آخر الأخبار :

مذكرات معلم في الجنوب المغربي6- الجماعة التي ولدت وفي فمها ملعقة من طين

بقلم احمد رباص
في هذه الحلقة، سوف أقوم بعملية هروب منهجي إلى الأمام للحديث عن جماعة أفرا-آيت سدرات التي تأسست بعيد الانتخابات الجماعية لعام 1992، على أنه يبقى من الممكن العودة إلى الوراء كلما سمح السرد بذلك.
إذا كان يوم 16 أكتوبر 1992 قدشكل مع بعض التحفظات حدثا تاريخيا يؤرخ لما قبله ولما بعده، فقد كانت منطقة أفرا-آيت سدرات قبل ذلك اليوم تابعة لجماعة تمزموط، وصارت بعده جماعة قروية مستقلة، مع ملاحظة أولى وهي أن منطقة أفرا خرجت خاوية الوفاض من الفترات السابقة التي قضتها تحت حجر ووصاية السلطات المحلية والجماعية بكل من أكدز وتمزموط.
وهكذا وجدت جماعة أفرا نفسها، مثلها في ذلك، مثل العديد من الجماعات التي ظهرت إلى الوجود في الجبال والبوادي المغربية، مطالبة بالانطلاق من الصفر.
فهذه الجماعة التي تبعد شمالا عن أكدز بحوالي 20 كلم، وب65 كلم عن زاكورة جنوبا، أصبحت اليوم بعد الانتخابات الأخيرة تدخل ضمن نطاق محور جماعي (أكدز-زاكورة) والذي يشكل حلقات مترابطة ومتداخلة فيما بينها، مما يفرض على المنتخبين، رؤساء وأعضاء، إيلاء أهمية كبرى لتنسيق الجهود التنموية والخبرات العملية في سبيل تلبية المطالب ذات الأولوية لساكنة هذا الجزء من حوض درعة. وانطلاقا من هذه السلسلة الجماعاتية، منظورا إليها من الشمال إلى الجنوب، تحتل جماعة أفرا المرتبة الثالثة بعد جماعة تانسيفت وقبل جماعة تمزموط-ثلاثاء تيغومار.
وإذا كان لفظ "أفرا" يدل أصلا على مجموعة صغيرة من الدواوير التي تقع في قلب البلدة، وإذا اعتبرنا أن كل دوار يشتمل ،وفق متوسط حسابي، على 1500 نسمة، فإننا نقدر أن يكون العدد الإجمالي لسكان الجماعة يقارب 17.000 نسمة. وبالرغم من هذه الكثافة السكانية، فإن هؤلاء السكان لا يحظون ولو بحمام يمكن ان يغتسلوا فيه. وفي غياب هذا المرفق الصحي، يلجأ السكان المساكين إلى الاغتسال داخل بيوتهم الطينية في ظروف غير مريحة، وإما إلى السفر إلى مركز أكدز للاغتسال بأحد الحمامين الموجودين هناك واللذين يعرفان ازدحاما واكتظاظا خاصة يومي الأربعاء والخميس حيث تتوافد عليهما أعداد كبيرة من المتسوقين الآتين من كل فج عميق.
تعاني المنطقة ككل من تهميش مفرط راجع إلى الإهمال واللامبالاة اللذين يتعامل به المسؤولون من كافة المستويات تجاه أحوال وأوضاع ومشاكل المواطنين في المناطق الجبلية النائية.
تستفحل مظاهر التهميش في الشطر الغربي للمنطقة بصورة أكثر وضوحا بسبب وضعة المتخفي عن الأنظار. هنا لا وجود لأي مرفق اجتماعي أو خدماتي يمكن أن يشير إلى أدنى اهتمام بسكان هذا الجزء من حوض درعة المتروك للنسيان، باستثناء بعض الحجرات الدراسية المشيدة بالبناء المفككف في أمكنة معزولة عن المحيط العام، ومستوصف صغير بالقرب من فرعية آيت عبد الله التابعة لم/م آيت خلفون لا يعنى باحتياجات السكان لافتقاره إلى وحدة طبية متكاملة، إذ لا يعقل أن يوكل أمر تطبيب وعلاج المرضى لممرض وحيد وأعزل من الأدوات والأدوية.
ويزداد الإهمال تفاقما وتعاظما حينما يلتفت المرء إلى حالة الطرق والمسالك، ليجد أنها تعاني من غياب التعبيد والإصلاح. فالطريق الآتية شمالا من قنطرة تامنوكالت عبر آيت حمو أوسعيد وصولا إلى قنطرة تانسيخت جنوبا مثلا لم تعرف التعبيد على الإطلاق. تعبيدها لايقع على عاتق جماعة أفرا وحدها، بل تشاطرها في ذلك جماعة تامنوكالت. وفي ظل التقسيم الجماعي الجديد (آنذاك) أصبح بناء قنطرة تربط بين الضفتين في نقطة العبور المعروفة محليا باسم إيمينيسيل ضرورة ملحة ومطلبا مستعجلا، خاصة وأن مقر الجماعة تم التراضي حوله على أن يكون في وسط بلدة أفران وبالضبط في التراب التابع لآيت لحسن. في غياب القنطرة ستستمر معاناة السكان، خاصة سكان الضفة الغربية، وتحملهم لمتاعب وأخطار عبور نهر درعة في جميع الأحوال المناخية القاسية والعادية من أجل قضاء مآربهم الإدارية وكذا التسوق من السوق الأسبوعي الذي كان مزمعا إقامته بالضفة الشرقية أيضا.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى تطرح الساقية الموجودة بالشطر الغربي بدورها عدة مشاكل على المزارعين الذين يستفيدون منها في سقي مزروعاتهم، وإن كانت أحسن حالا وأقل عيبا من تلك الموجودة بالضفة الشرقية. هذه الأخيرة، نظرا لتقادمها وتعفنها تكاد تكون أقرب إلى الواد الحار منها إلى الساقية، خصوصا عندما يتوقف فيها الماء عن الجريان. لطالما حلم السكان بأن تطالها يد الإصلاح من قبل المصالح المختصة حتى يمكن لهم توفير جهودهم العضلية المبذولة عبثا لترميم جنبات الساقية العفنة واستثمارها في العمل والإنتاج.
ثمة مشكل جغرافي عانى ويعاني منه سكان المنطقة ككل، ويتمثل في جبل كيسان الذي يسد الأفق من ناحية الشرق في وجه ساكنة دواوير آيت حمو أوسعيد وآيت تاركلمان وآيت ملكت وآيت أمزدودار، ويحول بينهم وبين وصول مواشيهم إلى المراعي، كما يمارس على السكان حصارا إعلاميا يجعل المنطقة معزولة عن الوطن نظرا لعدم تمكنهم من متابعة برامج القناة الأولى على علاتها، مما يجعل السكان يطالبون ببناء محطة لاستقبال البث التلفزي على أعلى نقطة من جبل كيسان حتى يتسنى لهم متابعة البرامج ولو فقط إلى حدود الساعة العاشرة ليلا، وهو موعد توقف المحركات المولدة للطاقة الكهربائية عن الاشتغال.
ومما لا شك فيه أن المعلمين العاملين بالمنطقة كانوا يشاطرون سكانها محنة غياب السكن اللائق، حيث يجدون انفسهم إما مضطرين للإقامة في أكواخ هي أشبه بالمغارات منها بالمنازل أو مجبرين على السكن بأكدز؛ الشيء الذي يعمق من مشاكلهم، خاصة مع التنقل ومصاريفه، بشكل يومي ينهك الجيب وينخر الجسد..
(يتبع...)





نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.