آخر الأخبار :

حسن الحافة ويوميات شومور : الحلقة الرابعة

والدتي تعيرني بالفشل، بأني مجرد عالة على الأسرة. أبلغ الثلاثين ولا عمل لي، أتوه في الليل وسط الحقول. أدخن الكيف أشرب الماحيا، ونيسي كلبة وجرائها. وأحيانا، بضع كلاب يتناوبون على مضاجعة الكلبة. إنهم يفعلون ذلك أمامي و أمام جرائها. أنظر للجراء، توقفت عن اللعب والنط. تنظر لأمهم وهي تنتهك ولا تملك من القوة ما يمكنها من الدفاع عنها. لسنا وحدنا من نتألم حين يضاجع أحد أمهاتنا، الكلاب أيضا تتألم، لمحت ذلك في عيني جرو دمعت عيناه. كلب تطاول على جرو صغير و أراد عضه. آلمني أن يكون ألمه ألمين : ألم رؤية والدته مستباحة لسبع كلاب، و ألم عضة فك كلب تطاول على الصغير، بعد أن لم يستطع أن يؤمن دوره للمضاجعة.
عدوت خلف ذلك الكلب الأرعن. إلتقطت حجر طوب من الحقل وهويت عليه. عوى بشدة كأنه يريد أن يتغوط لكنه مصاب بمسك معوي قوي. إبتعد يجر أذيال خيبته. لم يعد يتراء لي، لقد إلتهمه الظلام.
كل صباح، تشغل والدتي أسطوانتها المعهودة. تلك الأسطوانة التي حفظتها: لا أحد في الدوار يصبح نائما عدا مثلك أيها السكير، أنظر لمن هم في سنك يشتغلون و كونوا أسرة... حين أستحضر الذين هم في مثل سني، أسمائهم وجوههم، أراهم معذبون، مجرد حطب الدنيا. الدنيا أيضا لها حطب يوقدها، وهؤلاء هم حطبها.
أظل صامتا. أعرف أنها تتألم أكثر مني. سخرية الأمهات و تهكمهن، يؤلمان الأم أكثر من الأبناء. إنها السخرية التي تريدك أن تصير أفضل. رئحتي كريهة، لم أدخل للحمام منذ مدة. لمن سأغتسل. الذين يغتسلون هم من يضاجعون أو يقابلون خليلاتهم كل يوم، أما نحن فنستمني فقط. أيدينا لا تتأفف من الرائحة و ما رفضت قط مطاوعتنا، لهذا نسينا الإغتسال.
مد لي والدي عشرين درهم. لم يتراء لي لحظتها سوى ركن المقهى، القهوة السوداء. تحسس وجوه المارة بعيني. المتسولون الذين يتكاثرون. كثرة المتسولين في فيلاج به شارع واحد، معناه أن الفقر و الحاجة يسكنانه. المتشردون أيضا كثر، الكلاب الضالة لم تعد تخاف من المارة. لقد إستأنست بهم صارت تعتبرهم مثلها. هم أيضا ضالون، ليس ضلال العقيدة، إنما ضلال الوجود و الحياة.
أنتعل حذائي، قميصي و السروال المغسول البارحة. أخرج للطريق، ألتفت بحثا عن من يقلني من الدوار للفيلاج. أرتكن لحائط ظليل، أشعل سيجارة و أنفت الدخان. الذباب يشم رائحتي و يطنطن فوق رأسي الأشعث. بعض نسوة الدوار يتحلقن حول عربة عطار، كن بهندامهن الرث، رائحة البصل تفوح منه. وجوههن متجعدة، شعر رأسهن ملفوف وسط قطعة قماش باهثة اللون. أجسادهن مكتنزة، ذاك الإكتناز الفوضوي الذي يقززك أكثر مما يغريك. إحداهن شعر رأسها ملطخ بالحناء و تناثر بعض منها فوق جبهتها. أكره رائحة الحناء لأنها تجلب لي القيأ.
متابعا بفضول العطار والنسوة. صوت دراجة نارية قادم. كان وحيدا ولا يحمل أحدا خلفه. توقف بقربي، رميت عقب السيجارة و تركت الدوار و العطار و النسوة وحيدين. ..
يتبع. ...




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.