آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'رأي في حدث'

منذ الستينات،المصطفى الوالي السيد و مجموعة من شباب الصحراء يجوبون الرباط و غيرها من البلدان للحصول على دعم لتحرير الصحراء من الاستعمار الاسباني ولا أحد تسوق لهم.
طردوهم من جميع مقرات الاحزاب المغربية.
عادوا إلى طانطان التي هي في نطاق الأراضي المغربية،وحاولوا إقناع شيوخ القبائل ولكنهم لم يكثرتوا لهم،خصوصا أنهم شباب في العشرينات ذوو شعر طويل وملابس غريبة.
نظم هؤلاء الشباب تحركات كثيرة وانتفاضة صغيرة قمعها البوليس المغربي بشدة فهربوا إلى فيافي و خلاء الصحراء وهناك ببندقيتين- واحدة لا تعمل- هاجموا مقر حراسة اسباني ،أسروا الجنود و غنموا أسلحة أخرى.
عام 1973 كان هناك لقاء عام جمع كثيرا من الشباب و الناشطين الصحراووين المنفيين،وأعلنوا تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، البوليساريو اختصارا.
حاولوا مجددا طلب الدعم من المغرب وموريتانيا ولكن والو،دعمتهم الجزائر و ليبيا و مصر بشكل محدود، و استمروا في شن هجمات على الاسبانيين
عام 1974،اشتد مرض فرانكو و عرف الجميع أنه سيموت،أركان النظام الاسباني كانوا يستعدون لإعادة الملكية و تنصيب الأمير خوان كارلوس و التخلص من المستعمرات ومشاكلها.
لم ترد اسبانيا أن تسلم الصحراء لشباب البوليساريو ذووا الاتجاه الاشتراكي،فصنعت نخبتها من مرتزقة الأعيان،منهم خلي هنا ولد الرشيد ذي الجنسية الاسبانية و الذي أسس الحزب الوطني الصحراوي، و الشيخ الجماني عضو البرلمان الاسباني.
هذه النخبة فشلت في ضمان أنها قد تسيطر على الوضع في حالة تسليمها مقاليد الأمور خاصة أن اسبانيا تريد أن تبقي على مصالحها منها الصيد البحري و استغلال الفوسفاط،يعرفون أن البوليساريو ستطرد الجميع لأنها قوية بشعبيتها و سلاحها و شبابها الشجاع الذي يجوب الصحراء في لاندروفيرات.
وهكذا عقد اجتماع في مدريد بين موريتانيا و المغرب و اسبانيا عام 1974 تمخضت عنه ما سمي بالاتفاقية الثلاثية التي تنص على ان يسيطر المغرب على منطقة الساقية الحمراء- العيون و السمارة- و أن تسيطر موريتانيا على وادي الذهب الذي يشمل الداخلة و أوسرد.
دخلت موريتانيا منطقتها بدون مشاكل ولا صداع رأس. في حين أن الحسن الثاني أراد أن يصنع حدثا إعلاميا يضرب به عدة عصافير:
- أن يلهي الجيش بإرساله إلى الصحراء و يتهنى من انقلاباته المتكررة
- أن يسكت الشعب المغربي المقهور و يقدم له وعود فارغة من بينها أن الصحراء عامرة بالذهب و الخيرات وهي أرض فارغة يمكن للجميع أن يسكن فيها بالمجان.
-أن يصنع مجده الشخصي: كموحد البلاد و طارد الاستعمار ...
-أن يشتت المعارضة الحزبية حين تختلف على قضية الصحراء.
وهكذا استشار المحكمة الدولية بلاهاي لكي يؤكد سيادته على الصحراء ولكنها حكمت بعدم وجود روابط سيادة بل بروابط "روحية" فقط في تاريخ قديم ورغم ذلك قدم الحكم على أنه انتصار،ونظمت " المسيرة الخضراء" في تقليد رديء للمسيرة الحمراء لماو تسي تونغ.
حمل الفقراء في شاحنات إلى حدود طرفاية و تم إرجاعهم لكي يستكمل الجيش و الدرك المهمة:الفتح المخزني.
مثل الريف عام 1958،يقوم الفتح المخزني على بث الرعب بالقمع الشديد.وهكذا فوجيء شباب البوليساريو باَلاف الصحراوين يهربون من الجحيم نحو مخيمات لاجئين تم تنظيمها على عجل،وتقوت البوليساريو عدديا،وتناسلت الحكايات عن الذين تم رميهم من الطائرات و الذين دفنوا بمعتقل أكدز و الخيام التي تم حرقها بالنابالم الذي أهدته أمريكا إلى المغرب بعد أن شاط لها في حرب الفيتنام.
في حين جمع المغرب الصحراووين الرحل و تم إسكانهم بالقوة في مدن و قرى، ودمج نخبة الصحراء الاسبانية سابقا و الشيوخ في هياكل الدولة،بايعوا الملك و قبلوا يديه وهي إهانة كبيرة في نظر الصحراووين: الكثيرون حملوا السلاح فقط لأنهم رأوا شيوخا يركعون للحسن الثاني.
بطبيعة الحال لم تسكت البوليساريو فأعلنت الجمهورية وحاربت موريتانيا و حاصرت نواكشوط وقصفت القصر الرئاسي حتى انسحبت من وادي الذهب عام 1979،فسارع المغرب إلى السيطرة عليها وسمى الأمر " استرجاع وادي الذهب".
توفي الزعيم الكاريزمي مصطفى الوالي عن عمر 28 عاما،حين قصفته الطائرات الفرنسية و سيطر على الجبهة تيار "وطني" تابع للجزائر حسم مع التوجهات التحررية و الاشتراكية.
استمرت الحرب مع المغرب حتى 1991 حين تم وقف إطلاق النار والاتفاق على تنظيم استفتاء،لكن المغرب أرسل مغاربة من ذوي أصول صحراوية قديمة - كقبيلة السراغنة- إلى الصحراء و أصر على أن يشاركوا وهو ما رفضته البوليساريو التي أصبحت تسيطر على نسبة من الصحراء.
البوليساريو تصر على أن من يحق له المشاركة في الاستفتاء هم الصحروايون الذين شملهم إحصاء 1975 و أبناؤهم.
طيلة فترة السلم،خسر المغرب ولاء القبائل التقليدي التي كانت معه و تحول شبابها كليا إلى مناصرة الانفصال في حين أصبحت جبهة البوليساريو تنظيما بيروقراطيا متضخما تحت وصاية الجزائر يبحث فقط عن قطعة أرض،تماما مثل ما حدث مع حركة فتح الفلسطينية،أجهزة كثيرة و لا أرض،و أصبحت بالتالي مستعدة لأي شيء مقابل منطقة تمارس فيها سلطتها.
الاَن،رغم الشعارات الوطنية يستعد المغرب إلى التخلص من" المشكل" ولكن بعد أن يضمن بعض المصالح الاقتصادية،المفاوضات مستمرة و الاختلاف يوجد فقط على مستوى بعض التفاصيل التقنية البسيطة.

قاليك " فرحي يا أرض بلادي، الصحراء صبحت حرة هاها".
عن صفحة الدغبوش

الصورة لأحد مؤسسي البوليزاريو مصطفى الوالي

بتاريخ الأربعاء 06 نوفمبر 2013 - 15:53:24 / عدد التعليقات :

محمد حرفي
أول عهدي بلقاء المهدي شخصيا كان عام 1951 حين كنت أتابع دراستي في جامعة القرويين، وذلك بمنزل الوطني الغيور السيد محمد مكوار بحي البطحاء كنا مجموعة من الطلبة قد استدعينا لحضور اجتماع نلتقي فيه بشخصية من قيادة حزب الاستقلال لم يكشف لنا عن اسمه إلا بعد أن قدمه أحد مسؤولي فرع الحزب ليتحدث إلينا.. والحقيقة أن ما بقي عالقا في ذهني من كل ما جرى في هذا الاجتماع، هو اختلاف صورة المهدي عن تلك التي كنت أتخيلها عندما أخبرت بأن قائدا من الحزب سيحضر الاجتماع، ذلك أني تخيلته شخصا بدينا طويل على الأقل مثل قادة الحزب المحليين الذين كنت أشاهدهم في بعض المناسبات التي كان ينظمها فرع وجدة… وإذا بي أفاجأ أنني بحضرة شخص لم يكن يتمز عن أصغرنا من حيث البنية علما بأن عمر أكبرنا كان إذاك لا يتجاوز 20 عاما، ولازلت أتذكر أن أحد الحاضرين همس في أذني قائلا: »أهذا هو المهدي بنبركة؟(…) ما سأرويه لا يشكل سوى حيزا محدودا زمنا ومكانا وأداء، ولايمثل إلا مقتطفات لاتزال الذاكرة تستحضرها، وإلا فأين هي مما زخرت به حياة المهدي من جليل الأعمال والانجازات وما امتلأت به من حيوية ونضالات.
أول عهدي بلقاء المهدي شخصيا كان عام 1951 حين كنت أتابع دراستي في جامعة القرويين، وذلك بمنزل الوطني الغيور السيد محمد مكوار بحي البطحاء كنا مجموعة من الطلبة قد استدعينا لحضور اجتماع نلتقي فيه بشخصية من قيادة حزب الاستقلال لم يكشف لنا عن اسمه إلا بعد أن قدمه أحد مسؤولي فرع الحزب ليتحدث إلينا.. والحقيقة أن ما بقي عالقا في ذهني من كل ما جرى في هذا الاجتماع، هو اختلاف صورة المهدي عن تلك التي كنت أتخيلها عندما أخبرت بأن قائدا من الحزب سيحضر الاجتماع، ذلك أني تخيلته شخصا بدينا طويل على الأقل مثل قادة الحزب المحليين الذين كنت أشاهدهم في بعض المناسبات التي كان ينظمها فرع وجدة… وإذا بي أفاجأ أنني بحضرة شخص لم يكن يتمز عن أصغرنا من حيث البنية علما بأن عمر أكبرنا كان إذاك لا يتجاوز 20 عاما، ولازلت أتذكر أن أحد الحاضرين همس في أذني قائلا: »أهذا هو المهدي بنبركة؟« ولم يدع لن المهدي الفرصة للحوار إذ شرع في الحديث مبتدئا هكذا: »بسم الله الرحم الرحيم« وبعد ذلك، استرسل في حديث ارتجالي بأسلوب شيق وبلغة عربية دراجة، ما ميزها أنها في متناول كل الحضور الذين كانوا منحدرين من مختلف المناطق المغربية على اختلاف لهجاتهم.
لم أكن أتجاوز الخامسة عشر عاما وهو العمر الذي استعصى علي فيه استيعاب كل القضايا التي تناولها المتحدث، خاصة وقد رتب حديثه وفق منهجية راعى فيها مستويات الحاضرين العمري والدراسي، فقد ضم الاجتماع طلبة من مختلف المستويات الدراسية، من الابتدائي حتى الأقسام النهائية، مما أملى على المهدي تنويع حديثه وتكييفه ليكون تارة في متناول كبارنا وتارة لأوسطنا، وأخرى لأصغرنا سنا ومستوى، وهكذا قضى معنا وقتا لم أقدر مدته لأني لبثت خلاله مشدودا إلى الرجل استمع إليه بكل جوارحي متمنيا ألا تكون لهذه الجلسة نهاية، وهذا مالاحظته بالنسبة للحاضرين الذين كانوا مثلي مشدودين منصتين إليه وكأن على رؤوسهم الطير…
وأذكر أن المهدي تناول في حديثه كثيرا من القضايا ذات الصلة بالحماية الفرنسية للمغرب وبنشاط الوطنيين، وتحركاتهم من أجل فضح ممارسة الفرنسيين المنافية لعقد الحماية داخل المغرب والمحافل الدولية، كما لم يفته التنويه بموقف جامعة الدول العربية في شخص أمينها العام عبد الرحمان عزام باشا الذي كان إسمه يتردد على ألسنة نشطاء الحركة الوطنية في تلك الحقبة. ما أكثر القضايا التي تطرق لها المهدي، ولكن الذي ألح عليه كخلاصة هو حثنا على الدراسة وتحصيل العلم باعتبارنا جيل المستقبل الذي سيساهم في بنا استقلال البلاد. ولازلت أستحضر كم كان مصرا على أن أخطر مواجهة للاستعمار هو تحصيل العلم، وأن أخطر شيء على الوطن أن يستقل والجهل لايزال منتشرا بين أهله.انتهى الاجتماع ونحن أشد توقا ألا ينتهي وأشد اشتياقا للمزيد من حديثه.
كان هذا أول لقائي بالمهدي، وهو مجرد حضور في اجتماع عام ولم أتمكن من الاتصال به أو الحديث إليه مباشرة، ومنذ هذا اللقاء لم تتح لي فرصة اللقاء به ومع ذلك كنت من المعجبين به كقائد مناضل حيوي، لما كنت أسمع عن نشاطه وأقرأه عن آرائه وتوجيهاته عبر وسائل الاعلام وخاصة النشرات.. التي كانت توزع علينا في خلايا الحزب والشبيبة الاستقلالية وما أزال أتذكر ما كان يروج في الأوساط الحزبية عن كون المهدي بنبركة هو محرك الحزب أو دينامو الحزب والأشد حرصا على هياكله، وتطعيمه بعنصر الشباب والمتعلمين بهدفي تطوريه وتجديد أساليب عمله، وكنا نحن الشباب إذاك من أكثر المتحمسين لهذا التوجه، ولطالما كنا نتجادل مع بعض الاعضاء في الحزب وخاصة المسيرين الذين كانوا لا يشاطرون المهدي توجهه رغم أنهم من المعجبين بشخصيته، وفي هذا الاطار كان المهدي يراهن على المجتمع الأهلي «المدني» كرافد من روافد العمل الحزبي.
أشرت إلى أن معرفتي بشخصية المهدي قبيل الاستقلال وبعيده لم تكن إلا عن طريق السماع والقراءة وأن لقائي به لم يحدث إلا مرة واحدة بفاس عام 1951، وهكذا إلى صيف 1958، حين شاركت في دورة تدريبية للمسرح كانت تنظمها إدارة الشبيبة والرياضة كل سنة لفائدة ممثلي مسرح الهواة، وكنت إذاك رئيسا لفرقة النجم الوجدي للمسرح، مما عرفني بالمسرحي محمد الدغمي الذي كان وقتها منسقا للفرق المسرحية التابعة للشبيبة الاستقلالية.
والأمر له صلة بالموضوع، قمت بزيارته في مركز حزب الاستقلال وصادف أن كان المهدي بنبركة على موعد مع مناضلي الحزب لإلقاء محاضرة، حسب ما أذكر كان ذلك مساء يوم من أيام يوليو 1958 كانت القاعة غاصة بالحاضرين وأغلبهم شباب، وما أن قدم المهدي لإلقاء محاضرته حتى وقفنا وأغرقنا القاعة بالتصفيق وترديد شعارات كانت متداولة في ذلك الوقت من مثل: عاش الملك، يحى علال، عاش حزب الاستقلال، ولم يعدنا إلى هدوئنا إلا إشارة صدرت من المهدي بعدها شرع في إلقاء محاضرته مستهلا بالبسملة كعادته (حسب ما أذكر، فما من اجتماع كيفما كان حجمه أو طبيعته أو من حديث أو محاضرة إلا وكانت البسلمة هي ما يبدأ به المهدي) لا أتذكر عنوان المحاضرة ولكن ما علق بذاكرتي هو أنها كانت عن الوضعية العامة بالمغرب.إن الحيز لا يسمح باستعراض المحاور التي تضمنتها المحاضرة… وهي مرتجلة فاستثناء البيانات والبلاغات لم يكن المهدي يعتمد في أحاديثه أو عروضه ومحاضراته على ما هو مكتوب، ومع ذلك وكأنه مكتوب أو أتقن.. وحسب ما وقر في ذهني كانت هذه المحاضرة تشخيصا للحالة التي كانت يجتازها المغرب إذاك بدءا بضعف الأداء الحكومي مرورا بوضعية الحزب وصولا إلى ضرورة تشكيل حكومة منسجمة وبموازاة هذا تحدث عن ضرورة إعادة النظر في وضعية الحزب وإخراجه من الأسلوب التقليدي الذي كان معتمدا إبان عهد الكفاح الوطني وذلك بالاعتماد على عنصر الشباب والمتعلمين بصفة خاصة.
ولما انتهت المحاضرة والمناقشة التي أعقبتها تقدم بعض الحاضرين للسلام على المهدي وتهنئته، وكنت من بينهم برفقة الأخ محمد الدغمي الذي قدمني إليه مخبرا إياه بإسمي وبأنني من وجدة وأنني من أعضاء الشبيبة الاستقلالية ورئيس فرقة مسرحية وبسبب وجودي في الرباط، فما كان من المهدي إلا أن ابتسم وربت على كتفي قائلا: »أيها الوجدي لقد آن الأوان لتضيف لنضالك المسرحي نضالا آخر، حيث ستنزل من الخشبة إلى أرض الواقع، إن الشعب في حاجة إلى الاتصال المباشر لخدمته، سيحتاج الحزب إلى نشطين على أرض الواقع، استعد لما هو أهم من الوقوف على الخشبة« وأردت أن أعقب على كلامه لكنه قاطعني قائلا: »أعلم ماذا تريد أن تقول، لهذا أنصحك بالجمع بين العمل في المسرح، والنضال الحزبي« ثم ودعني… استفسرت الأخ محمد الدغمي عن قصد المهدي فأجابني بأن تحولا ما سيحدث في الحزب.. وأضاف ألم تستوعب ما جاء في محاضرته ورده على المناقشين؟ فقلت: لكن ألا يعرف المهدي أن نشاطي في المسرح وفي الشبيبة الاستقلالية هو جزء من النضال الحزبي؟ أجابني: إن المهدي يفهم ذلك، ولكن الحزب يحتاج إلى مساهمة الشباب لأنه قد شاخ يا سي حرفي، أفهمت؟
كان لمحاضرة المهدي تأثير كبير على نفسي لما حوته من أفكار مستجدة وقضايا كانت تشغل الرأي العام ولاسيما الحزب والشباب على الأخص، من جهة، ولطريقة الاقناع التي سلكها المحاضر من جهة أخر، سواء وهو يحاضر أو وهو يجيب على الأسئلة التي لم تكن تخلو من انتقاد أو استفزاز.
كانت المدة التي قضيتها بالعاصمة، ثم بعدها بالبيضاء سواء بين الأوساط الحزبية أو النقابية كافية لأخذ فكرة عما تحبل به المرحلة بشأن مصير الحزب، كان إسم المهدي بنبركة يتردد على ألسنة كثير من المناضلين الذين التقيت بهم، يتحدثون عن اللجنة المكلفة بالتحضير لعقد مؤتمر الحزب، وعن أثر المحاضرة التي ألقاها بتطوان يوم 31 يوليو 1958 أي بعد أسبوع من إلقاء محاضرته بالرباط، فقد صار المناضلون الحزبيون لا يتحدثون إلا عن تحركات المهدي وجولاته في مختلف مناطق المغرب بهدف إجراء اصلاحات هيكلية وعضوية على حزب الاستقلال ومنظماته الموازية.. ولعلها المرة الأولى التي تم التحدث جهارة في اجتماعات الحزب عن »مجتمع متفتح« وعن رفض »مجتمع رجعي جامد،« وهذا ما جاء على لسان المهدي في محاضرته بتطوان إذ أشار إلى أنه »يجب أن نقضي في عهد الاستقلال على روح الانعزال التي فرضها علينا الاستعمار في الماضي، وأن نؤمن بضرورة «بناء »مجتمع متطور تقدمي متفتح»« للتيارات المغذية، لا مجتمع رجعي جامد (1) هذا ولأول مرة تطرح على بساط النظر قضايا لم تكن تثار من لدن الحزب إلا باحتشام رغم أنها من شروط الخروج من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفكري والتي وأردها المهدي في محاضرته (…).
هذا وقد أتيحت لي فرصة عديدة تمكنت خلالها من الوقوف أكثر وعن قرب، على عبقرية المهدي وذكائه وحنكته ومهارته في قيادة العمل الحزبي، رغم ما انتباه من مصاعب لاسيما في ظرفية اتسمت بالمؤامرات والمناورات ونصب الفخاخ والمكائد، كالتي شهدها المغرب منذ تأسيس الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال 25 يناير 1959) وتحولها إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (6 شتنبر 1959) إلى 29 أكتوبر يوم اغتياله.
إلى حدود أواخر دجنبر 1958 لم يكن يخطر ببال أحد من المنخرطين في حزب الاستقلال أن الأزمة التي كانت يتخبط فيها سياسيا وتنظيميا ستفضي إلى انقسام رغم فشل لجنة تحضير المؤتمر، إلا أن إسناد رئاسة الحكومة لمولاي عبد الله ابراهيم بلغ بالأزمة إلى مداها، حيث ما أن نصبت حتى تصدى لها الجناح الرجعي بالانتقاد، وبدا واضحا للجناح المؤيد لهذه الحكومة الأمل بإنشاء حزب للدفاع عنها والتصدي لهجومات من نعتوا إذاك بالرجعيين وخصوم التقدم وعملاء الاستعمار…
وفي مطلع عام 1959 ألقي المهدي محاضرة بقصر بلدية مدينة وجدة أثارت ضجة في أوساط حزب الاستقلال لما ورد فيها من إشادة بحكومة مولاي عبد الله ابراهيم ونقد شديد للجهات المعارضة لها، وقد استغل بعض الحاضرين ما ورد في حديث المهدي حول أحداث 16 غشت 1953، إذ أشار إلى أن عددا من المناضلين اعتقلوا، وكان بالإمكان أن تستفيد منهم حركة المقاومة وجيش التحرير، ورغم إشارته بأن يوم 16 غشت يعتبر من الأيام المجيدة التي ستبقى مفخرة من مفاخر وجدة والجهة الشرقية بصفة عامة، إلا أن هذا لم يمنع المغرضين من اعتبار مافاه به المهدي إهانة في حق وطنيي مدينة وجدة، وسيتضح فيما بعد أن رأيه هو ما ذهب إليه باحثون في الموضوع، خاصة وأن هذه المدينة وحدها التي قامت بمظاهرة للاحتجاج ضد تنصيب ابن عرفة على عرش البلاد مكان الملك الشرعي محمد الخامس، علاوة على أنها مبادرة محلية لم تقررها اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال.
ومنذ 25 يناير 1959 تاريخ تأسيس الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية 6 شتنبر من نفس العام، أتيحت لي عدة فرص للقاء بالمهدي سواء في إطار الاجتماعات المركزية أو المحلية التي عقدتها الجامعات المتحدة أو الاتحاد الوطني بعدها. ففي هذا الاطار أصبحت لي علاقة شخصية بالمهدي تمكنت بفضلها من الوقوف على ما يتمتع بل يتفرد به من مزايا فكرية وسلوكية، وما يمتاز به من ثاقب رأي وبعد نظر وسرعة بديهة جعلت منذ قائدا يحسب له حسابه لا في وطنه وحسب، بل وفي خارجه أيضا، كان رجل المهمات دون رغبته في أن تسند إليه مهمة، رجل دولة دون تهافته على تبؤ موقع في الدولة. فليكن من شاء أمينا عاما لحزب أو وزيرا أو رئيس حكومة، أما هو فيكفيه أن يشتغل وينظم ويتفقد ويتابع ما اتخذ من قرار، ويذكر من يحتاج إلى تذكير، كثير الحركة والتنقل حتى ليمكن القول: إذا عرف عن الحسن الأول أنه كان لاينزل عن صهوة جواده، فإن المهدي عرف بأنه لاينزل من سيارته إلا للقاء أو اجتماع… كان متحركا ومحركا، متحركا من اجتماع لآخر،ومن منطقة لأخرى ومحركا للمسؤولين في جميع المستويات وكان فاعلا ومفعلا لا يكتفي بالتنظير، بل يجسد النظرية بالممارسة وبقدر ما كان ساهرا على استمرارية ماهو متحرك، أي الجاهز من تنظيمات حزبية وجمعوية كان يعمل على تفعيل ماهو ساكن أي الدفع إلى إنشاء فروع الحزب والجمعيات الموازية في المناطق التي بها فراغ حزبي أو جمعوي. وقد ساعده على ذلك إلمامه الواسع بمناطق البلاد وبعادات أهلها وعقليتهم ومعرفة الشخصيات النافذة المؤثرة فيهم.
وكان رحمه الله مدركا تمام الإدراك وبعد تجربة طويلة في الحقل الحزبي أن أي حزب يعتمد على جماهير عائمة غير مؤطرة مآله التسيب والميوعة ثم الاضمحلال.
وإلى جانت هذه الاهتمامات كان حريصا على توسيع نشاط الحزب والعمل الجمعوي ليغطي كل أرجاء البلاد، وكان علاوة على الاعتماد على مسوؤلي الفروع، كثيرا ما يقوم بزيارات تفقدية إلى فروع الحزب إما بطلب من مسؤوليها أو بمبادرة منه ولا فرق لديه بين القريب منها والنائي. كان هذا ديدنه منذ صار مسؤولا قياديا في حزب الاستقلال وحتى في عهد الحماية. من ذلك ما حدثني به أحد الذين رافقوه في زيارة قام بها إلى بلد فجيج عام 1951، حدثني هذا المرافق رحمه الله وهو الذي ساق السيارة التي استعملها للزيارة، قال: »لما وصلنا إلى فجيج فوجئنا بالمهدي يأمره بالتوجه إلى مقر »المراقب« فاستغربنا وسألناه عن السبب فرد: هذا أحسن من أن يصله الخبر عن طريقة أخرى، وبهذا يصبح وجودنا تحت مسؤؤليته… لم يسعني إلا تنفيذ رغبته، وكانت مفاجأتنا أكثر عندما استقبلنا »المراقب«، ذلك أن المهدي قدم له نفسه كصحفي يريد إنجاز عمل صحفي عن البلدة.. وقد مرت الزيارة كما خطط لها المهدي دون أن يلحقنا أي أذى من المراقب وأعوانه« وهذا ما أكده لي المهدي نفسه بعد انتفاضة 25 يناير 1959 . ولما استفسرته عن جلية ما أقدم عليه ابتسم وقال لقد جربت هذه الطريقة في كثير من المناطق ولم اصب بأذى واقصى ما ووجهت به في بعضها هو منعي من البقاء، هذا بالنسبة للمناطق التي يكون فيها المراقبون من غلاة الاستعمار، أو ليس بها من يحتج على منعنا. أما فجيج فكل سكانها كانوا وطنيين، لهذا خشي المراقب من إثارة غضب اهلها فسمح بالزيارة و مرت بسلام..
ولم يفته أن يسألني عن مرافقه السائق وهل لازال حيا وكيف حاله، فأخبرته بأنه بخير ثم رجاني أن يتصل به عند زيارته لمدينة و جدة، وهذا ما لم يحصل، فعندما زار المهدي مدينة وجدة في إطار الحملة الانتخابية البرلمانية لعام 1963 كان هذا المرافق منتسبا لوزارة الداخلية كشيخ بمقاطعة حضرية. ولهذا وتلافيا لكل إحراج او إلحاق أذى به، عدل عن ترتيب الاتصال بينهما.
كان الشغل الشاغل للمهدي والذي ظل مهووسا به، هو عنصر التنظيم في العمل الحزبي، هذا ما لمسته ولاحظته عن قرب خاصة بعد انتفاضة 25 يناير 1959. فمنذ هذا التاريخ لم يعرف المناضلون المهدويون أو الانفصاليون كما كان ينعتهم الاستقلاليون لذة الراحة، فعلاوة على أنشطة فروعهم كان عليهم ان يحضروا الاجتماعات الدورية على الصعيد الوطني وما اكثرها، وحسب ما أذكر كانت تعقد مرة كل شهر لا سيما في المرحلة الاولى للتأسيس، هذا اضافة الى اللقاءات المحلية التي كان يحضرها اعضاء من الكتابة العامة الوطنية للاتحاد والتي غالبا ما يكون على رأسهم المهدي بنبركة.
زار المهدي مدينة وجدة عدة مرات، إما في نطاق اجتماعات مبرمجة للاطر، و إما للاشراف على مهرجانات شعبية عامة، ومنها المهرجان الذي أقيم بسينما فوكس مباشرة بعد تأسيس فرع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بوجدة، واذ أخص هذا المهرجان بالذكر، فلأن الخطاب الذي ألقاه المهدي، وكذا إجاباته على ما طرح عليه من اسئلة كانت في أغلبها محرجة، ترك أثرا بليغا في نفوس الحاضرين بما تضمنه الخطاب من قضايا ذات الصلة باهتمامات المواطنين آنذاك، وما احتوته الأجوبة من ردود مقنعة وصريحة، وأيضا بطريقته المشوقة، وقدرته على الإقناع والتفنيد والافحام، و مما لازلت أتذكره في هذا السياق، وهو يتناول في حديثه بعض الاتهامات التي كان يروجها خصوم الاتحاد بما معناه… ان خصومنا يتهموننا بأننا نتوفر على السلاح، وهذه ليست إشاعة بل إنها حقيقة، لأننا فعلا نتوفر على السلاح من كل الانواع، وبهذا السلاح سندافع عن أنفسنا وبه سننتصر في معركتنا ضد خصومنا.. وليكن في علم هؤلاء الخصوم انهم مهما حاولوا أو فتشوا أو عذبوا لن يفلحوا في العثور عليه، لأنه سلاح حاربنا به الاستعمار ولازلنا نحتفظ به لحد اليوم.
وكان وهو يتناول هذا الجانب يتكلم وبحماس وانفعال حتى ذهبت ببعض الحاضرين الظنون بشأن السلاح المتحدث عنه، ولم يتخلصوا من هذه الظنون الا بعد أن قال: أتعرفون ماهو هذا السلاح؟ ويجيب: إنه انتم أيها الحاضرون، وانه إيمانكم وصمودكم وتضحيتكم.. وما إن فاه بهذه العبارة حتى اهتزت القاعة بالتصفيق والهتاف.. ومما لازلت اذكره أيضا، إجابته على سؤال يتعلق بموقف الاتحاد من الملكية، فقد جاء فيها لقد كافحنا في وقت الاستعمار الى جانب الملك محمد الخامس من أجل الاستقلال، وكافحنا بعد نفيه من أجل إرجاعه من منفاه، وتعاونا معه لاستعادة حريتنا ثم على بناء البلاد ونهضتها، اما اليوم، فان موقفنا ليس من الملكية بحد ذاتها، و إنما من السياسة المتبعة، وها أنتم تلاحظون أننا حاليا نؤيد حكومة الاخ عبد الله ابراهيم، لأنها تطبق كثيرا مما نطمح اليه. وعلى العموم، فإن موقفنا سيكون مؤيدا لكل حكومة شعبية تتبنى برنامجا يحقق للبلاد التقدم والازدهار، وتقوم علي مبادئ العدالة الاجتماعية.
وعن سؤال حول الموقف من الاسلام أجاب، ان الاسلام يهدف الى تحقيق العدالة الاجتماعية ونحن أيضا نتبنى هذا الهدف. كان المهدي هو المرجع الذي يلجأ اليه كل من يريد التأكد من هوية التنظيم السياسي الجديد، وسواء في التجمعات العمومية أو في الندوات الصحفية فإن ما يشفي الغليل هو ما يصدر عنه من أجوبة او تصريحات، خاصة عندما كان مولاي عبد الله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد لايزالان مسؤولين في الحكومة من دجنبر 1958 الى ماي 1960 وحتى بالنسبة للمناضلين الاتحاديين، فان المهدي هو الذي كان يلجأ اليه خاصة في المسائل التنظيمية، وفي حل المشاكل التي كانت تطرأ احيانا وهي من طبيعة العمل الحزبي، اذ كثيرا ما يتنقل من الرباط الى منطقة ما، مهما كان بعدها ليحل ما كان يحدث بها من منازعات او خلافات بين الاعضاء المسؤولين في مكاتب الاقاليم او الفروع.
كانت للمهدي وقفات تنم عما يتميز به من ذكاء ونباهة وقدرة على الاقناع، وهي مواصفات قلما اجتمعت في زعيم من زعماء العالم الثالث، والتي بدونها لم يكن ليتوفق في استقطاب عناصر من مختلف الاعمار والتوجهات والخلفيات والقطاعات للانضمام الى انتفاضة 25 يناير 1959 وبعدها للالتفاف حول الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والا فمن بمقدوره الجمع بين قادة من أحزاب كانوا من قبل متنافرين لحد العداء من امثال عبد الهادي بوطالب واحمد بنسودة من حزب الشورى والاستقلال وعبد الله الصنهاجي من الحركة الشعبية، والمحجوب بن الصديق ومحمد البصري من الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال، ومن كان باستطاعته أن يوفق بين عناصر من مختلف القناعات التي انضوى ذووها في الاتحاد؟ اذ فيه التقى الوطنيون التقليديون بالشبان الدارسين في الشرق من ذوي الميول الناصرية أو البعثية، وهؤلاء جميعا بالمتخرجين من الكليات الغربية المتأثرين بثقافات منها ما هو فرنكفوني و منها ماهو انجلوفوني او اسباني؟
ثم من له القدرة على خلق اطار التأمت فيه عناصر من مختلف الايديولوجيات؟ الم يتواجد في الاتحاد أشخاص ذوو توجهات اسلامية بآخرين ذوي نزوع ليبيرالي، أو اشتراكي، أو شيوعي؟ الم ينضم اليه افراد تقدميون وآخرون يمينيون؟ وهل خلا الاتحاد في بداية تأسيسه من اشخاص ينتمون الى فئات اجتماعية مختلفة فيها فئة الاثرياء ومتوسطي الحال والكادحين ضحايا الفقر المذقع، دون إغفال احتواء الاتحاد على صنفين من المنتمين، أحدهما اعتاد ممارسة النشاط الحزبي بأسلوبه القديم، والآخر يريد التخلص من هذا الأسلوب، ودعنا مما احتواه من عناصر معتدلة تفضل العمل السياسي السلمي لمواجهة النظام ، يقابلها افراد من قدماء المقاومين والثوريين ممن تكونت لديهم قناعة بسبب تعنت الحكم الفردي ألا سبيل الى اخراج البلاد من وضعها المتردي إلا بالعمل المسلح. وكل هذه معطيات إن أضفنا اليها ما كانت تحيكه الدولة ضد الاتحاد كما اعترف بذلك احمد البخاري في مذكراته، تسببت في مرور الحزب بأزمات كان من شأنها ان تتسبب في وقوع انقسامات لا يستفيد منها الا النظام لولا حنكة المهدي ويقظته.
ومن المعروف عن المهدي انه كان يراهن على دعم العمل الحزبي بالعمل الجمعوي كما سبقت الاشارة اليه اعلاه، وانه كان يعمل على استقطاب الشخصيات الوازنة لا سيما ذات المواقع النافذة في اجهزة الدولة، واذكر في هذا الصدد ان هؤلاء المستقطبين كانوا اصنافا، صنف يحتفظ باسمائهم لنفسه، وصنف لا يطلع عليهم الا ذوو مسؤوليات حزبية مركزية أو محليين، وصنف كان يدفعهم الى تحمل مسؤوليات في الاجهزة الحزبية او يكلفون بإنجاز مهام داخل اللجان التقنية للحزب، وهناك صنف كان يكتفي بتكليفهم بدراسات، كل في مجالات تخصصه.
وبالاضافة الى المواصفات السالفة، كان المهدي ذا قدرة فائقة علي البت والحسم، خاصة في المواقف الحرجة، أذكر من ذلك نموذجين في مناسبتين حضرتهما بنفسي. ففي عام 1959 انعقد المجلس الوطني الاستشاري وكان من بين القضايا المطروحة البت في مسألة تأميم استيراد السكر والشاي، و كانت أغلبية هذا المجلس تعارض التأميم، فما كان من المهدي وفريقه الا ان اقترح ان يكون التصويت على المشروع علنا حتى ينكشف الرأي العام من هم ضد أو مع التأميم. وأمام هذا الحرج حاز المشروع على الاغلبية.
وفي عام 1963 عقدت اللجنة المركزية للاتحاد اجتماعا خصص للتداول بشأن الانتخابات التشريعية الاولى في المغرب، فكما هو معروف فان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قاطع الاستفتاء على أول مشروع للدستور الذي جرى في شهر دجنبر عام 1962 باعتباره دستورا ممنوحا يكرس الحكم الفردي ويفرغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي. وكان من الطبيعي ان يكون موقف الاتحاد من الانتخابات التشريعية هو نفس موقفه من الاستفتاء على الدستور خاصة وانه الموقف الذي اقتنع به اغلب المناضلين ان لم يكونوا كلهم، وهو الذي كان المتتبعون يتوقعونه، بل وان الحكم كان يخشاه لعلمه ان عدم مشاركة الاتحاد، وهو اقوى معارضة في البلاد، سيفضح النظام امام المحافل الدولية علاوة على ما سينجم عنه من انعكاسات سلبية في الداخل.
لازلت اذكر في هذا السياق ان عبد الرحيم بوعبيد، هو الذي افتتح الاجتماع، وانه قام بعرض تحدث فيه عن الوضعية السياسية بعد الاستفتاء، معرجا على ما اتخذ من قرارات في المجلس الوطني المنعقد مباشرة بعد نتائج الاستفتاء على مشروع الدستور ومذكرا بما ينبغي القيام به من جهد في سبيل احباط مناورات الخصوم الذين سيبذلون قصارى جهودهم لاقصاء الاتحاد من الساحة، وسيعملون بدون هوادة لإخراجه من المنافسة ليتأتى لهم الاستحواذ على مجلس نواب لتمرير قرارات ومشاريع لا يستفيد منها الا خصوم الجماهير الشعبية، دون ان يجدوا معارضة داخل قبة البرلمان كما تطرق فيه للوضع في البلاد خاصة بعد إقرار الدستور.
وما طرأ من متغيرات كلها تصب في اتجاه تثبيت دعائم الحكم الفردي، والدفع بالمغرب الى تكريس عوامل التخلف وخدمة المصالح الاجنبية، ثم حذر من ترك البرلمان لهيمنة أحزاب الادارة، ليخلص الى قرار الكتابة العامة القاضي بالمشاركة من أجل اتخاذ البرلمان منبرا من خلاله يمكن فضح سياسة النظام اللاشعبية. ودون التطرق لما حدث في الاجتماع عقب انتهاء عبد الرحيم من عرضه الذي خلص فيه الى اقتراح الكتابة العامة القاضي بالمشاركة.. اكتفى بالاشارة الى أن الاقتراح اثار نقاشا حادا كاد يعصف بالاجتماع لولا تدخل المهدي الذي تناول الكلمة ليوضح بعض النقط التي وردت في عرض بوعبيد بطريقة أكثر دقة وجرأة، مبرزا ما اعتبره آراء صادرة عن عدم استيعاب طبيعة المرحلة وعدم تمثل خلفيات وأبعاد قرار الكتابة العامة التي عمد الى إبرازها باسلوب جعل كل من في القاعة، وكأن على رؤوسهم الطير، وبذكائه، وفطنته وقدرته على الإقناع، وقبل هذا وذاك ثقة المناضلين في وجاهة رأيه، استطاع ان يعيد للقاعة هدوءها فيسأل هل من متدخل؟ الا ان الحاضرين اكتفوا بتبادل النظرات.. وبعد ذلك أعلن عن اختتام الجلسة طالبا من كتاب الاقاليم موافاته في مكتبه ليستلموا الوثائق.. ومباشرة بعد هذا الاجتماع صدر عن الكتابة العامة بلاغ من أشد البلاغات حدة، وأدقها وضوحا لموقف الاتحاد من النظام.
و جرت الحملة الانتخابية واعلنت النتائج كما أرادها الحكم، وبعدها غادر المهدي وطنه ثم صدرت في حقه أحكام عدة بالاعدام ويغيب عنه ليبقى في ذاكرة الشعب المغربي قائدا مخلدا، وفي اعتبار علم السياسة رجل دولة وان لم يتقلد مناصب حكومية رسمية.
وبعكس ما كان يشاع عن المهدي من شدة وقسوة، كان لبقا ولكن في غير ضعف، وذا لياقة ولكن من دون نفاق، ومتجاوزا ولكن من دون بلوغ المتجاوز عنه حد التسيب. والى جانب هذه الصفات كان يحترم الوطنيين الذين شاطرهم الوطنية إبان الحماية وان اقتضت الظروف بعدها ان يصبحوا من خصومه، ولا سيما رموز الوطنية كعلال الفاسي وعبد العزيز بن ادريس، الذين اكتفى بذكرهما لأنهما معنيان بما سأستشهد به في الموضوع.
في استجواب أجراه معه احد الصحفيين بمقر الكتابة العامة للجامعات المتحدة لحزب الاستقلال، وكنت حاضرا بالصدفة عقب انتهاء اجتماع لكتاب الاقاليم، كان المقر لازال بشارع محمد الخامس فوق مقهى فرنسا بالبيضاء. ومن جملة الاسئلة التي اذكرها سؤال عن موقف علال الفاسي من انتفاضة 25 يناير، والذي أجاب عليه بقولة السي علال الفاسي استاذنا وزعيم الحركة الوطنية لكن له الاحترام والتقدير، ولازال لم يتخذ موقفا، وكل ما اتمناه هو ان يلتحق بنا وسنكون سعداء بذلك. وفي اجتماع آخر تلفظ أحد الحاضرين بأوصاف غير لائقة في حق علال الفاسي، فما كان من المهدي الا ان وقف وضرب الطاولة بقبضة يده وصرخ حسن ألفاظك فلسنا في السوق، فنحن إن اختلفنا مع علال أو غيره لا يليق بنا نعتهم بألفاظ سوقية ولم يهدئ من حدة غضبه الا تدخل محمد البصري الذي عقب على الواقعة بعبارات أكدت ما جاء على لسان المهدي، وفي نفس الوقت خففت من انزعاج المتدخل.
أما فيما يتعلق بعبد العزيز بن ادريس فأذكر انني حضرت اجتماعا لكتاب الاقاليم، وخلاله دخل أحد الاشخاص الى قاعة الاجتماع و همس في اذن المهدي بما لم نعرف فحواه إلا بعد ان وقف وعلى وجهه علامة تأثر، وأخبرنا أن عبد العزيز بن ادريس قد قتل في تحناوت وطلب منا الوقوف دقيقة صمت، ثم عبر عن أسفه لما وقع وكما تمنى ان تكون مجرد حادثة طارئة غير مقصودة.
30 اكتوبر 2013 يتيع

بتاريخ الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 23:25:29 / عدد التعليقات :

محمد الساسي

لم يستطع المغرب الرسمي، بعد، أن يقلع عن عادة تقديم الإشارات في اتجاهات متعارضة. نحن، مثلاً، نعيش، حاليًا، حدثين مهمين : الأول هو انتهاء أشغال اللجنة المكلفة بإعداد خطة إصلاح العدالة في جو احتفالي وفي ظل خطاب يحاول الإيحاء أن هذا الإصلاح سيوفر ضمانة أساسية لقيام دولة القانون التي يتم فيها احترام استقلال القضاء وعدم استخدامه في تصفية الحسابات السياسية. والحدث الثاني هو تقدم مسار التحضير لقانون صحافة جديد خال من العقوبات السالبة للحرية، وتصريح وزير الاتصال، في الحكومة الحالية، بأن عهد سجن الصحفيين قد ولَّى.

لكن الحدثان يتزامنان مع اعتقال الصحافي علي أنوزلا مدير موقع (لكم) على أساس تُهَم تُحَوِّلُه، نظريا، إلى إرهابي مدمن على سفك الدماء وتفجير المباني والمركبات ونسف المنشآت ووضع العبوات الناسفة وقتل الأطفال والنساء وجز الأعناق وخطف الطائرات. إثارة هذه التهم تعني أن النية عندما تنصرف إلى تأديب واعتقال صاحب قلم مشاكس، فيمكن التوسل، هكذا، إلى أي نص حتى ولو كان تطبيقه على "النازلة" يشبه عملية إدخال جسم فيل في قارورة شراب ضد السعال !

من الصعب على أية دولة أن تقنع الناس بأنها ديمقراطية وأنها تحمي حرية الصحافة إذا كانت تودع صحافيًا في السجن وتعلن أن نوع العمل الذي قام به، في إطار ممارسته لمهنته، يُعَرِّضُه إلى عقوبة قد تصل إلى عشرين سنة سجنًا، وخاصة إذا كان هذا العمل قد اشترك في إتيانه صحافيون آخرون، من دول ديمقراطية، دون أن يسوقهم قضاة بلدانهم إلى السجن.

النيابة العامة اعتبرت أن علي أنوزلا اقترف الجرائم التالية : الإشادة بأفعال تكون جريمة إرهابية، تقديم أدوات لتنفيذ جرائم إرهابية، تقديم المساعدة عمدًا لمن يرتكب أعمالاً إرهابية.

لا أحد كان يتصور أن الأمر يمكن أن يصل إلى هذا الحد من الاستهانة بقواعد التطبيق السليم للقانون.

فعل الإشادة ينص عليه الفصل 2-218 من القانون الجنائي (المضاف بمقتضى قانون محاربة الإرهاب) الذي يقضي بمعاقبة كل من أشاد بأفعال تكون جريمة إرهابية، اعتمادًا على وسائل محددة من بينها وسائل الإعلام الإلكترونية، والعقوبة هي الحبس من سنتين إلى ست سنوات وغرامة تتراوح بين 10.000 و200.000 درهم.

والإشادة هي استحسان الفعل وتمجيده ومناصرته وتزكيته والانتصار له وتأييده، ويتعين أن تتم بالكتابة أو النطق حتى تكون دلالتها قطعية على إرادة الاستحسان، أما استخدام وسيلة أخرى فلا يسمح باستنتاج دلالة قطعية على وجود هذه الإرادة؛ فقيام موقع (لكم) بوضع رابط يحيل على شريط فيديو منسوب إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي موجود بموقع صحيفة إسبانية مع مقال للصحفي سامبريرو، لا يُعتبر، في حد ذاته، إشادة، وإلا وقعنا في توسع مرفوض أصلاً ولا تستسيغه المبادئ العامة للقانون الجنائي.

قد يضع الصحافي الرابط ويرفقه بتعليق مُمَجِّدٍ لمضمون الشريط، فنكون أمام إشادة، وقد يضع صحفي آخر الرابط ويرفقه بتعليق مناهض لمضمون الشريط فيصبح، هنا، من العبث اتهام واضع الرابط بالإشادة. وضع الرابط، في حد ذاته، بالنسبة إلى صحافي تقتضي مهمته إخبار الناس واطلاعهم على ما يجري، لا يمكن أن يعني الإشادة بشكل تلقائي، ففعل الإشادة جريمة إيجابية وليست سلبية ويجب أن يرد في كلمات وتعابير لا يلابسها أي قدر من الغموض في دلالتها على موقف الصحافي، وحين نريد استخلاص هذا الموقف من خارج هذه الكلمات والتعابير المتفوه بها أو المكتوبة، فإننا ندخل مباشرة دائرة التعسف والشطط، وإحالة الرابط على موقع أجنبي، لا يمكن، عقلاً، أن تُنسب إليه الإشادة بالإرهاب وليس على موقع جهادي، مثلاً، يزيد في تأكيد ضرورة استبعاد فرضية الإشادة بشكل كلي.

إن منطق النيابة العامة يفضي إلى اعتبار كل المواقع ووسائل الإعلام الغربية التي تبث أشرطة منسوبة لمنظمات إرهابية، مشيدة هي الأخرى بالإرهاب، وهي المعروفة بمواقفها المناهضة للإرهاب. وهل كان كل هذا الحشد من التنظيمات العالمية سيتضامن مع علي أنوزلا، بالشكل الذي تضامن به معه، ويطالب بإطلاق سراحه فورًا، لو كانت له قناعة بأن ما قام به أنوزلا يمثل إشادة بالإرهاب.

فعل تقديم الأدوات، ورد في الفصل 6-218 من القانون الجنائي (المُضاف بمقتضى قانون محاربة الإرهاب) الذي ينص على أن من يقدم أدوات تنفيذ الجريمة عمدًا لمن يرتكب فعلاً إرهابيًا أو يساهم أو يشارك فيه، يعاقب بالسجن من عشر إلى عشرين سنة.

وفعل تقديم المساعدة، ورد، أيضًا، في نفس الفصل 6-218 (المُضاف بمقتضى قانون محاربة الإرهاب) الذي يفرد العقوبة ذاتها (10 إلى 20 سنة سجنًا) لكل شخص يقدم عمدًا لمن يرتكب فعلاً إرهابيًا (أو يساهم أو يشارك فيه) أي نوع من أنواع المساعدة مع علمه بذلك.

الفصل 6-218 يتحدث، في عمومه، عن المساعدات المقدمة إلى مرتكب الفعل الإرهابي أو المساهم أو الشريك فيه. وهذه المساعدات تتفرع إلى نوعين :

- مساعدات تسهم في تنفيذ الجريمة، وحددها المشرع في الأسلحة أو الذخائر أو الأدوات، فالمقصود هنا، طبعًا، هو تقديم أدوات مادية. قد يقول قائل إن وضع الرابط يوفر للإرهابي إمكان إقناع أفراد بارتكاب أعمال إرهابية أو استقطاب أعضاء جدد في التنظيم الإرهابي لم يكن بالإمكان إقناعهم أو استقطابهم لولا اطلاعهم على مضمون الشريط، وأن توفير هؤلاء الأعضاء الجدد هو تقديم لأدوات، لكن توفير الأعضاء أمر احتمالي فقط بينما المشرع يتحدث عن أدوات قُدِّمَت فعلاً، والبشر ليسوا أدوات بل كائنات ناطقة، والمشرع أشار إلى الأدوات معطوفة على الأسلحة والذخائر أي أن الأدوات هي أشياء أو ماديات من طينة الأسلحة والذخائر.

- مساعدات توفر للفاعل (أو المساهم أو الشريك) ظروفًا للحياة العادية رغم نشاطه الإرهابي وتمكنه من مواصلة هذا النشاط، ولهذا يُعَاقَب كل من يقدم عمدًا لمن يرتكب فعلاً إرهابيًا أو يساهم أو يشارك فيه "مساعدات نقدية أو وسائل تعيش أو تراسل أو نقل أو مكانا للاجتماع أو السكن أو الاختباء، وكل من يعينه على التصرف فيما حصل عليه من عمله الإجرامي، وكل من يقدم له أي نوع من أنواع المساعدة مع علمه بذلك"؛ فهذا النوع الثاني من المساعدات يستفيد منه الإرهابي شخصيًا، وقد يكون لذلك أثر على فعل إرهابي مستقبلي. وصياغة الفقرة الواردة، هنا، بين مزدوجتين، هي امتداد لنظرية (إيواء الأشرار) التي تفترض حصول الجناة كأشخاص على مساعدة لاحقة، تهم ظروف حياتهم واستمرار أنشطتهم الإجرامية، مبذولة إليهم عبر علاقة بأشخاص معينين بشرط ألا تصل هذه العلاقة إلى قرابة أو مصاهرة من درجة معينة، ذلك أن الفصل 6-218 يجيز للمحكمة أن تعفي من العقوبة "أقارب وأصهار من ارتكب جريمة إرهابية أو ساهم أو شارك فيها، إلى غاية الدرجة الرابعة، إذا قدموا له مسكنًا أو وسائل تعيش شخصية فقط".

وفي جميع الأحوال، يجب أن يمر تقديم المساعدات، بنوعيها الأول الثاني، عبر شخص الفاعل (أو الشريك أو المساهم) لكي يؤثر، بهذه الطريقة، على الفعل، فهي ليست مساعدة تُقَدَّمُ، هكذا، للفعل متجاوزة شخص الفاعل (أو المساهم أو الشريك)، ففضلاً عن كون المشرع استعمل تعبير (تُقَدَّمُ عمدًا لمن)، فلا يُتصور، مثلاً، أن تُبذل مساعدة بأسلحة أو أموال أو ذخائر إلى جهة مجهولة.

إن "المساعدة" التي يقصدها المشرع في الفصل 6-218، لا تكون "مساعدة من بعيد"، بل يتعين أن تكون مساعدة فعلية وليست افتراضية، تعرف وجهتها وتتم بصورة شخصية، وإلا فإننا سنعتبر كل من ساهم في ترويج الشريط، ولو بإرساله، عبر الانترنيت، إلى صديق أو زميل له في العمل أو قريب، قابلا للحكم عليه بعشرين سنة سجنا، بدعوى أنه بذل "مساعدة" إذ أتاح فرصة إضافية لاطلاع شخص آخر على الشريط وربما التأثر بما جاء فيه. والدليل على أن المشرع اشترط الطابع الشخصي لتقديم المساعدة هو أن الفصل 6-218 جاء خاليا من الإشارة إلى الوسائل العمومية الواردة في الفصل 2-218 إذ لم يتصور أن تتم أي من أوجه المساعدة المشار إليها في الفصل 6-218 عبر وسائل الإعلام، وبالتالي لا يمكن أن يتحول الصحافي، وهو يمارس أعمال مهنته فقط، بين عشية وضحاها، إلى مساعد لتنظيم إرهابي، وكيف يعقل التسوية في الحكم بين من مَدَّ الإرهابيين بمتفجرات وذخائر ومن اكتفى بإخبار الزائر بوجود شريط منسوب لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، يهم المغرب، في موقع آخر، ومَدَّهُ برابط هذا الموقع لتأكيد صحة الخبر، فوضع الرابط أشبه بالبيانات التي يقدمها الباحثون، عن المراجع المعتمدة في البحث، والتي يضعونها في هوامش خارج المتن أوفي ختام البحث.

إن احترام منطوق الفصل 6-218 يفرض على القاضي، في أية حالة عُرضت عليه، أن يثبت تقديم المساعدة إلى شخص محدد، وأن يثبت أن الشخص الذي تلقى المساعدة هو مرتكب لفعل إرهابي أو مساهم أو مشارك فيه. والقاضي، أمام حالة علي أنوزلا، سيصطدم، من جهة، بكون الاكتفاء بوضع الرابط، لا يرقى، في حد ذاته، إلى تقديم المساعدة على الوجه المحدد في الفصل المذكور، كما سيصطدم، فضلاً عن ذلك، بما ذهب إليه بعض الباحثين المغاربة من أن الشريط ليس من إنتاج تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بل من إنتاج مخابرات دولة من الدول، فكيف سيتوصل القاضي، يا ترى، إلى إثبات صدور الشريط عن مرتكب فعل إرهابي أو مساهم أو مشارك فيه –وليس عن محرض على فعل إرهابي لم يُرتكب-، فبالأحرى إلى إثبات قيام رابطة فعلية وليست افتراضية جرى من خلالها تقديم المساعدة إلى مرتكب الفعل الإرهابي أو المساهم أو المشارك فيه.

نخلص مما سبق إلى أن واقعة وضع رابط لشريط منسوب للقاعدة وموجود بموقع أجنبي معروف بمناهضته للإرهاب، لا تنطبق عليها مقتضيات الفصلين 2-218 و6-218، وأية محاولة للاستناد إليهما في متابعة على أنوزلا والحكم عليه، تمثل، بكل تأكيد، نوعًا من التكييف الغريب الذي لا تستسيغه المبادئ القانونية، وخاصة بالنسبة إلى القانون الجنائي الذي يُعتمد فيه على التفسير الضيق بشرط أن يكون منطقيًا. واستعمال هذا النوع من التكييف معناه أننا نسمح للقاضي بسد أي "نقص" تشريعي بدا له وتعويض دور المشرع، ومعناه أننا نخول القاضي حق إيقاع الجزاء الذي يريد على أية واقعة يريد، حتى ولو كان النص القانوني المُسْتَخْدَم متعلقًا بواقعة أخرى بحكم منطوقه وسياقه.

إن التحريض على الإرهاب عمل مرفوض طبعًا، ولكن قيام الصحافي بمنح الأفراد إمكان العلم والاستعلام به، في سياق ممارسة المهنة، رغم اختلاف تقديرات المهنيين بهذا الخصوص، لا يستدعي، بالضرورة، تدخل القضاء لمعاملة الصحافي كإرهابي.

ولكي يحقق خطاب التحريض على الإرهاب أثره فيمن يُوَجَّهُ إليهم، فإنه يحرص على الاستناد إلى قراءة ماضوية وحرفية للنص الديني، وعلى استهداف الفئات الهشة واليائسة أساسًا، وعلى تقديم نفسه كجواب على المظالم والمفاسد القائمة. ولذلك، فإن الحد من تأثير هذا الخطاب، يستوجب نشر منهج القراءة الدينية المتنورة، ومحاربة الهشاشة والإقصاء والتهميش، والقضاء على مظاهر الظلم والتفاوت والفساد. هذا الجانب هو الغائب، اليوم، في النقاش الدائر بخصوص "قضية أنوزلا".

بتاريخ الأربعاء 16 أكتوبر 2013 - 18:52:37 / عدد التعليقات :