آخر الأخبار :

هيام أحمد طه تكتب: اليسار الجديد هو الحل

تستدعى الأحداث الجارية، وما نعانيه من ظاهرة الإرهاب إلى حد العمليات الانتحارية وقتل النفس، التذكير بمقال كتبه سعيد ناشيد يحمل عنوان “ظلامية السادة وظلامية العبيد.. جدل على عتبة نهاية التاريخ”.. منشور بأكثر من صحيفة وموقع إلكتروني. في هذا المقال لم يكتف الكاتب بالعناوين الثقافية المؤلمة التي تنعي موت الإنسان ونهاية التاريخ، وإنما تأكيداً لهذه الحقيقة وجدناه ينعي أيضا جدل هيجل واستغرق في وصف تفاصيل الوفاة التي أدت به إلى نهاية مأساوية. حيث اعتبر “ناشيد” أن جدل السيد والعبد قد انحرف عن غايته، وبدلاً من أن يكون جدلاً بين غرائز الحياة لدى السادة والعبيد، أصبح جدلاً بين غرائز الموت.. أي من جدل منتج للتاريخ والحضارة، إلى عنف منتج لخراب العمران وفناء الأوطان. حول “ناشيد” مصدر خوف العبد من الموت إلى رغبة تجعل الموت غاية قصوى “تبتلع نفسها”.. أما الذي قاد الكاتب إلى هذه النتيجة المأساوية، فهو ملاحظته لظاهرة الإرهاب العالمي اليوم، الذي وجد فيه لحظة قوية من لحظات الصدام بين ظلامية العبيد وظلامية السادة، تدور في إطار صدام الأصوليات، أو صدام الهمجيات، معتبراً هذا الصدام مؤشراً على النهاية القاتمة لجدل السيد والعبد. وما النهاية هنا في نظره إلا تعبير عن الانتقال من مرحلة طالب فيها العبد بالاعتراف بالحق في المساواة والكرامة، وهو مطلب ثوري، إلى رغبته في التفوق على أسياده في طلبه القدرة على تدمير الذات وتدمير الوجود والحضارة. وبالطبع لم يبرئ الكاتب ذمة الأسياد، في هذا السياق، بل أشار إلى أن لهم نصيباً هو الأوفر في انزياح التاريخ عن أفق المعنى، وانزياح الواقع عن المعقول، وانزياح الكائن عن الممكن، معلناً عن فصل جديد من فصول جدل العبد والسيد.. فصل يخاطر فيه السيد من دون أن يعلم من أجل ماذا يخاطر.. وينتحر فيه العبد من غير أن يدري من أجل ماذا ينتحر. وعلى الرغم من توصيف الكاتب، بما فيه من صواب، إلا أنه عزف عن التفسير، متذرعاً بأن أقصى ما هو واقعي لا يحتمل التبرير ولا التفسير.. وليس بوسع أي إنسان أن يبرر، بمقاييس التاريخ والصيرورة، الانتحار المجاني للعبيد البائسين.. مستشهداً بعبارة هيجل “لم يعد ما هو واقعي يشترط أن يكون معقولاً”. وهو فهم خاطئ لما أراده هيجل الذي يعني أن كل شيء يمكن أن يكون شفافاً أمام العقل. كما أن ثمة عبارة أخرى تعزز هذا القول “ليس ثمة لا معقول أمام العقل”. ويُفهم منها أن الشيء يمكن أن يكون لا معقولاً وما مهمة العقل إلا جعله معقولاً. الغريب أن ما انتهى إليه الكاتب من يأس لم يمنعه من أن يتبصر بعض الأسباب التي أدت إلى استقالة العبد وتنحيته فجأة عن الصراع.. الصراع الذي يصنع التاريخ حيث “لا باب في العتبة يطرقه، ولا دليل يسوقه إلى المستقبل الذي طالما حلم به، خرج من التاريخ خاوي الوفاض بلا قضية، لا وظيفة له، لا مهمة، لا شيء يصنعه ولا شيء بإمكانه، لا شيء سوى أن يُفجر أي شيء أو ينفجر بأي شيء”. تُرى إذا كان هذا هو حال العبد لدى الكاتب، فما هو حال السيد، وما الأسباب التي جعلته يخاطر من دون أن يعرف أنه يخاطر؟ في الحقيقة لم يقدم سعيد ناشيد وصفاً ولا تفسيراً.. ما يجعلنا نرى أنه وقع في فخ التفسير الزائف الذي هو صورة من صور “تحصيل الحاصل” اعتماداً على تفسير الموضوع بالموضوع نفسه.. ومن ثم رد كل حقيقة إلى مجموعة من العناصر المتشابهة.. بينما التفسير الحقيقي يتسم بطبيعة أخرى مغايرة تماماً، تفسير يقيم بين الظواهر علاقة باطنية ضرورية حية، ويقوم بعملية بسط كاملة لأبعد أغوارها، نافذاً إلى لا معقوليتها.. ولا شعوريتها أيضاً. يمكننا القول إن ما ذهب إليه الكاتب من تفسير زائف أوقعه في اليأس، الذي هو “مرض الروح” بتعبير كيركجورد، وهو أمر حتمي لا مهرب منه خصوصاً حين ينعدم التطابق بين الوعي والوجود. الآن نطرح السؤال من زاوية أخرى: لماذا أغفل الكاتب، المستغرق في تأمله لجدل هيجل، ما لليأس من قيمة؟ بوصف اليأس سلباً.. لماذا لم يتصوره رفضاً لمضمون محدد؟ فكما لا يوجد سلب محض، لا يوجد أيضا يأس محض.. واختفاء الشيء يعني وجوده. لا ننكر بالطبع أن توصيف الكاتب لهذه المرحلة من جدل بين السيد والعبد أصاب جانباً، حين أدرك أنه ليس ثمة صراع الآن بين السيد والعبد، لأن عالم اليوم يختلف عن عالم الأمس.. وما الصراع القائم الآن “الرأسمالية العولمية” إلا صراع بين الأسياد والأسياد، صراع يتخذ شكلاً جديداً وشرساً.. لكنهم، وعلى العكس تماماً مما يقول، يعرفون جيداً لماذا يخاطرون “إما تَقْتُل أو تُقتَل”.. تقودهم غرائز حياة وصلت إلى منتهاها حتى أصبحت تتماس مع غرائز الموت.. إنه باختصار الانحطاط الناتج عن الثراء والنفوذ والسلطة في أبشع صورها. أما العبد، فهو خارج دائرة الصراع.. محكوم عليه بالموت بإرادته أو بغير إرادته.. وإذا ضيقنا الجدل على الظاهرة التي استشهد بها الكاتب: “الإرهاب العالمي”، ربما يلجأ العبد إلى الرغبة في الانتحار سعياً إلى لحظة واحدة يشعر فيها بوجوده، أو ربما طمعاً في لذة مازوخية قادته إليها ظلامية ما أياً كان مصدرها. أما صراع بين أسياد لا يتوافر فيه شروط الجدل، فيدل على أن الروح الكلية ما زالت تستبقي في ذاكرتها كل شيء، ويحتفظ العقل الجدلي بمكتسباته، فتبدأ الحركة من العبد أيضاً، ويصبح المطلوب منه هذه المرة، ليس فقط أن يحرر نفسه، وإنما عليه أن يحرر السيد من العالم الزائف الذي جمعهما، فيحدد دائرته الأوسع للصراع. هذا هو التفاؤل الذي تضمنه اليأس، فما زال العبد بوصفه سلباً ونفياً قادراً على الإمساك بخيط الجدل، مسترشداً بالعقل العملي الذي شريعته النشاط والفعل، مقاوماً الإنسان ذا البعد الواحد الذي هو نتاج الرأسمالية العولمية. وهذا بالضبط ما فعله ماركيوز عندما اعتمد الجدل السلبي والرفض الأعظم، واتسع مفهوم العبد ليشمل كل المقهورين من الطبقات المختلفة، ومن شعوب العالم الثالث على وجه التحديد، بادئاً بخطوة خلق ثقافة مضادة لثقافة العولمة.. هذا المشروع الذي اعتبره البعض محض طوباوي، هو الآن المشروع الوحيد الذي نسمع صوته في تيار اليسار الجديد، وجماعات ضد العولمة.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.