آخر الأخبار :

ظاهرة "الإرهابي" المغربي : الأسباب و الحلول !

بقلم عبد الرحيم إدو صالح
من خلال معاينة مجموعة من الأحداث ، وقعت هنا و هناك ، داخل أو خارج أرض الوطن ،قاسمها المشترك هو العنف و ممارسته ، يتضح جليا أن الضحية الأولى لهذه السلوكات هي الحرية الفردية للمواطنين ،ثم سمعة و مستقبل الوطن في القادم من الزمن . فعلى المستوى العام ، ثم إدراج أسماء العديد من المواطنين المغاربة ،أو ذوي الأصول المغربية في لوائح الجهاد ، أو منفدي عمليات إنتحارية في الكثير من مدن العالم المتقدم ، وكان آخرها ما حدث بمدينة "بروكسيل "،حين قام مغاربة بالتخطيط و تنفيد عمليات إرهابية راح ضحيتها أناس أبرياء عُزَّل، أتتهم النار و الموت من حيث لم يحتسبوا . كما أن الرحلات الجهادية اتجاه بلاد الرافدين و الشام ، أصبحت حلم العديد من الشباب المغاربة و الذين حزمو حقائبهم و تسللوا، أو خرجوا بشكل قانوني و غادروا الوطن متوجهين إلى الموت في أرض لا يعرفون عنها شيئا.
وعلى المستوى الداخلي، فإنه قد تم تسجيل و الوقوف على ممارسات عنيفة ، في الشارع العام و بشكل علني على مجموعة من المواطنات و المواطنين من طرف عصابات أو أشخاص معينين ، سواء بالسب أو الشتم أو الإهانة، و ممارسة العنف بشكله المادي المباشر في غالب الأحيان، هؤلاء يقومون بنشر أفعالهم و تصوفاتهم في مواقع التواصل اﻹجتماعية ، يتباهون بها كأنهم يقومون بغزوات مباركة مقدسة ، كما أنهم يُبررون أفعالهم بمقولات من قبيل " الدفاع عن المقدسات "، وفرض احترام " الأخلاق العامة" ، و في غالب الأحيان يتم تبرير العنف بذريعة "النهي عن المنكر".
و لقد تتبع الكل ما وقع في فاس حيث تم تعنيف أحد المواطنين المثليين في الشارع العام ، ثم ما نُشر هذه الأيام على صفحات الأنترنيت ، لمجموعة من اﻷشخاص اقتحمو منزل شابين مثليين وضربوهما بشكل عنيف . ويُفهم من خلال طريقة تعنيفهما أنهم يحاولون قتلهما بكل برودة ووحشية . دون أن ننسى ما وقع في الصيف الماضي و القضية التي عُرفت "بفتاتي انزكان" ، والتي كان وقعها أكبر، نتيجة دخول رجال اﻷمن على الخط و اعتقال الفتاتين ، في حين بقي الجناة أحرارا دون مساءلة قانونية تُذْكر .
إن من واجبنا ، كفاعلين في حق الحريات العامة و حقوق اﻹنسان ، أن نقف وقفة تأمل لهذه الصور المشينة و التي ترجع بنا إلى عهد ما قبل القانون و مفهوم الدولة و التخصصات القانونية ، تعود بنا إلى أعراف الغاب في مجتمع لا مؤسسات فيه ولا نظام حكم ، إلا ما تُمليه الشهوة و اﻷهواء و الميولات الغريزية للإنسان ، إذ تصبح ممارسة العنف مبرَّرة بوهم ما ، في حين أنها ليست إلا تعبيرا
عن عُقَدٍ نفسية وجب تفكيكها قصد تجاوزها الى الأبد . معناه أنها عقد لها أسباب واقعية ملموسة يمكن قياسها ومعرفتها، والتخلص منها.
لقد حمل النظام التربوي للمغرب ملامح عن خطاب يدعو لتمجيد "الذات "و الدين "و "الانتماء العرقي" ك
گ "العروبة و اﻹسلام " و "خير أمة أُخرجت للناس" ، خطاب مدرسِيٌّ اعتمد في مجمل أفكاره علو دين واحد "للأمة" ، و كأن المغرب فيه مسلمون فقط ! كما انطلق هذا الخطاب من مبدأ سمو الدين الذي يتبناه هذا الشعب ، بالتالي ،سمو المنظومة الأخلاقية التي تُسْتَسْقى منه ،و اعتبار كل مخالف عنها بمثابة مارِقٍ "خارج عن الدين". ولمواجهة و معاقبة هذا "الخارج" عن المجموعة ، يثم الرجوع الى الدين، و لهذا نسمع في المجال العام عبارات من قبيل " حد الردة " ، أو " الديوتي" وكلها مفاهيم مأخوذة من الحقل الديني الذي يُنظر إليه كمقدس.
و النظام التربوي في إيمانه بقدسية نمط أخلاقي معين ،واعتبار المجتمع بنية واحدة تتماسك بالمعتقد و اﻷخلاق ، فإنه ُيربي فرداً / أفراداً يرى في الآخر المخالف كائنا مجرما وجبت محاربته و وجب قتله وتعذيبه ،ويتم هذا السلوك العنيف بكل عفوية وراحة نفسية، لأن المواطن يعتقد وأنه يقوم بواجبه . باﻹضافة إلى ذلك ، مازالت مقرراتنا التربوية مليئة بقصص من "التاريخ الإسلامي " لشخصيات معروفة ذات وزن ،مارست العنف أو دعت إليه . كما أن قضية النهي عن المنكر لازلت من بين أهم المبادئ اﻷخلاقية التي يُرَبي عليها المتمدرسون في المدارس و الجامعات و خطابات المساجد ، زد على ذلك الحساسية المفرطة لنقاش قضايا مرتبطة بالمعتقد داخل الفصول الدراسية ،باستثناء بعض المواد والتي يُخاطر فيها بعض الأساتذة النبلاء في طرح مفاهيم لإعادة التفكير فيها، و طرح السؤال حولها ، ويكون هذا الأستاذ غالبا محط مراقبة و مساءلة دائمة من طرف الجهات الوصية عليه إداريا.
أمام كل هذه التفاصيل أعتقد، و في غالب الظن، أننا لسنا بحاجة لداعش و فقهائها، كي يتم شحن المواطن بعقيدة العنف و اﻹرهاب و الإعتداء على الآخر بتهمة"الأخلاق" أو "الدفاع عن الدين" ، ثم تبريرها بالكتاب و آياته ، أو بالسنة و السيرة، لسنا بحاجة إذن لخطباء الدعوة للجهاد ،فمدرستنا و نظامها التعليمي تَكلَّف بذلك على مر عقود، و يكتمل شحن المواطن في المساجد و مجالس الإفتاء و الدعوة ، و عبر أشرطة صوتية أو مصورة توجد بكثرة في أسواقنا المحلية بأبخس الأثمان .
داعش إذن موجودة في منظومتنا التربوية قبل أن تكون في المجال العام، وقبل ان تأتينا من العراق و سوريا ، بالتالي يبدو أن المواجهة يجب أن تبدأ من هنا قبل أي مكان آخر .
إن الحل اﻷمثل لهذه المعضلة يكمن في مراجعة المقررات التربوية ، بحيث تثم صياغتها لتشمل ثقافة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا ، دون إقحام الخصوصيات البليدة الجوفاء و جعلها مطيَّة لشرعنة القمع . بالإضافة إلى أن أي تغيير دموقراطي في البرامج التعليمية يجب أن يأخد بعين الإعتبار تربية المتعلم على وجوب احترام اختيارات الآخر، و عدم التدخل في حياته الشخصية أوإلزامه بالتباع منظومة أخلاقية محددة سلفا.
على المدرسة و الجامعة أن تُخَرِّج مواطنا لا يؤمن بثقافة الاستقزاز العاطفية ، بل مواطنا عقلانيا يستخدم العقل قبل العاطفة ،يكون إنسانا قبل أن يكون متدينا ، إنسانا متَحَلِّيّا بروح المواطنة الحقة ، تكون بدايتها حب المواطن الآخر و احترام اختياراته العقدية ،والفردية و السياسية و دوقه وميولاته الجنسية و مواقفة الإيديولوجية في جو حر ينظمه القانون.
غير أن إعادة النظر في المنظومة التربوية ليس كافيا، بل على الدولة أن تلتزم بدورها ، و تقوم بوظيفتها لحماية المواطنين من تسلط بعضهم على بعض ، لأن بقاءها في موضع الحياد يعيدنا الى زمن غابت فيه الدولة و سلطتها .
بالتالي فالجزء الثاني من الحل لهذه الإشكالية بتلخص في الجرأة على سَنِّ قوانين زجرية واظحة ، يتم اﻹعلان عنها في اﻹعلام العمومي ،وفي واجهات المدارس واﻷماكن العمومية و اﻹدارات وهي قوانين تمنع المس بأمن المواطنين و سلامتهم الجسدية و تُجَرِّم كل فعل يقوم به أحدهم من تلقاء نفسه ،كما أنه يجب سن قانون يضع فعل ممارسة "العقاب" بين يدي الدولة و حكرا عليها، و حتى و إن تَبُث جُرْم أحدهم وقيامه بفعل خارج القانون .
هذا و على المشرع أن يُجَرم و يعاقب بأشد العقوبات ، على كل فعل، مُمَارس من طرف جماعة من شخصين أو أكثر على شخص ما ، بدريعة الأخلاق أو الدين و المعتقد ؛،هكذا وفقط يمكن أن تصبح الدولة دولة عدالة و ديمقراطية ، إذْ إليها يَؤُول عقاب الجناة و المجرمين ،فالحكم على أحد ما، ليس من اختصاص المواطنين العاديين ، بل من وظيفة المحاكم المختصة وفقط ، و التي ستعتمد في أحكامها على قوانين اتفق عليها الجميع و قبلها .
إن قبول القوانين الداعية للحريات الفردية والداعمة لها ، لابد أن تسبقه عملية توعية المواطنين ، لأن مسح أفكار الوهابية التي لطالما تلقوها من المدرسة أو الشارع أو الإعلام العمومي ، ليس بالأمر الهين بل يتطلب عملا جادا يُشرف عليه مختصون متشبعون بثقافة حرية الإنسان و حقوقه، و هذا من طبيعة الحال، دور الدولة والتي يجب عليها دعم الفاعلين في هذا المجال ، على اﻷقل ، بتوفير هامش الحرية اللازمة لقيامهم بوظيفتهم اﻹجتماعية ، لأنه منطقيا لا يمكن لشعب لا يؤمن بالحرية أن يقبل الحق في الحرية .
ومنه فإن صفة العنف التى بِتْنا نُعاينها في الإنسان المغربي، ليست فطرية فيه، وليس قَدَرُ المجتمع أن يكون هكذا ، بل هذه الصورة المظلمة ، القاتمة، ليست إلا نتيجة عقود من التدجيين و حَشو العقول بأفكار السُّمُوِ، و التفوق العرقي و الديني ، فأصبح المواطن يعتقد نفسه إلها على الأخلاق ، و نبيا على العقيدة، و سيفا على رؤوس المخالفين دون حسيب و لا رقيب . بهذا التصرف ، يكون دور الدولة قد هُمش ثماما ، و لكي تتحمل هذه الأخيرة مسؤوليتها عليها أن تتدخل لتجفيف مستنقع الإرهاب للقضاء على عنف البعوض، و مستنقع البعوض/الإرهاب في وطننا تحتظنه المنظومة التعليمية، و يُصبح شرعيا في غياب الترسانة القانونية المؤطرة للفضاء العام ، باعتباره مشتركا بين الجميع، و من حق الجميع ممارسة حرياته فيه بتلقائية و في أمان ثام.






نشر الخبر :
نشر الخبر : موقع ينايري
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية،.