟ هل ستستمرّ قدرة الكائن الإنساني على الوعي بذاته في حال خلود الذات؟ أليس الوعي بالذات في جوهره وعي تراجيدي بما يعتري الذات من عرضية ونقص وعوز وفناء؟ أليست الكينونة نقص كما يقال (manque d›être)؟ على أن تركيزي على مآلات الوعي لا يعني استصغار سائر المخاطر الأخرى، وعلى رأسها خطر التفاوت البيولوجي بين البشر، وإنما يعني بالأحرى الحفاظ على قدرة الوعي على استحضار تلك المخاطر كلها. ففي غياب الوعي، في غياب الوعي بالذات أساساً، لا يمكن أن يكون ثمة وعي بأسئلة المصير والمآل.
حدس الزمان
كيف ستكون الكينونة في ظل ديمومة لا تبلى ولا تفنى؟ كيف يصير الوعي بالذات حين يغدو حضور الذات مطلقا وبلا نهاية؟ وهل ثمة من فرصة للوعي بالكينونة حين لا تكون الكينونة معرّضة للفناء والاختفاء والانطفاء؟
على الأرجح، في غياب الموت قد يفقد الإنسان حدس الزمان، قد يغدو الشخص كائناً بلا حنين ولا تطلّع ولا آمال ولا أحلام، قد لا يغادر الواحد فراش النوم إلا بعد ألف ليلة من التثاؤب والتثاقل طالما كل الأعمال قابلة للتأجيل إلى ما لا نهاية، بدءاً من مواعيد العشق وانتهاء بمواعيد العمل والإبداع. في عالم الأبدية كل ما يمكننا فِعله يمكننا تركه بلا فرق كبير في النتيجة، وكل ما نتركه الآن يمكننا أن نستأنفه في وقت لاحق، في زمن لاحق، في عصر لاحق، في أبدية لاحقة، فلا سقف للزمان، لا حدّ أقصى للإمكان، لا جدول أعمال للأعمال، لا ترتيبات، لا أولويات، لا استحقاقات، فإن العمر هو نفس العمر دائماً وأبداً، وفي حساب اللانهايات لا فرق بين الأرقام، وإن القدَر المرسوم هو نفس القدر الذي لا يتغيّر، أو بالأحرى لا فرق بين أن يتغير أو لا يتغيّر، ففي حساب المستقبل الذي لا ينتهي لا فرق بين ما يأتي الآن وما يأتي بعد ألف ألف عام. وهكذا، قد يمضي على الخالدين زمن طويل من العيش بلا مغامرات، بلا خيبات، بلا فقد للأحبة، بلا رسائل وداع، بلا مقاومة لزحف النهاية على بقايا العمر، بلا مرض أو ألم، بلا حسرة أو أمل، وفي الأخير قد يخفت وعي الإنسان بذاته، وتدخل الكينونة في غسق مخيف. هكذا تبدو حسابات الوعي هي الكلفة الأكثر جدية. فهل تراها دعوة إلى التشاؤم؟
المعركة ضدّ الموت هي التي صنعت الإنسان. المعركة ضدّ الموت هي التي صنعت الحضارة والعلوم والإبداع. أما الانتصار النهائي على الموت فقد يعني نهاية المعركة. هذا مقلق بكل المقاييس. لكن، لربما علينا أن نرفع سقف الوعي بنحو يفوق قدراتنا ككائنات فانية، حتى نرى آمالًا باقية في استمرار المواجهة مع الموت إلى ما لا نهاية: بعد حين من الدهر سيكون على الإنسان أن يغادر الأرض قبل موتها. ثم سيكون عليه أن يغادر المجموعة الشمسية قبل موتها.. وبعد ذلك بزمن طويل عندنا لكنه لا شيء عند الخالدين، سيكون عليه أن يخوض معركة الإفلات من الموت الحراري للكون.. ثم يا للهول! فإن وعيي الذي سيذوق الفناء لا محالة لا يتحمّل كل هذا الامتداد من التأمل المريب. أتوقف. بل أعود فوراً إلى حيث أنا الآن. ماذا سأفعل؟ سأرتشف الجرعة الباقية من فنجان قهوتي. سأرتشفها بمتعة المذاق الأخير.
عندما عاد جلجامش إلى مدينة أوروك بعد أن فقد أمل الخلود، تراءت له المدينة بَاسمةً جميلة. بدأ يمعن النظر في أسوارها، يتفحص أحجارها، ويراقب أدق تفاصيلها. لقد أدرك بأنه كائن فان. أواه، لعل الفانين يستمتعون بالجمال أكثر، يعشقون أكثر، يبدعون أكثر، يغنّون أكثر، يرقصون أكثر، يتوجعون أكثر، ينتظرون أكثر، يحلمون أكثر. لعل الفانين يعيشون الكينونة بكثافة وعنفوان. والسؤال الآن، إذا ما «مات الموت» هل ستختفي الكينونة أم أنها ستشهد مآلات يصعب تصورها الآن؟ مهما كان قدرنا فلا شيء أهم من أن نواصل قدرتنا على التفكير. تلك هي وظيفة الفلسفة. وستبقى بدورها وظيفة ابدية.

بتاريخ الخميس 05 يناير 2017 - 19:56:37 / عدد التعليقات :

 
اتسعت عيناها فجأة لما حان دورها  في الكلام  خلال جلسة أصحاب وقالت :
 ما أذكره عن عيد الأضحى وأنا طفلة، ترسخ في ذاكرتي البعيدة ولم يغادرها أبدا، من خلال  متابعة عملية نحرالخروف السيء الحظ ، أنه يتعين على المسلمين كمعنيين بالذبح في نفس اليوم من كل سنة،أن يتحلوا بصفات المؤمن الرؤوف أثناء قطع شريان الخروف رأفة به كذكراسم الله ونزع الجلباب الأبيض الخاص بصلاة العيد كي لا تلطخه بقع الدم المتناثرمن رقبة الأضحية.
كان اقتناءالأضحية عبئا ثقيلا إضافيا على كاهل الوالد،المعيل الوحيد لأسرة تتكون من عدة أفراد،
ذلك أيضا أمريتعذر نسيانه .                                                                          
في كل عيد أضحى، بسبب طقوس الذبح و السلخ و ما يواكبه من روائح  قوية و أعمدة دخان متصاعدة كأن حريقا شب في  بيتنا أو في بيت أحد الجيران ، بينما نساء الحي و بعض شبابه ينكلون في انتشاء برأس و أرجل الخرفان ،عندما كبرت،صرت أغلق علي باب غرفتي صبيحة العيد و لا أغادرها إلا في المساء و قد هدأت الدماء السائلة من روع الناس الذين يصابون  بما يشبه الهذيان، من ازدحام في الأسواق و محاولات التسلل أمام الدكاكين لاختراق الصف غيرمبالين بضرورة احترام الدور،لاقتناء ما تيسر من المواد الغذائية  و الفحم على رأس المشتريات ،  مرورا بشراء ملابس جديدة بغض النظرعن نوعيتها أو قيمتها أو حتى درجة الحاجة إليها.                
 عيد المولد هو أيضا من المناسبات التي كانت تدعو الطفلة  للتأمل في الحركة غيرالعادية من حولها، فقد كانت تسود في الحي على غرارالأحياء المجاورة المتشابهة ، أجواء يصعب على طفل استيعابها.
يبدأ العمل الشاق في البيت بعد الظهيرة ،تتجند له نساء الدار،غسل وغسيل، عجين ، فرن،توابل،
وغيره من مستلزمات بعض الأطباق الشهية المتواضعة إلا أنها مناسباتية كونها تتطلب ميزانية 
ليست في المتناول في أي وقت و مجهودا إضافيا.
يستيقظ أطفال الحي كل يوم عيد المولد في الصباح الباكر على هرج الكبار، يوم يختلف عن أيام المدرسة في كل شيء ،مائدة تمنح اختيارات للإفطار على غير العادة،تبادل القبل بين أفراد الأسرة  لمباركة العيد ثم تمتلئ  الأزقة بالناس في الساعات الأولى من الصباح، يبدأ برنامج صغارالحي العفوي دون تأطير من أحد، يتفق الجميع على الالتحاق بموقع أشهر ضريح في المدينة ، ذاع صيته في البلد لما يعرفه في عيد المولد من احتفالية فوق العادة.   
 ازدحام في كل أنحاء المدينة ،حشود تمشي في نفس الاتجاه قاصدة الضريح الذي يحتضن الجذبة و الحضرة و جلد  الأجساد من طرف أشخاص كان يسمون حمادشة ، تسيل دماؤهم في تخشع ، وشرب مياه مغلية و مشي فوق مسامير،  حلقة هنا  لترويض الثعابين و أخرى هناك  في وسطها رجل واقف و امرة جالسة  وقد غطى وجهها قطعة قماش كي لا ترى ، بعد أن يقوم بجولة على المتفرجين لجمع الدراهم،يطلب منها وصف لباس أشخاص تفصلها عنهم مسافة كبيرة ، مدعية أنها تعلم الغيب لأنها حسب تعبير الرجل الذي  يساعدها تتمتع بالبركة لامتلاكها قوة خارقة.
عجبا للطفلة ، فقد كانت تراقب و تتأمل كل شيء بعين ثاقبة ،خزنت الكثير من الصور في ذاكرتها، لم تضيعها في رحلتها الطويلة، وكأنها جمعتها في محفظة تحملها على ظهرها،
وظلت تسرح بها في دروب الحياة المتشعبة دون أن تفرط فيها . 
فضاء متنوع يغلي غليانا لا يكفي اليوم بطوله لاستكشاف أسراره ، شعوذة، قارئات الورق ،أنغام مختلفة (جيلالة، عيساوة،احمادشة،كناوة،مرتلون ، أرجوحات للأطفال يشاركهم فيها بعض الكبار...)
أطفال الأحياء القريبة من الضريح، حيث مكان " الفرجة الشعبية " ،كانوا أول من يحضر و آخر من يغادر لوحدهم  لأن أفراد أسرهم عادوا إلى بيوتهم بعدما نال منهم التعب الشديد.
لاشيء كان ينغص عليهم فرحتهم بأجواء العيد وما تحمله من كسر للروتين على كل الأصعدة بما في ذلك معدتهم.
على مدى سنوات طويلة ،لا أحد و لو مرة واحدة حاول أن ينتزع الأمان الذي كان  يتمتع به الأطفال وهم خارج حماية الأسرة في ساحة الضريح دون مرافق من الأهل.
كانت الطفلة تبقى حتى وقت الغروب في الموقع لأن المشرفين على المراجيح ألفوا وجودها فصاروا يسمحون لها بالتأرجح دون أداء .                                               
في ركن من ساحة الضريح ،بالقرب من باب المقبرة الرئيسية للمدينة ، توجد طاولة كتلك التي يعرض عليها بائع متجول سلعته،  يقف خلفها رجل يصرخ بأعلى صوته : اربح، اربح، اربح... 
تتلخص العملية في أداء درهم لصاحب الطاولة  المملوءة برزم من ورق الجرائد القديمة و اختيار
 رزمة يتم  فتحها من طرفه  لمعرفة إذا كانت  تحتوي على عشر دراهم ليفوز بها المشارك.
أنتبهت الطفلة أن شيئا غيرعادي يحدث،إذ لاحظت  أن مساعديه  يقومون  بنفس العملية ويربحون ولم يكن يربح أحد غيرهم ، فقد كان  الغرباء يخسرون و يغادرون ويستمر نفس الأشخاص في الربح، يغادر الشخص الرابح لبعض الوقت ثم يعود بعد انصراف الخاسرين ويرد النقود التي ربحها خفية لصاحب الطاولة .
كانت عملية معقدة بالنسبة لعمر الطفلة لكنها مسلية ،فهي تشبه مسألة حسابية  توصلت إلى حلها، شخص يشرف على العملية، نفس  الأشخاص يربحون، يراقبون عن بعد، حين يرون الوجوه تغيرت بعد انصراف الذين لعبوا فعلا و خسروا ، يعيدون النقود للمشرف على اللعبة ، لتبدأ العملية من جديد إلى أن تغيب الشمس .
لم يكن أحد يهتم  لوجود طفلة صغيرة في مكان لا يناسب سنها ، تستمتع بخسارة وهمية و ربح مزيف ، و ما يدعو للاستغراب، هو قدرتها على كتم مشاعرها و تحليها بتلك القدرة الخارقة على عدم لفت أي انتباه ربما خوفا من شيء تجهله أوحرصاعلى متعة اكتشاف سر لعبة خاصة بالكبار 
 أوقد يكون  تحكمها في التعبيرعن انفعالاتها ببراءة هو السبب وراء السماح لها بالمكوث بينهم وهم يمارسون لعبة معقدة،تذكر أنهم كلهم كانوا ذكورا .

بتاريخ الخميس 08 ديسمبر 2016 - 03:12:36 / عدد التعليقات :