آخر الأخبار :

فرصة العمر.. قراءة في نص : أحمد أبو ياسر نشرت على جداره بالفايسبوك يوم 31 يناير 2016

كيف لا تكتب بحبّ عن رجل يروي بكل هذا الحب عن أناس يحيون وسط عالم مفعم بهذه الكمية من الحب؟
بروعة، ولكن ببساطة أيضا، من ذلك النوع الذي يذهب إلى القلب مباشرة، يجتاحك بهدوء، من غير استئذان، فتفسح له، تركن إليه ثم تتماهى معه، لان شخصيات الكاتب والأمكنة التي يروي عنها ليست خيالية (السرير، المرحاض، القطار) فحسب، بل هي فضاء تنتشر على تضاريسه ملامح الذاكرة ومذاق واقعية الهواجس والأماني.
تذكّرك أجواء الكاتب أحمد أبو ياسر بأحد رواد الرواية العالمية: نجيب محفوظ. رصف ورتب لشخصيات وأجواء وأحداث تقّع في الحياة اليومية لأي إنسان متواضع.
شخصيات ليست غريبة ولا بعيدة ولا استثنائية، بل هي من لحم ودم، مألوفة وقريبة واعتيادية، لكن حيّة وغنية ومتناقضة وصحية وهنا، حتى ولو كانت تحيى في الظلّ (السرير/ المرحاض) أو في الهامش ( المرحاض/ القطار).
عالم نجيب محفوظ بامتياز- في معظم أعماله: أولاد حارتنا.. اللص و الكلاب.. الخ- حتى لو أشعرك هذا التشبيه بشيء من الخجل...
النص السرديّ يقوم على اقتناص الأحداث الواقعية وبلورتها وتحويرها لكينونة لغوية تحيلها من الواقعي إلى الجماليّ في إطار بنية سردية...
قيمةَ الأدب لا تكمن في محاولة بيان كيفية انتصار الخيال على الواقع، بل تكمن في العلاقة التي يقيمها الأدب مع تعدد الواقع في الزمان والمكان بهدف بلورة موقف معين على صعيد الثقافة والمجتمع، لأن النصوص الأدبية عادة ما تتضمن هوية كاتبها، وحياتها لا تقع فقط ضمن هذا الحد الفاصل بين الواقع والخيال، أو بين الخيال الذي يصير واقعاً، والواقع الذي أمسى أكثر غرابةً من الخيال.
صلة الإبداع الأدبي بِمحيطه الاجتماعي والتاريخي هي من القضايا الفكرية المستعصية على التدقيق، وقد نتجت عنها استعمالات نظرية ومنهجية ذات مفاهيم تنتمي إلى عدة حقول معرفية: اجتماعية ونفسية وفلسفية، ولذلك فإن ما تقتضيه تلك الصلة حين يتعلق الأمر بالخطاب الحكائي هو الانتباه إلى حالة من التخيل المركب: ظاهر ومضمر، متحقق ومحتمل، محايد ومباشر، لولاها لظل أي تصوّر للتخيل الحكائي بعيدا عن امتلاك قيم ثقافية نوعية ودالة.


يبدأ النص بوضع الجسد الناقص على السرير، (قصدتُ فراشي قبل الوقت المعتاد؛ فأنا مُباكِر غدا..) جسد الكاتب- أمام التعامل اليومي- الذي كان يشي بالذل والانكسار، مما جعله يتهيأ كثيرا (أريد أن أكون كريما عند مَوْعِدِي، حتى لا أضيع فرصة العمر.).. يتسلى بالقارئ في لحظات سأمه وضجره (وضبطت المنبه في الهاتف المحمول، ووضعته تحت الوسادة. بعد لحظات، أخذته ثانية، وشغّلت كاتم الصوت..) ثم (... أَغْفَيْتُ لَحْظَةً... لكن انتابني الخوف من أن يؤثر كاتم الصوت على المنبه نفسه، ولا يصلصل، فأبطلت مفعوله.. ).. إلى أن تأتي لحظة يسقط فيها نائما (نمت ثم انتبهت.).. دون أن يكتشف القارئ / المتخيل سر الشماغ الملفوف بإحكام على أذنيه، بعد أن ضم مخداته بين الرجلين و صدره، دون جدوى(حين نظرتُ إلى الساعة لاحظت أني لم أغْف سوى دقائق معدودات)...
مقاربة هتكت بالسر المفضوح، ثم ظهر الجسد الناقص ليدخل عالم النفي والإقصاء والسخرية المرة فيؤول من كيان حي إلى تندر ساخر مقروناً بلوحة فان جوخ..
الكاتب يسجل حواسه التي تطوق رتابة الوقت لديه،(لم أغْف سوى دقائق معدودات)، وهو يزحف نحو أحلامه المؤجلة في مواجهة ما.. انه يعيش حالة من التجوّال في الأماكن التي يشدّ إليها رحاله عله يجد ضالته هنا أو هناك .. ليترك انطباعاته بكل شفافية دون أن تجرح الأخر بأشواكها.. لم تكن مجرد هذيان أو وسوسة، إنما هو بوحٌ ينسلخ من جسده المتخم بإرهاصات متساقطة من أتون ما كانت تغصّ به، تلك الإشارات التي أطلقها دون أن يلتفت إلى صورة الأنا العاقلة، ولأنه يدسّ نبضاته العفوية من وسواس تسلق جدرانه المنبسطة ،(أريد أن أكون كريما عند مَوْعِدِي، حتى لا أضيع فرصة العمر.) في رغوة الوقت / السيف، و الموعد / المقصلة الثابت للقطار...

النفي بالأداة ( لم ) في النص (لم أغْف) أعطت إيحائية في بث التناغم التكراري والصياغة المتوالدة ، فهي عبارة عن ولادة وموت ، وعن هذيانات متساقطة، لم يملك أي شيء سوى ما في ذاكرته التي بدأت تجسّ التصدعات التي يتعرض لها، والتي جعلته عرضة إلى الانشقاقات النفسية المزروعة في داخله وهي يرى نفسه مسيجاً بالتوتر، تنغرز في جسده الوساويس دالة منه على مطبات الحياة القوية، وهي تلتهم شتات الضياع وسط الفراغات غير المعلنة، باستحضار اللاهوت كأحد الأدوية الموجودة على قارعة النوم/ الموت ( فَرُحْت أتوسل إلى الكرى بقراءة أدعية مجربة)..

كثيرة هي حكايات اللجوء والنزوح هربا من أتون الصراع: ( النفس.. المنفى... الغربة...) تجربة لا يمكن وصفها إلا بمعايشتها هي ذروة المعاناة والتناقض والصراع الداخلي... هي قمة التوتر الكياني الذي ينتج ويتفجر بلقاء ذاتين غريبتين... هي فتح مجاري وقنوات لينابيع جديدة وتفاعل حي مع الذات و كل ما يؤثث المحيط.
لهذا تقرأ وتتحسس -من خبر أغوار النفس لفترة، على الأقل- حدائق جديدة... وتعيش لحظات ممتعة في ذلك الأدب، صخب وعبق المدن المسرح. سلوك ونمط حياة هاته الحياة بجغرافيتها وتاريخها وعقلية شخوصها المتنوعة...
فالكتابة ليست محاكاة للواقع فقط، بل هي جعل الواقع نفسه أسطوري، ممتع، مشوق... كيف يتم ذلك ؟:
هي مهمة المبدع مثلما يمزج الفنان الألوان ويعجنها في مخيلته وتخرج بعدها اللوحة مشرقة بكل بريقها الساحر... كما أعتقد أن الكتابة في كثير من الأحيان صرخة في وجه الظلم والقبح والإستبداد وهى الشكل الذي نحلم به أن تكون الحياة ولكن هيهات كلها مجرد محاولات ولا يمكننا سوى التشبث بأحلامنا المشروعة : لأننا محكومون بالأمل...
سؤال كبير يطرح نفسه بشدة وهو... لماذا نكتب ؟ هل للهروب من الواقع المرير والبائس ؟ أم اللجوء لعوالم بعيدة أقل صخبا وضجيجا .. هل لنقهر الموت أم لنخفف عبء الحياة عن كاهلنا؟. ونصرخ في وجهها مثلما يصرخ المولود أول مرة عند قدومه للحياة... لا أدري... لكني أؤمن بأن الخوف والموت هما أكبر محفز للكتابة...
كما هو معلوم أن السرد الأدبي لا يعترف بالحدود المكانية والفواصل الزمنية بل في كثير من الأحيان نحلق في عوالم بعيدة بحثا عن عوالم بديلة عن الواقع بكل إحباطاته...
أعتقد -جازما- أن الكتابة الأدبية في الكثير من الأحيان تطرح أسئلة لكن ليس عليها -بالضرورة- أن تجيب عليها، وتترك الحرية للقارئ...
الكتابة هي استعادة لأحداث ولتفاصيل بعيدة، وأتفق تماما مع مقولة أن الذاكرة هي وقود الكتابة؛ لدى فالكتابة وطن بديل عن حالة الغربة الروحية التي نعيشها، ليس من السهل التصالح مع المنفى/ الذات؛ معضلة ومتاهة بمعنى الكلمة: فعندما تضيق بنا الأنا و الأحلام تصير لنا الكتابة أكثر من قطار...

اختيار هذا المرحاض للتعبير (في محطة القطار، اغتنمت الفرصة، وقصدت المرحاض) هو جزء من السخرية والرفض ذاته (لما أردت الخروج استعصى علي الأمر، لانعدام أداة فتحه من الداخل)، باعتباره مكان حقير في الثقافة العربية، وهذه الظاهرة لا توجد في مراحيض البيوت والمساجد؟.. مع أن في العالم لا يوجد مرحاض يفتح من الخارج، مما يطرح سؤالين:
1- هل الكاتب تعمد ذلك لحبكة نصه الأدبي؟ و هذا استغباء لذكاء القارئ و تفريط في الميثاق الأخلاقي الذي يربط بين الكاتب و القارئ..
2- هل هو سهو وقع فيه الكاتب؟
يبقى المرحاض هو وسيلة الرفض والاغتراب في حدود الكتابة الشخصية أو الرسوم الجنسية؛ وما التعبير بإهمال نظافة المكان، كعدم سكب الماء بعد التغوط أو تركها متسخة -خاصة داخل المرافق العمومية المشتركة- هي وسيلة تعبير بدائية غير حضارية بالمرة تدل على أن صاحبها مستلب نفسيا أو سياسيا أو اقتصاديا يجهل طرقا أخرى للتعبير؛ مما يدل على تعمد الكاتب ضد مؤسسة المحطة / القطار، التي يوجد فيها المرحاض.. (لما أردت الخروج استعصى علي الأمر، لانعدام أداة فتحه من الداخل)..
بدأت الحكاية (فرصة العمر) برحلة القطار الذي حمل الكاتب إلى مراده، ومن خلال المونولوج الداخلي، وفي لغة شديدة الشدو والشاعرية، يصف لنا الأديب الحالة النفسية التي تدل على حزن وآثار ما بعد صدمة(خرجت ألهث ، وأنا في حالة يرثى لها ... عرقا وتعبا مُزْبِدا مرعِدا... ألعن المتشدقين بالتنمية البشرية في البلاد...). لا يكتفي الكاتب بالمونولوج والحوارات الداخلية التي تكشف دواخل شخصيته، إنما لجأ إلى إشهاد الناس عليه (كنت أسمع بعض الناس يتساءل مشفقا على حالي، وبعضهم يطلب اللطف والستر من الآفات العارضة..) و إلى الحوارات الحزينة مع الراكب (استهدِ بالله يا بني ... كررها ثلاث مرات ، ثم ناولني قارورة ماء ، وسألني عمّ بي)؛ ليفتح نوافذ الضوء في هذا العالم المظلم الشديد القتامة والذي يزخر بالتفاصيل الإنسانية، مما يفتح أمام القارئ دائرة السؤال الأكبر لتشويق القارئ لمعرفة ما حدث؟ (-أفكر في الرجل الذي فتح لي الباب في المرحاض... كنت على يقين أنه لن يدرك القطار، ولا فرصة العمر، إن كانت له فرصة...)

عبر لغة الوصف استطاع الكاتب في هذا السرد الشفيف من تقنيات فنية مختلفة أتى بها من وسائط أخرى لتكون وسيلته السردية في النص (المنبه / الهاتف المحمول)، لقد أفاد في تقنية تقطيع مشاهد الحكي (إدخال أدعية الدعاء- آذان الفجر- وضعية المخدات- الهاتف المنبه- كاتم الصوت...)
إن الحبكة السردية التي أجاد أحمد أبو ياسر توظيفها جعلت القارئ أكثر تشوقا ورغبة في معرفة الأحداث واستكمالها، كما أجاد اللعب بالزمان والمكان، ما بين الزمن الآني والفلاش باك في سرد الأحداث. وقد استطاع كذلك عبر لغة الوصف الداخلي والخارجي أن يرسم المعالم النفسية لشخصية البطل، بل حول هذا الشخص/الأنا بلغة الوصف الداخلي والخارجي إلى لحم ودم يؤثر في القارئ، وينال شفقته وعطفه، بل وأساه وحزنه على المرافق العامة.

وهنا يتبين سحر البلاغة في تلاعب بارع ما بين الصورة واللفظة المركبة بإتقان وبراعة؛ أحمد أبو ياسر كاتب واعد سوف يبزغ نجمه في سماء الأدب العربي ويسجل في سجل الأدباء المتميزين. الأديب أخذنا معه وأبحر في عالمه الممتلئ بالدهشة، ممتزج بأسلوب قصصي راقي وفكر مصاغ بأسلوب عصري، حديث مكتوب بتلقائية منبسطة في أريحية تامة.. تستقطب قراء جدد لهذا الفن القصصي والإبداع الفكري العصري والممثل في المدرسة الجديدة للقصة القصيرة جدا...

شكرا لك أيها الرائع...

سعيد تيركيت
الخميسات -المغرب- 04 فبراير 2016


فرصة العمر ..

قصدتُ فراشي قبل الوقت المعتاد؛ فأنا مُباكِر غدا، أريد أن أكون كريما عند مَوْعِدِي، حتى لا أضيع فرصة العمر.
ارتميت على سريري، وضبطت المنبه في الهاتف المحمول، ووضعته تحت الوسادة.
بعد لحظات، أخذته ثانية، وشغّلت كاتم الصوت، تفاديا لأي إزعاج محتمل أو رنة طائشة.
أعَدته إلى مكانه، ووضعت خدّي على الوسادة .
أَغْفَيْتُ لَحْظَةً... لكن انتابني الخوف من أن يؤثر كاتم الصوت على المنبه نفسه، ولا يصلصل، فأبطلت مفعوله، وسحبت مخدة ثانية وضممتها إلى صدري... وثالثة بين رجلي
نمت ثم انتبهت.
حين نظرتُ إلى الساعة لاحظت أني لم أغْف سوى دقائق معدودات.
انتابني شعور بالتوتر... فَرُحْت أتوسل إلى الكرى بقراءة أدعية مجربة .
لذا، انشرح صدري، حين سمعت الآذان بصلاة الفجر، إذ أدركت أني نمت مدة كافية.
جمعتُ أغراضي، وخرجت أسعى ، وأنا في عَجَلَةٍ مِنْ أمري.
في محطة القطار، اغتنمت الفرصة، وقصدت المرحاض.
لما أردت الخروج استعصى علي الأمر، لانعدام أداة فتحه من الداخل.
دقَقَت الباب بعنف ... صرخت وصرخت.. دون جدوى، فأزيز المركبة كان يملأ الفضاء.
في ذات الوقت لفَتَ سمعي النداء المألوف: القطار ينطلق بعد قليل ، سكة رقم 1. جن جنوني، واتكأت على الباب مستسلما ... لكنه فتح فجأة...
خرجت ألهث ، وأنا في حالة يرثى لها ... عرقا وتعبا مُزْبِدا مرعِدا... ألعن المتشدقين بالتنمية البشرية في البلاد... كنت أسمع بعض الناس يتساءل مشفقا على حالي، وبعضهم يطلب اللطف والستر من الآفات العارضة... وذهني عنهم مشغول... أريد ركوب القطار حين أخذت مقعدي، ظللت أنظر خارجا ... وأنا منزعج جدا.
انتبه إليّ جاري ، فقال:
استهدِ بالله يا بني ... كررها ثلاث مرات ، ثم ناولني قارورة ماء ، وسألني عمّ بي..
أشرت إلى المحطة، ونحن نبتعد ، وقلت:
-أفكر في الرجل الذي فتح لي الباب في المرحاض... كنت على يقين أنه لن يدرك القطار، ولا فرصة العمر، إن كانت له فرصة ...

الأستاذ أحمد أبو ياسر / المغرب
31 يناير 2016




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.