آخر الأخبار :

القرآن صادر عن نور إلهي فعلا لكنه ليس كلام الله في الأخير

الحلقة الرابعة من كتاب " الحداثة والقرآن للباحث المغربي سعيد ناشيد .
ما الوحي؟

«الحضارة الإسلامية... حضارة فقه »، يقول الجابري))).
لكن، لربّما كان محمد علي الطباطبائي أكثر دقة –ربما من حيث لا
يحتسب- حين قال : «الحضارة الإسلامية إنما هي حضارة النص، وعلى رأسه نص القرآن الكريم »))). غير أن السلطة المعرفية للنص الديني لم تترك للعقل العربي الإسلامي من هامش لحرية التفكير خارج نطاق تفسير وتأويل «النص التأسيسي ». فالرّاجح أن لحظة تدوين القرآن تمثل نسق الإسناد المعرفي والفعلي للعقل الإسلامي، خلاف ما يسميه الجابري وقبله أحمد أمين، ب «عصر التدوين »، الذي امتدّ بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجريين. ليس تاريخ الثقافة الإسلامية سوى تاريخ تفاسير وتأويلات وشروحات ظلّت تحوم، وعياً أو لاوعياً، حول نص تأسيسي أو مرجعي كان ولا يزال يمثل نسق الإسناد المعرفي، ومن ثم يُجسِّد عقال النظر العقلي ولجام الاجتهاد الشرعي.

))) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى 1984 ،
ص: 96 .
))) آية الله محمد علي الطباطبائي، مجلة البصائر، بيروت، العدد 22 ، شتاء 97 ، ص : 127 .

هكذا، مع استنفاذ ممكنات التفسير والتأويل عن مواجهة المعضلات التي فرضها العصر الحديث، توقف العقل الإسلامي عن الحركة، وأصابه العطب. وإذ يظن محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وأبو يعرب المرزوقي ومحمد شحرور، وكثيرون غيرهم، أنّ معركة تأويل النص الديني لا تزال مفتوحة على ممكنات الاستئناف، وهي مفتوحة حتى أمام القوى العقلانية والعلمانية لتخوضها وتدلو بدلوها، فإني، خلاف ذلك الظنّ، أفضِّل اقتراح فرضيات عمل أكثر معقولية وتواضعاً.
بكل تجرّد، وبعد كل هذا التاريخ الطويل للنص القرآني الذي صيّره المسلمون نصاً مغلقاً، بل سلطة مطلقة، يتوجب الاعتراف في الأخير بأنّ تفسيرات وتأويلات الخطاب القرآني قد استنفدت محاولات العصرنة والتحيين، وما عاد يفيد بالتالي أن نضيف إليه فهماً جديداً سواء باعتماد التأويل الباطني )الفرق الباطنية(، أو التفسير الظاهري )ابن حزم(، أو التفسير الإشهادي )ابن عربي(، أو التفسير البلاغي )الزمخشري(، أو التفسير الفلسفي )فخر الدين الرازي(، أو تفسير القرآن بالقرآن )محمد حسين الطباطبائي( أو التفسير الاجتماعي )محمد عبده(، أو التفسير الحركي )محمد حسين فضل الله(، أو التفسير الاصطلاحي )محمد شحرور(، أو نحو ذلك. فمن خلال كل الأوجه المتاحة والممكنة، يبدو أن المحاولات الجديدة، لم تستطع أن تنجح في دفع المجتمع الإسلامي نحو عالم الحداثة السياسية وتقبّل الحريات الفردية وحقوق الإنسان، بل ظلت هامشية وعاجزة عن انتاج قوى حقيقية في هذا المجتمع تستطيع مواجهة قوة التأثير التي يمثلها الإسلام الأصولي والسلفي الذي أنكر حتى مشروعية هذه المحاولات ووصفها بصفات تمتد ما بين الرفض والخروج على الدين والكفر. ولم يخرج حتى «الإسلام المعتدل » عن دائرة هذا التفسير. بل وبسبب الخوف من قول الحقيقة عارية، غابت النصوص التي تذهب الى لب المشكلة: مواجهة مقولة الإسلام دين ودنيا، أي مواجهة حصر الدين بالعبادات والطقوس من جهة، والشريعة من جهة أخرى. هكذا غاب الدين الذي قوامه الإيمان بالله، وهو إيمان فردي لا يمر عبر أي نص أو داعية أو مؤسسة، أمام دين الدنيا الذي قوامه الشريعة والتكاليف.
وعلى سبيل الاستدلال، لسنا بقادرين اليوم على تصوّر أي تأويل حقوقي ومساواتي للآية ) للذكر مثل حظ الأنثيين( سورة النساء، الآية 11 ، إلاّ أن يكون تبريراً لظروف نزول الآية بالنظر إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي القائم زمن الرّسول، مثلما يفعل -بصيغ مختلفة- كل من أبي يعرب المرزوقي ومحمد عابد الجابري ومحمد شحرور، وذلك ابتغاء رفع الحَرَج عن هذا الحكم الذي يلتفّ عليه حتى المسلمون أنفسهم بتبريرات لاتتفق مع النص، فلا يُعاقب الذي يورّث خلافاً لحكم الآية مع أن عمله مخالفة لحكم فيه نصّ صريح. إلاّ أننا بهذا المنطق التبريري نقف
موقف التماس الأعذار والبحث عن ظروف تخفيفية لأحكام، وردت في القرآن، تبدو وكأنها مجحفة بمقاييس العصر. بل لعلها تنكأ الجرح الذي تطلق عليه رجاء بن سلامة ب «جرح التفضيل الإلهي » للذكور على الإناث))). ذلك الجرح الذي ليس بوسع أي

))) رجاء بن سلامة، جرح التفضيل الإلهي، موقع الأوان، 01 آذار )مارس( 2007 .

تأويل جديد بلسمته، عدا اللجوء إلى آلية التعطيل، أو تجميد حكم
الآية. إلاّ أن حيلة التعطيل تطرح إشكالات لا تقنع العقل السويّ ولا هي ترضي الفطرة السليمة.
إذاً، لا بد أن نواجه السؤال : ما مصير «النص الديني ؟» بالتأكيد، القرآن كلام نتلوه ونرتّله في صلواتنا ونتعبَّد به، هكذا كنا ولا نزال. وهذا لا يطرح أي مشكلة دينية أو سياسية.
لكننا حين نضفي عليه صفة الدستور الإلهي فإننا لا نفعل سوى أن نقيِّد آراءنا ومواقفنا السياسية بمفاهيم وتصوّرات تنتمي إلى عصر نزول القرآن، عصر ما قبل نشوء الدولة الحديثة.
ولعل التعصب الذي يبديه عدد من المسلمين غالباً أو أحياناً حول المفاهيم السياسية )وتحديداً ما قبل السياسية( الواردة في الخطاب القرآني، لا يعدو أن يكون تغطية على أحكامِ نصٍّ صيّرناه «مقدساً »، وجعلناه مؤبَّداً، مع أنه لا يناسب سوى المستوى النفسي والاجتماعي واللغوي لإنسان العالم القديم.
ولسنا نجد من حيلة لتحيين أحكامه أو لعصرنتها سوى التحايل والالتفاف عليها وتعطيل بعضها أو أكثرها. ثم يسكت الإسلاميون النّفعيون عن هذا التعطيل أو يسمونه تعطيلاً مؤقتاً لغاية تحقيق يوطوبيا المجتمع المسلم «جداً » في ميقات يوم غير معلوم. هكذا يقول لسان حال جلّ الإسلاميين اليوم. لكن مثل هذا الإخراج المهدوي لا يخفف شيئاً من الإحراج ما دمنا نعتبر النص وصايا وأحكاماً إلهية مطلقة الصلاحية التشريعية في كل زمان ومكان.
لذلك، داخل سياج النص، عادة ما ينهزم أنصار العقل أمام أنصار النقل بفارق كبير في النقاط. بل عادة ما ينهزم حتى أنصار النقل المعرفي أمام أنصار النقل الحَرفي. اللّهم إ اذا قرّرنا في الأخير تحييد النص عن حلبة الصراع السياسي. وهذا خيار عملي لكنه يحتاج لسند نقلي. ولا بأس في ذلك.
بكل تجرّد، أيضاً، مشكلتنا مع الخطاب القرآني أننا لم نعد نعيش في زمن السبي والفيء والجزية و)ما ملكت أيمانكم(؛ لم نعد نعيش في زمن )النفاثات في العقد( و)عتق رقبة( وزواج أو طلاق )اللائي لم يحصنّ(... إلخ. لذلك أصبحنا أمام الكثير من الأحكام والمفاهيم والتصورات القرآنية نشعر بالحرج والارتباك، وأصبحنا ندرك غربة «النص المقدس » في العالم الجديد. وأحياناً، نناور باللغة الى حد اللغو كما يفعل محمد شحرور وآخرون.
وهكذا يبدو «المعتدلون » في موقع التبرير والتحايل، وفي المقابل، يبدو السلفيون المتشدّدون وكأنهم صادقون مصدِّقون لما بين أيديهم من صريح النص! إزاء هذا الموقف، لا يملك «المعتدلون » من فرصة للتخفيف من الحَرَج سوى ادعاء أن تلك الأحكام، التي تحاور مجتمعا بدوياً من مجتمعات العالم القديم، تحتاج إلى اجتهاد لا يزال معلَّقاً أو
مفتوحاً على أفق «غير منظور ». أو إنهم، أحياناً، يلوذون بالصمت.
سأحاول أن أبسط فرضيات حول الخطاب القرآني. لكن، قبل ذلك، أودّ التذكير بمنهجية بالغة الوضوح والأهمية :
نستطيع أن نحكم على كل فرضية جديدة بأنها صالحة أو أكثر صلاحية، حين يكون بوسعها أن تفسِّر عدداً أكبر من الظواهر وتحل عددا أكبر من المسائل. وعلى هذا النحو سنرى كيف أن فرضيتنا بوسعها أن تفسِّر عدداً أكبر من الظواهر وتحلّ عدداً أكبر من المسائل. وعلى الأقل، فإنها تفعل ذلك بنحو أكثر معقولية وانسجاماً.
وأيضاً، أرى لزاماً أن أثير اعترافاً صريحاً، من باب صدق الأقوال على الأقل:
هنا لستُ أزعم لنفسي أي جدّة عدا إعادة تنظيم بعض المعطيات التي ذكرها كل من عبد الكريم سروش في كتابه بسط التجربة النبوية، والشيخ محمد مجتهد الشبستري في كتابه قراءة بشرية للدين، فضلا عن بعض محاضرات أحمد القبانجي.
ملخص ما يقوله المصلحان الدينيان الإيرانيان عبد الكريم شروس والشيخ محمد مجتهد الشبستري، وكذلك ما يردده عالم الدين العراقي أحمد القبانجي، هو أنّ القرآن صادر عن نور إلهي فعلا لكنه ليس كلام الله في الأخير. إنه -يقول القبانجي- وحي نابع من وجدان الرسول. ولذلك يكون الوحي تابعاً لشخصية الرّسول –يقول سروش- وليس العكس، ولذلك أيضا –وكما يوضح الشبستري- فإن الأوامر والنواهي في القرآن ليست أوامر ونواهي الله لكنها أوامر ونواهي النبي المؤيَّد من الله، أي أنها أوامر ونواهي مقيَّدة بقيم عصر الرّسول.
على الرغم من أن رؤية هؤلاء المصلحون غير مقبولة من التشيع الرّسمي، فإن ميزة سروش أنه يقول ذلك القول وهو يحمل صفة عالم دين، وميزة الشبستري أنه يقول ما يقوله وهم يحمل لفب شيخ ديني، وميزة القبانجي أنه يستطيع أن يقول رأيه وهو يرتدي جبّة رجال الدين، أما أنا فلست أحظى بمثل هذه الميزات. لكني من دون هذه المميزات، وانعكاساتها في الذهن وفي الاجتماع، ربما أذهب غير مذهبهما العرفاني، وربما أبعد من ذلك قليلا أو هكذا آمل.
مقصود القول : إننا، وعلى سبيل التوضيح، نستطيع أن نقول بكل تجرّد : مثلا، ليس الله تعالى ذِكره هو الذي قال حرفياً )ويل لكل همزة لمزة( كما وردت في القرآن المحمدي! لكن مثل هذا الأسلوب يظل الصياغة اللغوية التي اختارها الرّسول للتعبير عن إشارات الوحي الإلهي كما تمثّلها.
ما يعتبره القبانجي نوراً إلهياً يغمر قلب الرّسول ليس سوى تعبير، قد لا يخلو من غموض، عما يسميه الفارابي وابن سينا وصدر الدين الشيرازي وابن عربي والكثير من الفلاسفة شرقاً وغرباً، بالقوة التخييلية للأنبياء والرّسل.
أيا يكن، أهمّ ميزة تُميز الرّسل -حسب تأكيد ابن عربي وتوضيح سبينوزا- ليست العلم أو المعرفة، وإنما هي مَلَكة الخيال، التي هي وسيلة الاتصال بالصور الوحيانية والإشارات الرّبانية. يقول سبينوزا عن آيات الوحي إنها، نظراً إلى أن مقصودها لم يكن سوى إقناع الأنبياء، فقد «كانت تتفاوت تبعاً لآراء الأنبياء وقدراتهم، بحيث لا يمكن للآية التي تعطي اليقين لهذا النبي أن تقنع آخر مشبعا بآراء مختلفة. لذلك، اختلفت الآيات باختلاف الأنبياء وكذلك اختلف الوحي عند كل نبي طبقاً لمزاجه على النحو التالي: إذا كان النبي ذا مزاج مرح توحَى إليه الحوادثُ التي تعطي الناس الفرح مثل الانتصارات والسلام. وبالفعل نجد أن من لهم هذا المزاج قد اعتادوا أن يتخيلوا أموراً كهذه.
وعلى العكس من ذلك، إذا كان النبي ذا مزاج حزين توحَى إليه الشرورُ كالحرب والعذاب. وإذا كان النبيّ رحيماً ألوفاً غضوباً قاسياً... كان قادراً على تلقي هذا الوحي أو ذاك. كذلك فإن فوارق الخيال تكون على النحو الآتي : إذا كان النبي مرهفاً فإنه يدرك فكر الله ويعبّر عنه بأسلوب مرهَف أيضا. وإذا كان مهوَّشا]![ أدركه مهوَّشاً. ومثل هذا يصدق على الوحي الذي يتمثل بالصورة المجازية: فإذا كان النبي من أهل الريف كانت صورة الوحي متضمِّنة للأبقار والجاموس، وإذا كان جنديا تكون صورة قواد وجيش، وأخيراً إذا كان رجل بلاط تمثَّل له عرش ملك وما شابه ذلك .
...........
(((»
هذه الأطروحة قد نجد لها جذوراً أو إرهاصات في التراث الصوفي الإسلامي. إذ كتب عبد الكريم شروس في أحد هوامش بسط التجربة النبوية: «مما يجدر ذكره كلام سلطان ولد، ابن مولانا جلال الدين الرّومي، في بيان العلاقة بين الشرائع السماوية وصفات الأنبياء وخصوصياتهم. يقول : إن اختلاف الشرائع يعود إلى اختلاف خصال الأنبياء، فكل شريعة جاءت متناسبة مع مزاج وطبيعة النبي المبعوث بها .(((»
))) باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، دار التنوير،
بيروت، الطبعة الأولى، 2005 ، ص : 146 .
))) عبد الكريم شروس، بسط التجربة النبوية، ترجمة أحمد القبانجي، منشورات الجمل، بيروت-
بغداد 2009 ، ص : 26 .
.......
على ضوء هذه الأطروحة التي تحاول قدر الإمكان تحرير الدين من السحر، بوسعنا أن نلاحظ كيف أن الوحي عند خاتم الأنبياء والرّسل جاء شاملاً لكل ذلك التنوع في الخيال والمشاعر والانفعالات، وذلك بسبب شخصية النبي محمد الحسّاسة التي جعلته سريع التفاعل مع مختلف الظواهر الاجتماعية التي كان يُعاينها. وكثيرا ما كان يدخل في صراع نفسي مع رغباته ونزواته المتنافرة أحيانا، وكثيراً ما وبّخه وأنّبه الوحي القرآني نفسه في إطار الصراع النفسي الذي كان يعيشه. وإن كانت لنبيّ الإسلام من شهامة مشهودة، فإنها تتجلّى في كونه لم يتحرّج من تضمين القرآن سوراً وآيات توبِّخه وتؤنِّبه، ليقرأها الناس حتى في المساجد وأثناء
صلواتهم.
عموماً، انعكست تلك التوتّرات الإنسانية على المزاج العام للآيات القرآنية، والتي جاء بعضها حادّاً عنيفاً، وبعضها الآخر جاء مرناً متسامحاً، وأحياناً يكاد بعضها يناقض بعضها الآخر، وهكذا دواليك.
ليس القرآن إذن بنص مكتوب على لوح سحريٍّ محفوظ، ثم نزل من السماء العليا إلى مسامع الرّسول، بل القرآن الكريم خطاب لغوي وبشري للوحي الرباني، خطاب أنجزه الرّسول، عبر قوّته التخييلية، وانطلاقاً من ثقافته وبيئته ولغته وشخصيته.
وفي ذلك نلاحظ وجود أربع سمات طبعت آيات القرآن :
-1 إنها لم تكن دائماً على نفس المرتبة من القوة والإتقان.
وهذا ما يفسر ظاهرة وجود آيات محكمات وآيات متشابهات. وهو ما تعبِّر عنه الآية : )هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرٌ متشابهات( سورة آل عمران، الآية 7.
يقول جلال الدين السيوطي: «قال تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات. وقد حكى ابن حبيب النيسابوري في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها أن القرآن كله مُحْكَم لقوله تعالى كتاب أحكمت آياته؛ الثاني كله متشابه لقوله تعالى كتابا متشابها مثاني؛ الثالث وهو الصحيح انقسامه إلى محكم ومتشابه للآية المصدر بها. .(((»
وإن اختلف العلماء في تحديد الآيات المحكمات والآيات المتشابهات، فقد اتفقوا عموما حول أن الآيات المتشابهات هي الأقل وضوحاً. ويعرض السيوطي لأهم الأراء التي تبين ذلك الاتفاق :
«وقد اختُلف في تعيين المحكم والمتشابه على أقوال. فقيل المحكم ما عُرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطَّعة في أوائل السور. وقيل المحكم ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه. وقيل المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا،والمتشابه ما احتمل أوجها .
(((»
-2 انها ليست دائما على نفس المستوى من القيمة والأفضلية، وأن هناك آيات «خير » من آيات أخرى، بحسب ما تعبر
............
))) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان،
الطبعة الأولى، 1996 ، ج: 2، ص : 5.
))) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج : 2، ص : 4 و 5 عنه الآية )ما ننسخ من آية أو نُنسِها نأت بخير منها أو مثلها( البقرة- 106 .
........
وهناك آيات «أحسن » من آيات أخرى، بحسب ما تؤكده الآية )واتّبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم( الزمر، الآية 55 .
ثم إن الرسول نفسه يعترف بأن بعض السور والآيات القرآنية تتمتع بالأفضلية، مثل آية الكرسي وسورة الإخلاص. بل كان يصر على اعتبار الفاتحة هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم، في صيغ كثيرة رواها البخاري ومسلم وغيرهما. وفي كل الأحوال، إن الآيات والسور «المفضَّلة » لا تدخل ضمن الأحكام والشرائع وإنما ضمن آيات التعبّد الربوبي الخالص.
-3 انها ليست معصومة عن الخطأ، سواء بسبب الصراع النفسي الذي عانى منه الرسول، أو جراء ظروف إملاء وكتابة المصاحف قبل ظهور قواعد جامعة للغة العربية. وهذان الاعتباران يفسران ظاهرتين اثنتين:
-أولاهما، تسرّب بعض الآيات الشيطانية قبل نسخها، في ما تبرره الآية )ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته فنسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم( سورة الحج، الآية 52 .
-ثانيهما، تسرّب الكثير من الهفوات والهنات النحوية إلى مصحف عثمان، باعتراف القدامى أنفسهم. سنذكرها في سياق تناول الموضوع.
-4 إن الرسول قد اكتفى أحياناً لدى صياغة بعض الآيات بما بلغ إلى مسامعه من عبارات قالها آخرون من الصحابة، في ما اصطلح عليه ب «ما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة .»
وعلى سبيل الاستدلال نذكر، ضمن ما أورده السيوطي في الاتقان في علوم القرآن، ما يلي :
«أخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله قال إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه. قال ابن عمر وما نزل بالناس أمر قط فقالوا له وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر .»
وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: «كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن .»
وأخرج البخاري وغيره عن أنس قال، قال عمر : وافقت ربي في ثلاث، قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله نساؤه في الغيرة فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك.
وأخرج مسلم عن ابن عمر عن عمر قال : وافقت ربي في ثلاث في الحجاب وفي أسارى بدر وفي مقام إبراهيم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال قال عمر: «وافقت ربي أو وافقني ربي في أربع، نزلت هذه الآية ولقد خلقنا الإنسان
من سلالة من طين ،الآية، فلما نزلت قلت أنا فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت فتبارك الله أحسن الخالقين .»
وأخرج عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهودياً لقي عمر بن الخطاب فقال : إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا فقال عمر
من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين قال فنزلت على لسان عمر.
وأخرج سُنَيْد في تفسيره عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة قال سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت كذلك.
وأخرج ابن أخي ميمي في فوائده عن سعيد بن المسيب قال :
كان رجلان من أصحاب النبي إذا سمعا شيئا من ذلك قالا سبحانك هذا بهتان عظيم : زيد بن حارثة وأبو أيوب، فنزلت كذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما أبطأ على النساء الخبر في أحُد خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقبلان على بعير فقالت امرأة ما فعل رسول الله قال حيّ قالت فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء فنزل القرآن على ما قالت ويتخذ منكم شهداء.
وقال ابن سعد في الطبقات أخبرنا الواقدي حدثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال : حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فقطعت يده اليمنى فأخذ اللواء بيده اليسرى وهو يقول وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ثم قطعت يده اليسرى فحنا على اللواء وضمّه بعضديه إلى صدره وهو يقول وما محمد إلا رسول، الآية.
ثم قتل فسقط اللواء ، قال محمد بن شرحبيل : وما نزلت هذه الآية
وما محمد إلا رسول يومئذ، حتى نزلت بعد ذلك .(((» إذاً، ليس الخطاب القرآني خطبة إلهية نزلت من السماء جاهزة ناجزة وألقيت على السامعين كما أنزلت بالتمام، إنما القرآن إبداع تمثّلي وتأويلي أنجزه الرسول انطلاقاً من الطاقة الوحيانية التي تملكها، وفي سياق نفسي واجتماعي وثقافي محدّد.
...............
))) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان،
الطبعة الأولى 1996 ، ج: 1، ص : 101 ، 102 .




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.