آخر الأخبار :

المد الإحتجاجي في المغرب : في سبيل فهم عقلاني لمهام الوضع الراهن.

ذ. عبد الرحيم ادوصالح
لا بد أن المتتبع لسلسلة الأحداث التي وقعت مؤخرا على الساحة السياسية-الثقافية و التي كان المغرب مسرحا لها, لا شك أن المتمعن في الأمر سيلاحظ أن الحراك الذي يبدوا علنيا و حيانا يبدوا خفيا متسترا, ليس كمثله من مختلف أشكال الحراك التي سبقته و ذلك لعدة أسباب :
أولا لأنه حراك استفاد من تراكمات أفرزتها تجارب غنية متعددة مضت, آخرها الحراك التاريخي الذي قادته حركة 20 فبراير باعتبارها شكلا جديدا إلى حد ما في طرق الاحتجاج و الإعلان عن مطالب اجتماعية سياسية كانت هي نفسها مند الاستقلال أهمها العدالة الاجتماعية و الديمقراطية السياسية و إنصاف جميع فئات المجتمع و الحريات الفردية التي نضجت كتصور لدى الشبيبة القائدة للحراك. كما أن حراك اليوم استفاد من التحولات السياسية في الرقعة الجغرافية المجاورة للمغرب و ما أفرزته "ثوراتها" من صراع على السلطة و اعتلاء تيارات الإسلام السياسي للحكم مستغلة الفراغ السياسي الذي عاشته المجتمعات ما قبل الربيع الديمقراطي الذي نتج عن تضيق ممنهج لليسار و الحركات الدموقراطية من طرف الأنظمة الكليانية الحاكمة أحيانا, أو باحتوائها أحيانا أخرى. ولقد مني التيار الإسلامي بفشل ذريع في تسيير الدول و في التعامل مع الأزمات التي أفرزها الحراك الاجتماعي, فظهرت "العقيدة الإرهابية'' كشكل من أشكال الممارسة السياسية للتعويض نفسيا عن الخسارة و الفشل في تسيير الدول و قيادة الإصلاح لتحقيق مطالب المحتجين. و تتميز"العقيدة الإرهابية'' بافتقارها لبرامج سياسية اقتصادية واضحة المعالم تستطيع على أرضيتها إقناع الناس , فالتجأت إلى الذبح و الحرق و قطع الأعناق إلى غير ذلك من ممارسات جعلتها تصنف في خانة الإرهاب الدولي , بالتالي فقدت شرعيتها و فقدتها معها حتى مفاهيمها و عقيدتها و اديولوجيتها السياسية-الدينية.
أما السبب الثاني الذي يجعل حراك اليوم متميزا فهو مرتبط بالسبب الأول, فمن المعروف أن حركة 20 فبراير كانت فرصة ملائمة للشعب المغربي كي يتحرر إلى الأبد من قيود الاستبداد لولا استغلال النظام لجشع و غباء الحركة الإسلامية, التي قدمت نفسها في الماضي كحل لأزمات الوطن في صراع مع اليسار و كل الدموقراطيين, فصنع منها حجر عثرة لإسقاط الحركة و هدمها, وذلك ما استطاع بلوغه بسهولة, خصوصا و أن صفقة تبادل الأدوار كان لها التأثير المباشر على مسار الأحداث حيت اعتلى الإسلاميون ( الذين حرضوا الجميع ضد الحراك الدموقراطي) سدة الحكم , ولافتقارهم إلى الحس النقدي و التجربة السياسية و الاحتكاك الاديولوجي و الصراع مع السلطة (كذلك الذي عاشه اليسار ) لذا فلقد استطاع النظام (في خمس سنوات) بدهائه المعهود تمرير مجموعة من البنود و القرارات التي تخدم مصلحة الحاكمين و فقط. فاتضح الأمر للجميع و انهزم الإسلاميون و أعلنوا وفاتهم و الجميع الآن يرى و يعاين احتضارهم المهين.
السبب الثالث المميز للحراك الأخير هو أنه إذا كانت حركة 20 فبراير حركة مدنية بامتياز ( انطلقت من المدينة ) تركزت في المدن الكبرى عموما, و نشأت أول الأمر متأثرة بالوضع الإقليمي عموما, و الاحتقان الاجتماعي الذي تلا كل سياسات الدولة التي لم يكن فيها المواطن هدفا لها أبدا, فإن حراك اليوم بالمغرب أخد طابعا آخر: لقد كان احتجاجا في الهوامش كما في المراكز, حيث تشكلت بنية احتجاجية التقت فيها روافد متعددة, أهمها تحركات فئات بعينها ( الأساتذة المتدربون_ الأطباء...) حددت أرضية نضالية مركزة و دقيقة, و رسمت أفقا نضاليا واضحا يبتعد عن الطوباوية التي كان سيعيشها لو تدخلت الأحزاب أو التصورات الكوليانية الشعبوية في صياغتها, فاستمرت في نضالاتها رغم القمع الهمجي المنظم و المستمر ضدها.
بالاظافة إلى ذلك ظهرت أصوات أخرى خارج المدار الحظري, أي من الهوامش و التي لوحظ تحركها في الآونة الأخيرة بسبب الوعي المتزايد في هذه المناطق, و انتقال الفعل الاحتجاجي من الجامعة إلى الهوامش و القرى البعيدة : إنه انتقال الخطاب التحرري للشعب المغربي إلى الهامش المقصي من سياسات الدولة التي اعتبرته مغربا غير نافع, فأطر الطلبة بمعية التلاميذ أشكالا احتجاجية غير مسبوقة في التنظيم و الكم و وضوح الأفق و صرامة الشعارات المرفوعة, فانتقل الوعي إلى فآت عريضة من الناس و ظهرت حركات تلاميذية في أماكن معينة و لأول مرة .
و يمكن تحديد تميز الوعي الاحتجاجي لهذه اللحظة من تاريخ هذا الوطن بالخلل العام و الارتجالية في المواقف التي أصابت النظام و أفقدته بعض المكتسبات و آخرها ما وقع في قضية الصحراء حيث فقد هذا النظام كل حلفائه, ما ينم عن فشل ذريع في السياسة الخارجية التي قادها الحزب الإسلامي لفترة طويلة تميزت بنكسة ديبلوماسية بعد أخرى. لقد فشلت السياسة الخارجية لأن البنية الحاكمة لا رؤية سياسية إستراتيجية وطنية لها, ليس لها رجال قادرين على الدفاع عن قضية هي من أثقل و أعمق القضايا المطروحة على الساحة السياسية و حتى الأمنية للوطن, و هي قضية بقوتها تحتاج إلى مناضلين شرفاء و طنين و ليس إلى فكاهي يقضي وقته في إضحاك مريديه تحث قبة البرلمان أو في تصريحاته موظفا أعرق رموز الوطن الثقافية و جعلها نكثا يستهزئ بها و ينفس عن كبثه العرقي اتجاه شعب محدد. لهذا وقف النظام برمثه ضعيفا أولا أمام العالم أجمع ثم أمام الشعب بحيث أفال نجم "الوطنية" الزائفة التي حاول تصديرها و الترويج لها, وهي اشتراط الوطنية بالإيمان بموقف النظام من قضايا وطنية كمشكلة الصحراء. و هو ارتباك ظهر على مستوى مسيرة 13 مارس الأخيرة بالرباط , التي زعزعت مفاهيم الوطنية العرجاء المصطنعة التي تغنى بها النظام و محيطه, و شوهت سمعة المغاربة عموما و المشاركين في المسيرة أساسا خصوصا النقابات و الأحزاب و الفعاليات و بعض المنتسبين إلى "المثقفين", كما عرت حقيقة السلطة المركزية و المحلية التي ما زالت تمارس نفس آليات التعنيف و التدجين بإرسال المواطنين دون أن يذروا مع من و ضد من يحتجون, و لكم في فيديوهات المسيرة أكبر الدلائل.
إن كل هذه المتغيرات رافقتها مواكبة إعلامية رهيبة على مستوى المواقع الاجتماعية, كانت مواكبة ناقدة, فاحصة , ناقلة لهامش و خفايا الأحداث التي يتغاضى عنها الإعلام الرسمي عنوة, كانت مواكبة جعلت جزءا كبيرا من الذين يثقون بحسن نية في السلطة يرتدون عن هذه الثقة , بل و انحازوا للخط الاحتجاجي و بدؤوا بتوجيه أصابع النقد لها و لممارساتها, كل هذا و المخزن عاجز عن التدخل للخروج من مأزق لا تستحسن عواقبه.
إننا اليوم إذن أمام لحظة حاسمة من تاريخ الوطن, يحتاج فيها الكل للكل, مرحلة انهارت فيها الأنساق الكبرى التي ادعت دوما تمثيليتها للشعب وحملها لخطاب تحرره وأبانت عن عجزها . نحن أمام مرحلة تفرض على كل الديمقراطيين العمل على الدفع بالفعل الاحتجاجي بالروح الوطنية المدافعة أولا عن الحق في الحياة, دون ادعاء الوصاية أو السيادة أو القيادة, مرحلة تفرض علينا توعية المجتمع بما له من حق في ثرواته و حقه في عدالة اجتماعية و ديمقراطية سياسية. و أرضية حركة 20 فبراير أرضية تاريخية من الممكن الانطلاق منها مع ضرورة إجراء تعديلات و إضافات و تدقيق و جرأة في بعض البنود و المطالب, وهي تغيرات يبقى تقديمها على عاتق الديموقراطين في هذا الوطن, و إن كل فعل احتجاجي اليوم ستكون له نتائج ايجابية حتما لكونه كما أكدنا سلفا , مراكمة للفعل الاحتجاجي الثري قبله.




نشر الخبر :
نشر الخبر : موقع ينايري
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية،.