آخر الأخبار :

الثقافة أولاً... الثقافة أخيراً

سلمى تهبوش
بمناسبة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، لا شك أن الزائر سيلاحظ حجم الإقبال المرتفع على أروقته، والعدد الكبير لزائريه، الذين يمثلون فئات عمرية مختلفة وطبقات اجتماعية متباينة. هذا الإقبال الملفت يحيل حتما على التساؤل حول علاقة المواطن المغربي بالفعل الثقافي، وهل هناك حضور للبعد الثقافي في نظرة المغاربة لمستقبلهم، ومن ثمة مستقبل وطنهم؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد ممارسة يقوم بها البعض في معزل عن أي دينامية ثقافية ممتدة، وبالتالي يبدو كتقليد موسمي وليس شكلا من أشكال الوعي الثقافي.
من المؤكد أن الممارسة الثقافية تتحقق عبر أشكال إبداعية متعددة، تبدأ بالإطلاع على الإنتاجات الفكرية المتنوعة، ومواكبة الحركات الفكرية والثقافية المختلفة، وتمر عبر محطات التأمل والنقاش المفضيين إلى الخلق و التجديد. وهو ما لا يتحقق في شموليته خلال أسبوع واحد من العرض و الحوار الفكريين. فمجمل المشاكل السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد, في حاجة إلى محطات نقاش فكري عميق و شامل، بعيدا عن الخطابات المتقادمة والتحليلات السياسية التي لا تقدم بأي حال من الأحوال إجابات شافية وحلول ناجعة في غياب صحوة فكرية حقيقية تستطيع أن تجد مكانا لها في النسيج المجتمعي بجميع تجلياته، و تقيم قطيعة مع الصورة النخبوية للثقافة.
إن المقاربة السياسية وحدها لن تقدم الشيء الكثير و الكفيل بخلاص البلاد من مجمل أزماتها، بل إن بعض أشكال الممارسة السياسية المفتقرة للبعد الثقافي قد تشكل في أحايين كثيرة خطرا على المستقبل الثقافي للبلاد. فإذا كانت طموحات هذا الشعب في التغير وتطلعاته للديمقراطية تصطدمان بانعدام الرغبة الحقيقية والجادة في التغيير من طرف أعلى أجهزة الدولة ، فإن التقدم والرقي الثقافيين اللذين نطمح لهما تعترضهما أيضا سياسات تسعى إلى تخريب الفكر و بث ثقافة الاستسلام للواقع، بدل بناء روح التجديد والتغير.
و من البديهي أن تجليات ما نعيشه من أزمة ثقافية، وما يروَّج له من أشكال الرداءة الفكرية هو نتاج طبيعي للمناخ الثقافي الملوث، والسياسات التعليمية المرتجلة و التي تحمل في ذاتها بذرة فشلها, وكذا الإنتاجات الإعلامية المبتذلة، التي تكرس السياسات الممنهجة والهادفة أساسا لتسطيح الوعي الثقافي لدى المواطنين وتوجيه اهتماماتهم نحو أمور ثانوية، قصد صرفها عن القضايا الحقيقية والجوهرية التي من المفترض أن تشغل بال كل من يهمه أمر هذا الوطن.
لذا، وفي ظل ما نعيشه من خذلان سياسي لا يمكننا إذن إلا أن نراهن على التغير الثقافي والرقي الفكري كسبيل أوحد للنهوض بالأوضاع المتردية لهذا الوطن، وبناء أفق أرحب من شأنه أن يسهم في إحراز التغير السياسي المنشود و الممكن تحققه إذا ما نجحت "الثورة الثقافية" في إرساء دعائم الوعي السياسي والتأسيس لثقافة المشاركة بغية رسم معالم الوطن الذي نريد.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.