آخر الأخبار :

سعيد ناشيد : باب الإيّاب

said.jpg

سعيد ناشيد

باب الإيّاب :

بلا مقدمات، بلا عود على بدء، بلا تردّد أو تودّد أو تدبدب، أعود من جديد إلى سحر الكتابة، إلى أسرار الحروف، إلى سيرة القلم وما يسطرون. أعود بعد أن ظهر السبب وزال الغضب وإن بقي العجب ! أعود لأن سيل رسائل العطف والعتاب فاقت حجّتي وحجبت صمتي. أعود لأني صرتُ أخشى من تفشي عدوى "إعلان التوقف عن الكتابة" إلى ما بقي من رؤوس أقلام تنويرية في المغرب، وقد فعلتها الكاتبة والإعلامية المقتدرة فاطمة الإفريقي، ثم علمتُ أن آخرين يوشكون، فاستبدّ بي السؤال : إلى أين نحن ذاهبون؟ بلى، أرى ما لا أريد : نزيفاً لا آخر له ولا خير فيه. هكذا –أو حتى من دون هكذا- أعود لأجل الخيار الباقي، المقاومة : مقاومة الصمت ولو بكلام أقل، مقاومة الجهل ولو بجهد أقل، مقاومة التصحّر ولو بورد أقل، مقاومة الموت ولو بصرخة ولادة مستعارة.
من حيث لم أكن أقصد، لم تكن غضبتي أكثر من استراحة محارب. توقفت عن النشر لكني لم أتوقف عن الكتابة. سمعتُ نصيحة مفكر عربي قال لي ببلاغة راقية : الكتابة سيفك الوحيد حتى وإن أبقيته في غمده. لذلك أعود الآن وأنا أحمل زاد العودة أوراقاً أهديها لكل الذين آزروني أثناء المحنة. وهذه "شعرية الحراك العربي"، أبسطها تباعاً على درب الرجوع وقبل حلول ساعة النشر، حين يأذن القلم بذلك.
وقبل ذلك، لديّ رسالتان :
الرسالة الأولى؛ لا أنكر هذا، حيث لم أكن نبيهاً بما يكفي لأدرك بأنّ مسألة العلمانية في المغرب مثار حساسية سياسية مفرطة؛ فالظنّ الغالب عندنا في المغرب أنها تقود إلى إلغاء مؤسسة إمارة المؤمنين على الطريقة الأتاتوركية الفاشستية، ما ينتهي إلى فراغ مهول في تدبير الشأن الديني، قد لا تملؤه في الأخير غير الجماعات الدينية المتطرفة. وبهذا النحو تبدو العلمانية في المغرب كما لو أنها تقتل نفسها بنفسها !
درس حفظه المثقفون المغاربة -بمن فيهم المفكر الأبرز محمد عابد الجابري- وهم يجمعون على رفض العلمانية بدعوى أن مجال صلاحيتها ينحصر في الغرب المسيحي ( حيث الكنيسة ) أو يشمل الشرق العربي ( حيث الأقليات ).
رأيي، أن هؤلاء "المجتهدين" بإنكارهم لوجود أقليات في المغرب يغفلون إحدى أعظم الحقائق : الفرد هو أقل الأقليات، والمرأة هي أكثر الأقليات.
فوق ذلك، فالقول إن العلمانية في المغرب تقود إلى إلغاء إمارة المؤمنين، بحيث يسود الفراغ في تدبير الشأن الديني، إنّما ينم عن جهل معرفي ومكر سياسي ودجل ديني؛ فنحن نعلم بأن العلمانية في بريطانيا لم تمنع الملك/ الملكة من أن يكون الحاكم الأعلى للكنيسة الأنجليكانية، وأن العلمانية في النرويج لم تمنع الملك/ الملكة من رئاسة كنيسة النرويج اللوثرية، وكذلك في الدنمارك وغيرها.
القول الفصل، إن القليل من الخيال الخلاّق يكفي لتصور ممكنات تفصيلية لغاية تنزيل العلمانية على كافة مناحي الحياة المغربية، بحيث يبقى –في الأخير- أمير المؤمنين (وهو ليس أميراً للمسلمين حصراً) أميراً لكافة المؤمنين من كافة الأديان والمذاهب والخيارات الرّوحية والاجتهادية لكافة الأفراد والجماعات.
الرسالة الثانية؛ لا يشك عاقل بأن المعركة ضدّ الإرهاب الديني الذي يطوق مدننا وقرانا ويزحف علينا مثلما تزحف رمال التصحر، هي في آخر التحليل معركة الذوق والحس والذكاء؛ لأن من كان ذوقه بدويا فهو مهدّد أو مدان؛ من كان حسه متوحشا فهو مهدّد أو مدان؛ من كان ذكاؤه متبلداً فهو مهدّد أو مدان. أي نعم، إن تصحّر الإنسان والعقل والوجدان هو مدخل التطرّف الديني. لذلك أقول مرة أخرى : إن ملَكة التفكير، مهما بدت مزعجة لبعض الساسة –والذين يجعلون الدهاء بديلا عن الذكاء، ولا يفهمون من حوار الثقافات غير الجلباب الأبيض والشاي المغربي وحلوى عندنا تسمّى "عكب الغزال"- إلاّ أن ملَكة التفكير تلك، تظل الحصن الحصين والخنذق المنيع ضد التطرف الديني. وهذا الأخير، مهما بدا ذليلا ساكنا في بعض أحيانه فإنه يبقى لغماً مبثوثاً في انتظار التمكين. هل تنتظرون؟
أيضاً، لا يمكننا أن نهزم إرهاباً معولماً سوى بفكر علماني ومعولم في نفس الآن. إلاّ أن الطريق إلى العالمية غير معلق في الفراغ، وإنما يمرّ عبر كل الامتدادات الإقليمية، أيا كانت مسمياتها أو تسمياتها؛ قدر الوعي أن يكون كذلك. وقد صدق محمود درويش حين قال : "ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة". أعرف أن هذا يحرج العقل السياسي الغارق في المحلية. لكني أظن أن الحكمة الفرنسية قد حسمت الموقف بكل نزاهة ووضوح : فكروا عالمياً وتصرفوا محلياً.
بهذا الوعد، بهذا الوعي، أمزق كفني، أُنفض صمتي، وأعود إلى جبهة الكتابة بعتاد العودة : أوراق في شعرية الحراك العربي. أعرضها في عشر حلقات تباعاً.
قراءة ممتعة.

نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.