آخر الأخبار :

كيف كان الرّسول يُترجم إشارات الوحي الإلهية إلى عبارات بشرية؟ الحلقة 5

هناك رأي شائع يجعل من ختم النبوّة رديفاً لكمال النص القرآني، ومن ثم تبقى أحكام القرآن مرجعاً مطلق الصلاحيات إلى أن يرث الله الأرض وما عليها!
عادة ما ينتهي هذا الرّأي إلى ترجيح الخيار الكهنوتي الذي يستند إلى سلطة النص من أجل تسويغ سلطة كهنوتية باسم النص.
قبل أن نسائل هذا الرأي، نريد أن نستفسر أولا : كيف كان الرّسول يُترجم إشارات الوحي الإلهية إلى عبارات بشرية؟
لا جواب في المنقولات، لا جواب في المرويات.
لا سبيل لنا إلى التماس الجواب من دون الاستعانة بالحدس العقلاني. هذا الإجراء ليس عيباً، وسنرى:
لأجل تقريب الصورة بنحو أكثر معقولية، نستطيع أن نتمثل الأمثلة التالية:
من المحتمل أن تكون الإلوهية قد تمثّلت للرّسول في شكل شعور وجداني بأن هناك نوعأً من الروح الكلية أو الكونية.
التي تسري في الوجود، وهو الشعور الذي استوعبه بما كان متاحاً
له وقتها من أدوات وألفاظ وعبارات وأساليب تعبيرية وتصورات ذهنية، ثم حاول ترجمة ذلك الشعور إلى كلمات تصف الله بأنه )هو الأول والآخر والظاهر والباطن( سورة الحديد، الآية 3.
وأيضاً، يُحتمل أن تكون الألوهية الكونية قد تمثّلت له في شكل شعور يوحي بحالة الصيرورة الكونية الجارفة، التي تكلم عنها الحكيم هيراقليطس قديماً، لكن الرسول لم يجد ضمن المتاح اللغوي والثقافي العربي وقتئذ ما يعبر به عن ذلك الشعور سوى عبارة بسيطة ولطيفة تصف الله بأنه )كل يوم هو في شأن( سورة الرحمان، الآية 29 .
وربما تمثلت له الألوهية في شكل الشعور بمقام ملك عظيم جالس على عرشه، أو هكذا تصوَّره أو تخيَّله. غير أنه لم يجد ضمن الجهاز المفاهيمي للغة التي كانت وقتها لا تزال في مستواها الحسي ما يعبر به عن مثل هذا التمثل سوى أن يكتفي بتوصيف حسّي ومباشر يقول عن الله : )ثم استوى على العرش( سورة الأعراف، الآية 54 ، أو )الرّحمان على العرش استوى( سورة طه، الآية 5.
بل ليست اللغة مجرّد أداة للتعبير عن الصور الوحيانية التي يتلقاها الوجدان أو المخيلة، وإنما هي الوعاء الذي يمنح للتمثلات شكلها التعبيري. ولذلك، إن اللغة العربية التي كانت لا تزال في المستوى الشفهي أولا، وفي المستوى الحسي ثانياً، قد منحت للوحي الإسلامي شكلا تعبيريا محدّداً ومحدوداً.
وبهذا المعنى، جاء التعبير النصي عن الوحي الإلهي تعبيراً «محدداً ومحدوداً .»
ولا يظنّن أحد أن في هذا انتقاص من الذات الإلهية. كلا، هو بالأحرى دليل على نقص اللغة وعوز العقل البشري، ودليل على انفراد الله بمطلق الكمال الوجودي، وبأن القدرة البشرية مهمابلغت من مراتب، تبقى أعجز من التماهي مع القدرة الإلاهية.
لقد فهم المسلمون مفهوم ختم النبوة بنحو خاطئ، إذ ظنّوه رديفاً لاكتمال وكمال الوحي الإلاهي، ومن ثم اعتقدوا بضرورة الاعتماد على مرجعية الوحي في حركاتهم وسكناتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إلا أن كمال النبوّة لا يعني كمال الوحي.
ولربما كان محمد إقبال أول من تنبّه إلى خطأ الخلط بين كمال النبوة وكمال الوحي. إذ كتب يقول : «إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها في إدراكها الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها. وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على مقود يقاد منه، وأن الإنسان، لكي يحصِّل كمال معرفته لنفسه، ينبغي أن يُترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو .1»
فما عساها تكون تلك الوسائل إن لم تكن مستمّدّة من العقل الذي هو مَناط التكليف، ومن الحكمة الإنسانية الموصوفة قرآنياً بالخير الكثير، ومن الضمير الأخلاقي الذي يسميه الفقهاء بالوازع، ومن القدرة على الإبداع التي ينكرها الكثيرون لَغواً أو غُلوّاً!؟
وكيف لهذه الوسائل أن تكون وسائل الإنسان إذا كانت محصورة فت التأويلات والتفسيرات والأحكام القاطعة والنهائية للنص الديني كما فهمه الفقهاء وزاد فيه المكفِّرون.

=========
1 محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، دار الهداية للطباعة
والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة 2006 ، ص : 149 .



نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.