آخر الأخبار :

جولة تحت الاحتلال بيـــن مدينة " سبتة " والمغرب

على مدخل المدينة العتيقة لمدينة سبتـــــة السليبة ، وبجنبـــــات البحـــــر ينتصب تذكار "هرقــــل ." يدفع الزائر للتساؤل عن قصة هذا الملك المغوار وعلاقته بالشمال ، بمغـــــــــــارة طنجــــــة وجبال " الإخوة السبعة / سبتــــة " وجبــــل طــــارق .
هززت كتفي متبرما من عناء البحث عن جواب . ومشيت بأهم شوارع " سبتة " التي وجدتها نقية ورائعة ، بأرصفة من رخـــام ومزهريات وحدائق متنوعة وعمران يحيلك على حضارات مرت من هذه المدينة . وتماثيل تاريخية لزعماء ومثقفون اسبــــــان .. وأمام جمالية الشوارع وجودة بناء طرقاتها لا يسع الفرد إلا أن يعلــــن عن موقف التضامن مع الشاب المغربي " عبد الرحمن المكراوي" ، ويدين التعسف الذي طاله وجره الى السجن على خلفية فضحه للغـــــش في بناء إحدى الطرقات بالجماعة الترابية "جمعة سحيـــم" بأسفي ـــ قبل الإفراج عنه مؤخرا ـــ. ولا أضن أن الدولة الإسبانية الاستعمارية اعتقلت في تاريخها مواطنا بنفس السبب أو بتهمة ــ مراقبة الأشغال الممولة من المال العام ــ .
كل شوارع الدول الغربية مصممة لتلائم كرامة المـــــواطن . إلا الطرق والأرصفة عندنا فمُهندسة لتعيد إنتاج الفوضى والاختناق . في الأولى يتنفس " المواطنون " الأحــــرار . وفي الثانية يختنق " الرعايا " الأوفيــــاء لنظام الفساد والاستبداد.

قد يقول قائـــل : إنه الانجذاب العاطفي للمستعمر و التحقيـــر للشعور الذاتي و التمجيد للاستعمــار . وربما يكون محقا في ذلك .
لان الكــــلام عن " المواطنة " لا يستقيم إلاّ إذا ربطناه بقضية التحـــــرر .فما يقدمه المستعمر بالأراضي التي يحتلها ليس إلا رمادا يــذره في العيون ليغطي عن احتلاله .
فإذا كانت مدينتي " سبتة " كما " مليليه " تنعمان ببنيات تحتية ومرافق اجتماعية و طبيـــــــــة وتعليمية وخدمات ملائمة يستفيد منها " المواطن " . فالشوارع بجل مدن المغرب " المستقل " تهدر الكرامة عند الأفراد والجماعات . و'' الرعايا '' يمشون بها مكسوري الأجنحة يتعذبون تائهون حائرون ، يفكرون أو لا يفكرون في ســــــــــؤال حارق ؛ ألا يعيش المغاربة بدورهم تحت وطأة " الاحتلال" في وطنهم ؟؟؟
كان الديكتاتور "الحسن الثاني" يحتكر كل الصناعات الغذائيـــة من زيت وسكر وطحين .....ويتحكم في أسعارها وخلال أية انتفاضة كان يجد نفسه ك" رئيس دولة " في مواجهة مباشرة مع المنتفضين ضد سياسة التجويع والتقشف والغلاء التي ينهجها نظامه . و كان بطبعـــه يميل الى القمع بالحديد والنار . ففي الانتفاضة المجيدة ليناير 1984 وفي أشنع خطاب له وصف سكان الشمال بالأوباش والمهربيـــــــــــن وهددهم بتخريب منازلهم . لأنــــه كان يدرك جيـــدا خطـــــورة التهـــريب وانعكاساته سواء على مستوى منافسة سلعه في السوق أو باعتباره بوابة قد تفتح عيون الكثيرين ليطالبوا بحقهم الكامل في '' المواطنة '' و في الحد الأدنى من العيش الكريم ....
فالحسن الثاني كان يريد شعبا جائعـــا خانعا خاضعا و شحـــــاذا يلبس ألبسة مرقعة بكل الألوان . فقبل ظهور عمليات " التهريب " كانت الأم تُرقع قمصان أبنائها بأربعين رقعة ، وترقع سروال زوجها برقعتين مختلفتين في اللون والحجم على المؤخــــرة ــ لشدة الفقر وغلاء الأسعــــارــ .
ومع مطلع سبعينات القرن الماضي جاء '' التهريب " لينقذ ماء الوجه حيث وجد فيه أبناء الشعب ضالتهم ، و معه أصبحت آنذاك 10دراهم فقط تكفي لشراء سروال وقميص ومعطف غير مرقعين ...
لكن " ملك الفقــــــــراء " اليوم فضل طريقا آخر . فمع اندلاع انتفاضة " 20 فبراير " المجيدة سنة 2011 ، سارع إلى تفويت جل الصناعات الغذائية من زيت / سكر وطحين .... إلى أخطبوط المال والأعمال . ولم يتم ذلك طبعا إلا بعدما أمنـــــت مجموعة " أونا " الطريق التجاري ووضعت تلك السلع في مأمن عن أية منافسة بالداخــــل . وخفضت عنها الضرائب . وشددت الخناق على الكادحين " المهربين '' سواء عبر حجز السلع التي يجلبونها من " سبتة " أو" مليليه " إن هم لم يقوموا بتعشيرها لدى الجمارك أو عبر التعنيف و المتابعات والاعتقالات ....
وعلى سبيل المقارنة فثمن " الحليب المركزي المعقـــــــــــم " بالمغرب يتراوح ما بين 09 و10 دراهم للتر الواحد . ويقتصر شربه على الطبقة الوسطى فما فوق. و بمدينة " سبتــــة " نجد أنواع منوعة من " الحليب المعقم " . ولا شركة واحدة منها يمتلكها ملك اسبانيا . ويتراوح ثمن الليتر الواحد هناك حول 05 دراهم مغربية .
نلاحظ الفرق ونستمر لنقارن مثلا ثمن " زيت عباد الشمس" . في مغرب الاحتكار يتراوح ثمن الخمس لترات منها ما بين 72 درهم و 84 درهم . أما في ''سبتة المحتلة " فلا يزيد السعر عن 44 درهم مغربي .
أنواع الأجبان ب" سبتة " لا تقارن مع ما يقدمه مغـــرب القهــــر للرعايا . لا من حيث الجـــــــــودة ولا الوفرة ولا التنـــــــوع ولا السعـــــــر .
و قبل ان نخرج من " سبتـــة " لا بأس أن نتأمل " ستاتو " آخــر مكون من ثلاث معالم . سموه " تمثال الدستور. " وهو لأم وطفلة ومادة من الدستور الاسباني .في لوحة متكاملة تمثل فيها الأم الجيل الحالي وهي تمد قصب السبق لطفلة عبر تعليمها مضامين المادة 14 من الدستور المذكور ، و القائلة :
" الإسبــــان متساوون أمام القانون و لا يمكن أن يكونوا عرضة لأي تمييز بسبب الأصل أو العرق أو الجنس أو الدين أو الرأي أو أي شرط أو ظرف آخر، شخصي أو اجتماعي " .والأكيد أن وثيقة الدستور بالمغرب تحتوي على نفس مضامين هذه المــادة فقط عندنا هي مرسمة كحبر على ورق . و النظام القائم في المغرب لا يمكن أن يرفعها تمثالا . ليس تجنبا منه لما يمكن أن تخلقه "التماثيل" من جدل مجتمعي تدور رحاه حول الخيارات الثنائية " حلال/ حرام" . خصوصا وأن مجتمع المقهورين في الغالب يميل الى منظور شيوخ الظلام في تحريمهم لصناعة و تنصيب التماثيل ـــ الشــــاهدة على التاريخ ـــ بدعوى أنها " أصنام ". ولكن النظام يخشى أن يتعلم الصغار وتتركز في أذهانهم قيم المواطنة والكرامة والمساواة.... و لما يكبرون قد يخرجون من حضيرة القطيع . ف : "العلم في الصغر كالنقش على الحجر " كما يقول المثل . لذلك فهو يكتفي بمنــــــــــــــــــح الدستـــــــــــور للشعب كما يمنح قفة رمضان لفقــراء .
تقرير عبدالمالك حوزي




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.