آخر الأخبار :

حماد بدوي

رأى النور في عقد العشرينات من القرن الماضي بعض المغاربة ممن سيلعبون أدوارا تاريخية في الحياة السياسية و الرمزية ببلادنا. إنتماءاتهم و إختياراتهم تختزل مسارات الحركات السياسية المغربية في النصف الثاني من القرن العشرين و إلى يومنا هذا. بل إن بعض ميزاتهم الشخصية ستترك أثرها في سلوك الأحزاب و الحركات التي ساهموا في تأسيسها.
ولد المهدي بنبركة في سنة 1920، و في سنة 1921 ولد عبد الكبير الخطيب. و في سنة 1925 ولد كلا من محمد لفقيه البصري و محمد بنسعيد آيت يدر. سنة واحدة بعد ذلك ولد أبراهام السرفاتي، و بعد ثلاث سنوات (1928) ولد عبد السلام ياسين.
أول إمتحان سيختبره هؤلاء المواطنون المغاربة عند بلوغهم سن الشباب هو التعاطي مع القضية الوطنية المغربية المكثفة في مطلب الإستقلال من نير الإحتلال الأجنبي، و الإنخراط في معركة إنجازه.
ذلك ما سيجعل من بنبركة أصغر الموقعين على وثيقة الإستقلال سنة 1944، و مما سيحوله إلى أحد القادة الأكثر نشاطا داخل الحركة الوطنية المغربية في العقد الأخير من حياة الإستعمار المباشر. وذلك ما سيعرضه للإعتقال و النفي.
أما بنسعيد و لفقيه البصري فسيقترن مصيرهما بمصير جيش التحرير بمراحله المختلفة منذ التأسيس و إلى لحظة التصفية التي تعرض لها بعد إصراره على الإستمرار في الكفاح جنوبا إلى غاية تحرير كامل التراب الوطني.
أبراهام السرفاتي، بدوره سيختار الإنحياز لقضية إستقلال الوطن و سيدفع ثمن ذلك نفيا على يد الإستعمار الفرنسي.
و في أجواء التعبئة الوطنية ضد الإستعمار التي إشتدت في سنة 1953 بعد مسار طويل كان قد عرف العمل المسلح إلى حدود سنة 1934، إنخرط الدكتور الخطيب في هذه الدينامية لكن لينسحب من مقاطعها الحاسمة التي بدأت مباشرة بعد عودة محمد الخامس. إلتحق بجيش التحرير لكنه إنسحب سريعا ليتحول إلى أحد عرابي دمج قطع هذا الجيش في جسم الجيش الملكي الذي أشرف على تأسيسه ولي العهد آنذاك و بعض الضباط ممن عملوا في الجيش الفرنسي.
لكن ترى مالذي كان يفعله المواطن عبد السلام ياسين في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ بلاده؟
لقد إختار ، مؤسس حركة العدل و الإحسان لاحقا، النأي بالنفس!. نعم النأي بالنفس! إذ يذكر في حواراته مع قناة الحوار مع الإعلامي الإسلامي عزام التميمي أنه كان بعيدا عن السياسة و أنه كان متفرغا لعمله كمدرس.
بعد التوقيع على إتفاقية الإستقلال الشكلي إنطلقت دينامية جديدة تشكلت فيها أطراف الصراع من المخزن، الذي ظفر بحكم البلاد مع أنه لم يقاوم الإستعمار، و من الحركة الوطنية التي دخلت في عملية فرز سياسي و إجتماعي و فكري سيؤسس لاحقا لظهور اليسار المغربي بمختلف تياراته و توجهاته.
و مرة أخرى سيلعب في هذه الدينامية كل من المهدي بنبركة و لفقيه البصري و بنسعيد أدوارا حاسمة (و متفاوتة طبعا)، كانت سمتها الرئيسية التصدي لمحاولات المخزن التفرد بالحكم و إبقائه على بنيات التخلف و الإستغلال و الوصاية ، و إعادة الإرتباط بالإستعمار.
بينما كان الدكتور الخطيب قد حسم أمره بإعطاء ظهره لإستحقاقات إستكمال إستقلال البلاد، و لينضوى سريعا تحت لواء المخزن منذ تلك اللحظة و إلى آخر حياته. بل أكثر من ذلك، لقد كان أحد الموعز إليهم بتأسيس حزب الحركة الشعبية، الذي يعد أول حزب إداري في تاريخ المغرب المعاصر ليوظف من طرف الحسن الثاني في عراكه مع الحركة الوطنية الساعية إلى تحجيم دور المخزن و رموزه.
و عندما عمد الحسن الثاني إلى تمكين نظامه من برلمان 1962 ليكون واجهة زائفة لإخفاء طبيعته الإستبدادية، و بدأت أحكام الإعدام تتوالى على رؤوس زعماء اليسار المتمثل يومها في حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان الدكتور الخطيب قد إلتحم نهائيا بالمخزن إلى أقصى حد ممكن من خلال ترأسه لذلك البرلمان من سنة 1962 إلى غاية سنة 1965، و هو تاريخ حله بعد إعلان حالة الإسثناء التي سيكون أحد ضحاياها القائد بنبركة نفسه بتعرضه للإغتيال في يوم 29 أكتوبر من سنة 1965.
بل إن الروايات تذكر بأن الدكتور الخطيب كان هو من أوكلت إليه مهمة الإشراف على إعدام الراحل لفقيه البصري، لولا تراجع الحسن الثاني عن ذلك في الدقائق الأخيرة بسبب خوفه من ردات فعل الشعب المغربي.
لم يكن الرجل مجرد سياسي يعمل لصالح المخزن و ينتمي لعائلة مخزنية بإمتياز، بحيث أن أخاه عبد الرحمان الخطيب كان وزيرا للداخلية في زمن ترأسه هو للبرلمان، بل يعد واحدا ممن إختاروا مبكرا عنوان الهوية في بعديها التقليدي و الماضوي لصراعهم مع خصومهم السياسيين، و يعد في هذا المجال أحد مهندسي تثبيت فكرة إمارة المؤمنين في صرح مؤسسات المخزن، بل إن حزب العدالة و التنمية الذي سيرأسه بعد عقود سيعرّف نفسه في وثيقته التأسيسية بأنه "حزب سياسي وطني يسعى، إنطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين، في بناء مغرب ....".
فلسفة الدكتور الخطيب هي نفسها فلسفة حزب العدالة و التنمية اليوم: ليس الهدف هو معارضة المخزن من أجل تغييره بل الهدف هو الإنضواء تحت لواءه من أجل أسلمته و من أجل التصدي لمحاولات الإنتقال بالمغرب نحو أفاق تهدد الموروث الرمزي و المؤسسي الذي راكمه المخزن من أجل تأبيد وجوده.
إغتيل إذن المهدي بنبركة، و إلتحم الخطيب مع المخزن، و نفي كل من لفقيه البصري و بنسعيد، لكن ماذا حل بالمواطن عبد السلام ياسين في عقد الستينات؟
إختار النأي بالنفس مرة أخرى، و فضل خلوة التعبد في الزاوية البوتشيشية.
أما أبراهيم السرفاتي و لفقيه البصري و بنسعيد فقد أعلنوا تحديهم للنظام المغربي كل بطريقته الخاصة، فالأول و الأخير أسسا منظمتي إلى الأمام و منظمة 23 مارس، بينما ساهم الثاني في تفجير إنتفاضة مسلحة في سنة 1973 . ذلك ما سيطرح قضايا الديمقراطية و الإشتراكية في النقاش العمومي إلى يومنا هذا. إذ بغض النظر عن القدرات التعبوية التي يكتسبها هذا الطرف أو ذاك، فإن فرض قضية التغيير الديمقراطي و حقوق الإنسان في أجندة المغرب هو نتاج لكفاح اليسار المغربي، إذ لم يسجل لغيره أية مساهمة في هذا المجال. فجماعة العدل و الإنسان التي تُقدم اليوم على أنها أحد أكبر التيارات السياسية في البلاد، و قد تكون كذلك فعلا، لا يسجل لها التاريخ أنها إنخرطت في فعل إحتجاجي شعبي حقيقي على مدار وجودها عدا تلك الأشهر التي شاركت في حراك 20 فبراير لكن لكي تنسحب سريعا حفاظا على قواعدها، و صيانة لذاتها من مضاعفات المواجهة المفتوحة مع المخزن. إختارت إذن النأي بالنفس مثلما فعل مؤسسها و مرشدها في زمن قطع الرؤوس.
ذلك هو واقع الحال، فقد تكون حركات اليسار محدودة التأثير مقارنة بغيرها لكنها هي من تواصل ضخ الحياة في أكبر حراك يعرفه المغرب منذ الإستقلال، و الذي لا يستطيع أحد نفي صنعه لوعي جديد يصعب معه على أي كان أن يحلم بدوام الحال.

السبت 09 مارس 2013 - 02:27:24 / عدد التعليقات :