آخر الأخبار :

الملك المستحوذ :تخبط وارتجالية نظام محمد السادس في مواجهة الحراك الفبرايري والردة السياسية التي تلته

"الملك المستحوذ " كتاب نشر في فرنسا في مارس 2012 عن "دار لوسوي" للصحفيين الفرنسيين كاترين كراسيي وإريك لوران ينبش في ركام صناعة السياسة والاقتصاد بالمغرب . ولأنه يقوم على قاعدة معطيات غنية حول طريقة استحواذ المؤسسة الملكية بالتدريج على الاقتصاد المغربي وكيف يستفيذ المحيطون بالملك من بقايا ولائمها باسلوب اقرب منه للمافيات المنظمة وابعد من سلوك نظام سياسي مسؤول امام شعبه ، ولأن الكتاب منع من التداول بالمغرب في طبعته الفرنسية لحجب مايمكن ان يكون حجج وبراهين على تورط الماسكين بزمام السلطة في البلاد على القارئ المغربي ، ولأن الحق في الوصول الى المعلومة مبدأ تقره كل المواثيق الدولية التي وقع المغرب علىها، ولأن المعلومات الواردة في الكتاب لم ترد على مدى صحتها او خطأها اية جهة مغربية رسمية .
لكل هاته الاسباب إرتأينا في "ينايري .كوم " أن ننشر اهم ماورد في الكتاب عبر حلقات دون أن نغير كلمة واحدة من النص الاصلي حتى يكون القارئ على بينة من محتوياته ويتخذ الموقف المناسب الذي سيحاسبه عليه التاريخ عاجلا ام آجلا بعد أن يعرف أي نوع من الحكام يقررون في مصيره ومصير بلاده ومستقبلها .
مع الشكر لمجهود الصحفيين الجبار والمتميز ولجنود الخفاء الذين قاموا بترجمة الكتاب من اللغة الفرنسية الى اللغة العربية .ينايري.كوم


خاتمة
فرنسا صامتة ومذنبة

يوم الجمعة 25 نونبر 2111 ، مرت الانتخابات التشريعية في جو هادئ في المغرب. لكن الأمور ليست بسيطة: هل سيتمكن الإسلاميون المعتدلون من الفوز بالانتخابات؟ وهل سيتم تعيين زعيم الحزب"عبد الإله بنكيران" وزيرا أولا من طرف الملك؟ في صيف 2011 كانت الأطر المسيرة لهذا الحزب وبكل عفوية لا تعتقد ذلك. أحدهم صرح لنا شهر شتنبر 2011 : "حتى لو فاز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية في الانتخابات، فإنه لن يمكننا تشكيل حكومة لأن الأحزاب الأخرى سترفض التعاون معنا، ونتيجة لهذا فإن الملك سيغير الوزير الأول 1 ."
في ظل نظام سياسي معروف منذ حكم الحسن الثاني بفبركة نتائج الانتخابات داخل دهاليز وزارة الداخلية، لتتماشى مع مصالح القصر الذي يبقى في آخر المطاف هو سيد المشهد كله، لا يجهل أحد من المغاربة أن محمد السادس ومستشاره فؤاد علي الهمة يكنان كرها شديدا للإسلاميين. في ظل هذا المناخ المخزني كانت الاستعدادات جارية لتنصيب شخص في منصب الوزير الأول: صلاح الدين مزوار وزير الاقتصاد والمالية والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار،هذا الحزب أو التشكيل السياسي ليس له من صفة الأحرار إلا الإسم، فمنذ إنشائه من طرف الحسن الثاني بقي تابعا كليا للملكية. ويقال أيضا أن المجلة المغربية لوبسيرڨاتور L’observateur كانت قد أعدت صفحة أولى لإعلان مزوار وزيرا أولا...لم يكن في حسبانها أن يقوم الملك في آخر لحظة بانقلاب مفاجئ
1 Entretien avec l’un des auteurs, Rabat, septembre 2011
ويغير رأيه. ثمانية وأربعين ساعة بعد إعلان فوز إسلاميي العدالة والتنمية بالانتخابات كلف الملك بنكيران بتشكيل الحكومة.
يعتبر الكثير من المراقبين أن الإسلامي بنكيران شخص مراوغ وغامض. لقد عارض مشاركة حزبه في الحراك الشعبي الذي تقوده حركة 21 فبراير، رغم تصريحاته العديدة خلال اللقاءات معه بأنه يجب إبعاد الهمة والماجيدي من السلطة. يثق القصر كليا بأن اختيار شخص كبنكيران كرئيس الحكومة لا يشكل أي تهديد له. فالرجل كان دائما من أنصار الملكية ورغم أن علاقاته سيئة مع الهمة، إلا أن له علاقاته طيبة مع الجنرال حسني بن سليمان قائد قوات الدرك الملكي التي تعد أفضل حامية للملكية. بنكيران في الواقع رجل مروَّض ضمنيا من طرف المخزن، والسلطات تستغل حزبه لصالحها كما استغلت سابقا حزبا من اليسار هو الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. يظل بنكيران إسلاميَّ صاحب الجلالة أولا وقبل كل شيء، أمضى مساره السياسي منذ أكثر من 12 سنة تحت مظلة القصر.
98 في المئة تصوت "نعم"
إن خرجة محمد السادس هذه وضعت حدا لوقت محدد لكل الشكوك والتوترات الناجمة عن الثورات العربية والتي كان صعبا على الملك استيعابها. في يناير 2011 حينما غادر الرئيس التونسي بن علي السلطة والتجأ برفقة عائلته إلى العربية السعودية، قال الصحفي المغربي علي المرابط بأن محمد السادس وصل إلى قصر بيتز Betz المتواجد بإقليم الواز الفرنسي L’oise والذي كان اقتناه الحسن الثاني. أعاد الموقع الإلكتروني www.rue89.com نشر المعلومة مؤكدا بأن الملك محمد السادس جاء بسرية تامة إلى فرنسا لا يرافقه أي شخص من أفراد عائلته 1 . على جانبي البحر الأبيض المتوسط تثار تخوفات العاهل من أن تصل عدوى ثورتي تونس ومصر إلى مملكته...
1 Pierre Haski, « Le discret voyage du roi du Maroc dans son château de l’Oise », www.rue89.com, 29 janvier 2011
وفعلا هذا ما حصل ولكن بحدة أخف مع خروج حركة المتظاهرين التي انطلقت يوم 21 فبراير 2011 . ابتداء من هذا التاريخ، ووبوتيرة منتظمة خرج آلاف المتظاهرين السلميين إلى الشارع يرفعون مطالب متعددة: إطلاق سراح السجناء السياسيين، إرساء ملكية برلمانية على شاكلة إسبانيا أو المملكة المتحدة، محاربة الفساد، والتوزيع العادل للثروات...
إلا أن غياب زعماء كبار وكثرة مطالب المتظاهرين لم يسمح بأن يهيمن منطق الثورة في المغرب. هذا التعدد والاختلاف انعكس على الحساسيات السياسية للمتظاهرين. فلقد كان من ضمنهم إسلاميون محسوبون على جماعة العدل والإحسان الغير قانونية ) لكن السلطات تتغاضى عنها( والتي تعتبر أقوى جماعة في البلاد، ومناضلون من تيار اليسار الراديكالي والذين ينادون بدولة علمانية وكذلك مناضلو الأنترنت المستقلون. لكن الآلة القمعية المخزنية كانت في الموعد مع هؤلاء المتظاهرين فقابلتها بعنف كبير، مما سيسفر عن 7 قتلى على مدى أسابيع. لكن أكثر ما أثار القلق والاستياء هو تصرفات محمد السادس نفسه حيث بدا افتقاره للحنكة والتجربة السياسية واضحا في مواجهة الأزمة. لقد صرح بلهجة عنيفة يوم الاثنين 21 فبراير بأنه لن يستجيب ل "الارتجال و الديماغوجية " ليعود ويتراجع يوم 9 مارس ويعلن عن تعديلات دستورية شاملة سيطرحها للاستفتاء الشعبي.
وكما كان متوقعا فالدستور المعدل المطروح للعموم لم يرقَ إلى تطلعات المتظاهرين. ولو أن رئيس الحكومة سيتم اختياره من الحزب الفائز بالانتخابات ولن يتم تعيينه باختيار فردي من طرف الملك، إلا أن محمد السادس احتفظ بأهم الصلاحيات، منها القيادة العليا للجيش والإشراف على الشؤون الدينية ورئاسة المجلس الوزاري وسلطة التعيين في المناصب العليا العمومية والإدارية واختيار التوجهات الإستراتيجية للدولة واختيار مشاريع القوانين المعروضة على البرلمان. وبما أن حركة 21 فبراير طالبت بأن لا يبقى شخص الملك مقدسا، فإنه تم تغيير كلمة قداسة ب "توقير" و"واجب الإحترام". هذا نموذج من الإهانة التي يحظى بها الشعب من طرف القصر، وفي الشهور الموالية سيحرص محمد السادس على الإكثار من مظاهر الاستخفاف والازدراء.
يوم فاتح يوليوز 2011 كان المغاربة على موعد مع التصويت للاستفتاء على الدستور الجديد في مناخ اجتماعي متوتر. بينما دعت حركة 21 فبراير إلى مقاطعة الاستفتاء ومواصلة الاحتجاجات، أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة 98% من الناخبين صوتوا ب"نعم"...رقم بئيس يذكر بأرقام كوريا الشمالية، مما تسبب في تأجيج الغضب والاستياء. كشفت هذه النتيجة عن القلق المخيم على القصر وعن غياب الإرادة لتطوير النظام السياسي نحو الديمقراطية .
في بداية ديسمبر 2011 سارع محمد السادس لتعيين 28 سفيرا جديدا أدوا اليمين في حضوره. كانت الحكومة الجديدة الإسلامية في طور التشكيل من طرف بنكيران فظهرت هذه التعيينات وكأنها نوع من اغتصاب للدستور الجديد. يوم 7 ديسمبر 2011 أعلنت وكالة الأنباء الرسمية عن خبر تعيين فؤاد على الهمة صديق الملك في منصب مستشار في الديوان الملكي. هذا الاسم )بالإضافة لاسم منير الماجيدي( هو الذي صرخ ضده المتظاهرون باستمرار باعتبار الرجل أحد المسؤولين عن المأزق السياسي والاقتصادي الذي توجد فيه البلاد. بالإضافة إلى ذلك أليس الهمة مسؤولا مباشرا عن الفشل الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة الشهير الذي أنشأه الملك، وكان يسيره حتى مايو 2011 ؟ الخلاصة أن انعدام الكفاءة في المغرب تحظى بالتنويه بل والمكافأة طالما أنها مرتبطة بالولاء الأعمى.
إن هذا التعيين، وهو قرار فردي للملك محمد السادس ما هو في الواقع إلا غيض من فيض. منذ استفتاء فاتح يوليوز 2011 والملك يعزز ديوانه بالمستشارين. كان يضم ستة أفراد فأصبح عددهم يفوق العشرة كأنهم حكومة موازية بدأ تشكيلها بقدوم رجل القانون عبد اللطيف المنوني ثم السفير المغربي بفرنسا مصطفي الساهل، رغم مرضه، إلى الديوان الملكي.
ثم جاء الدور يوم 29 نوفمبر 2011 على عمر عزيمان وزير العدل السابق وسفير المغرب في إسبانيا وصاحب ملف الجهوية حيث أصبح مستشارا في نفس اليوم الذي عين فيه الملك عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة. وأخيرا في يوم 6 ديسمبر التحق بالديوان الشاب ياسر الزناكي وزير السياحة السابق. قد يكون منصب المستشار الملكي أكبر من حجمه ولكن الرجل وق ع منذ مدة قصيرة اتفاقيات للاستثمار في قطاع السياحة مع مستثمرين من الكويت وقطر بقيمة 2 مليار أورو. فرنسا صماء، عمياء، وخرساء من خلال تشكيل حكومة موازية لمواجهة وإذلال رئيس الوزراء الجديد الذي عينه، أثبت محمد السادس عدم نضجه السياسي . كما أظهر أنه أصبح الآن ضد التطلعات الحالية والحركات الشعبية التي تحرك مجتمعات البلدان العربية والإسلامية. بالرغم من هذه الإشارات المقلقة، فإن حماس فرنسا للمغرب لا يبدو عليه أي تأثر، حيث لا تزال فرنسا تنظر إلى المغرب باعتباره مملكة مستقرة. آخر إشارة مقلقة كانت إقدام أحد الخريجين الشباب العاطلين عن العمل )عبد الوهاب زيدون / 27 عام اً( على إحراق نفسه يوم 18 يناير 2012 ، وقد توفي بعد عدة أيام. في الواقع يرسل القصر إشارات متضاربة. في حركة فاجأت الجميع منحَ الملك عفواً في شهر فبراير 2012 لشخصيات متنوعة ضمت إسلاميين متطرفين والملاكم زكريا المومني ... والمصرفي السابق خالد الودغيري الذي تحدثنا عنه مطولا .
لم يتوقف جاك شيراك ومن بعده نيكولا ساركوزي عن كيل المديح لمحمد السادس والتباهي بمتانة علاقات الصداقة الفرنسية المغربية، علماً أن نتائج هذه العلاقة خصوصاُ الاقتصادية، لم تعدْ تزنُ كثير اً. في سبتمبر 2011 خلال إطلاق أشغال القطار السريع TGV في طنجة بحضور محمد السادس، صرح نيكولا ساركوزي: "في مناسبات عديدة، كررت فرنسا أنها تثمن الرؤية التي عبر عنها الملك، وأنها سعيدة للنجاح البارز الذي حققه الاستفتاء على الإصلاح الدستوري والمسيرة المتواصلة للمغرب نحو الديمقراطية".
إنه خطاب موصوم بالعمى، يذكرنا بالخطاب الذي ألقاه الرئيس نفسه خلال زيارة رسمية لتونس في أبريل 2008 ، وبقية القصة معروفة: لم تستشعر فرنسا انطلاق الثورة التونسية ومن ثم وجدت نفسها في وضعية سيئة في هذا البلد. جان دافيد ليفيت Jean-David Lévitte المستشار الدبلوماسي لقصر الاليزيه، كان قد صرح: "من بين بلدان المغرب العربي الثلاثة،
كانت تونس هي البلد الذي أقمنا معه العلاقة الأكثر هدوء اً". هل سيعيد التاريخ نفسه مع المغرب؟ في الوقت الذي تنحصر فيه مشاغل السفير الفرنسي في الرباط، برونو جوبير Bruno Joubert خبير إفريقيا السابق لنيكولا ساركوزي، في بيع المفاعل النووي للمغاربة؟
بعد القطار فائق السرعة، المفاعل النووي...
في الواقع، أصبحت العلاقات الفرنسية المغربية جوفاء. لم تعد العاصمتان باريس والرباط تمثلان أي أهمية لبعضهما البعض. يبتعد النظام المغربي بخطى حثيثة عن باريس، دون أن يوفر لنفسه نقطة ارتكاز بديلة. تنجرف الرباط ببطء نحو دول الخليج، في حين تبتعد النخب الفرنسية شيئاً فشيئاً عن مراكش. إن الشبكات الفرنسية – المغربية المنسوجة تحت حكم الحسن أصبحت تتلاشى شيئاً فشيئاً دون أن يحل محلها شيء.
في الواقع، يعكس الدعم الفرنسي الممنهج للمغرب عن تراجع نفوذ باريس في أفريقيا. يذكرنا هذا بإصرار الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي على دعم شاه ايران على الرغم من أن الإرهاصات الأولى لثورة آية الله الخميني كانت محسوسة .
لكن وبخلاف الأمريكيين الذين يجيدون أخذ العبر من فشلهم، فإن فرنسا المتعجرفة والغارقة في جمودها، تذكرنا بقصة الثلاثة قرود "لا أرى، لا أسمع لا أتكلم". قلة فقط من الدبلوماسيين الفرنسيين في وزارة الشؤون الخارجية أو قصر الإليزيه يعملون بعمق على دراسة الثورات الجارية في العالم العربي. الوضع في المغرب أشد سوءً . في الوقت الذي ينشط فيه دبلوماسيو سفارة الولايات المتحدة في عقد اللقاءات وبناء العلاقات مع جميع الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني، بما في ذلك الإسلاميين، فإن نظراءهم الفرنسيين يفضلون تقليد المخزن في أسوأ ما لديه: موقف الخادم الذي لا يتذمر ويوافق باستمرار على كل ما يُطلب منه.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.