آخر الأخبار :

غربة الكتاب في المغرب الحديث

صدوق نور الدين *

1 ـ لم يعد الكتاب في المغرب الحديث، ان لم اقل في العالم العربي على تباينه واختلافه، يثير اهتمام احد . فالاختلاء بالذات في مكان، والإنصات الى بلاغة حروف لم يعد يحرك في المغربي القارئ النائم فيه. بل ان مشهد الكائن وهو بصدد قراءة كتاب في زاوية داخل مقهى او مقصورة قطار، او في قاعة انتظار طبيب او لحظة سفر،غدا من المشاهد النادرة التي تستدعي وقفة تأمل وتفكير من منطلق ان حالات كهذه يرى اليها من حيث كونها خارج سياق التداول، وبالتالي فهي في الطريق الى الانقراض.’ ‘
‘ 2 ـ ان التحولات التي يعرفها المغرب الحديث، وهي في جوهرها سلبية معاقة، دفعت المغربي الى ان يتعقب الهوس المادي بركوب اعتى الأمواج بحثا عن إدراك لحظة وصول. فالمغربي متى ما انتهى الى وظيفة كتب الطلاق والكتاب. ويحدث، ان يصادف في تأسيسه لأسرته طرفا ثانيا لارغبة له في حياة تحتفي بالكتاب والقراءة، من ثم يخلو البيت المؤسس من المعرفة والثقافة والفكر، أقول من المكتبة.
على ان النظر الى وضعية هذا البيت يجدر ان يتحقق مستقبلا ‘لما ينبض بالحياة التي يجسدها أبناء سيقبلون على التربية والتعليم. فكم من بيت لا تدخله جريدة، ومن بيت لا يعرف معنى الكتاب، وبيت يأمل أربابه في تحصيل أبنائهم نتائج مثمرة، لولا ان المستقبل خارج القراءة من المستحيلات.
3 ـ ان زيارة مكتبة من المكتبات الشهيرة في المغرب تجعل الزائر يرى عدد العمال المستخدمين اكثر بكثير من القراء. لقد أضحت اغلب المكتبات في المغرب فارغة، بل ان وجوه المترددين مألوفة. وأذكر انه في مكتبة من مكتبات الدار البيضاء، أحصى عمالها عدد القراء المترددين فتوصلوا الى انه لا يكاد يجاوز الثلاثين قارئا من الذين يسكنهم هوس البحث عن الجديد. واذكر ثانية بان احد القراء العتاق صادفني يوما داخل مكتبة ودار للنشر، فخاطبني بالقول: لقد اصبحنا كالديناصورات في الطريق الى الانقراض.
وأما المقاهي فعلى كثرتها شبه مكتظة في الصباح والمساء، حيث تفوح البطالة والفراغ. إذ لا يمكن تصور أشخاص يمضون الساعات الطويلة دون ان يفعلوا شيئا يذكر، اللهم إلا ممارسة هواية التنس. ويخيل لي باستمرار بان المقاهي سجون، لكن بحرية.
4 ـ اذا كانت وضعية المكتبات العامة على هذه الصورة، فان حال المكتبات المدرسية يدعو للبؤس والألم. إنه كما دأب الجهل المغربي المتميز ( لا يرثى لها ). فمن ناحية :
- ان من يشرفون عليها لا خبرة ولا دراية فكرية ومعرفية لمعظمهم، علما بانهم انتهوا اليها اما هروبا من متاعب التدريس، او بحثا عن فسحة الى ان يطل شبح التقاعد.
- ان نوعية الكتب المتوافرة في هذه المكتبات، لا علاقة لها بتكوين خيال شخصية التلميذ. انها كتب متخصصة في الإسلاميات على تنوع واختلاف مشاربها، مما لا يحتاجه تكوين التلميذ اصلا.
- ان ميزانيات هذه المكتبات على ضألتها، يبحث لها عن ‘قنوات لصرفها، إذ وعوضا عن تطعيم المكتبة بالمفيد يتحايل لتمريرها في مجالات وحقول اخرى.
5 ـ ان ما يعانيه الكتاب في المغرب الحديث يكشف عن سياسات ثقافية هجينة، وهي سياسات تفتقر للتدبير الثقافي الشامل. إذ وما دام التصور المراهن عليه في كون الثقافة حقلا غير منتج، وهو فهم وتصور خاطئ وخارج السياق، اذا ما ألمحنا لكون ما يتم تجاهله وتغييبه الوعي العقلاني الذي تؤسسه منظومة الثقافة وانطلاقا منه تتحقق المقارنة وترسيخ فعل التأويل. لذلك، ولذلك كله، يؤثر ان يظل الكتاب’غريبا’ في المغرب الحديث.

كاتب مغربي / السويد’




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.