آخر الأخبار :

الإلتزام بين الشعر و النثر - نظرة الوجودية -

إن بعض الوجوديين يفسرون أي فعل إنساني يقوم به الإنسان على أساس أنه التزام تجاه الذات و موقف محدد تجاه الذوات الأخرى ، ينهض على أساس الاختيار الحر و المسؤولية الملتزمة في نفس الوقت .
فالوجوديون ينادون بشدة بالالتزام في الأدب ؛ و لكن هذا المفهوم يختلف اختلافا جذريا مع الالتزام الذي نادت به الواقعية الإشتراكية من قبلهامع مكسيم غوركي .
في الواقعية الاشتراكية يكون لزاما على الأديب أن يلتزم بالمبدأ السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي سواء آمن به حقا أو لم يؤمن به . لأن الأدب ليس الا دعاية. إنه يفقد وظيفته في الحياة و يتحول الى معوّق لتقدمها.
أما الالتزام عند الوجوديين فيقوم على إيمان الأديب النابع من داخله على شرط ألا يقف في موقع مضاد للحق و الخير و الجمال ، فللأديب مطلق حرية إختيار موضوعاته التي يوجهها بدوره إلى قراء يتمتعون بنفس الحرية القائمة على الاختيار و المسؤولية و هي الرابطة الوحيدة بين الأديب و القارئ .
و لعلنا لا نجد في هذا إضافة جديدة بالنسبة للالتزام في الأدب .
لكن ما يمكن أن يشكل إضافة حقيقية هو كون الوجوديين يفرقون بين الشعر و النثر . من حيث أن هذا الأخير أكثر قدرة على الالتزام من الشعر .
هذا الفصل ليس على أساس معايير نقدية أو قيم جمالية مقننة مسبقا، لأنه لا يوجد قيم و مقننات سابقة على العمل الأدبي فهي تتكشف أثناء عملية الخلق الأدبي نفسها.
و لكن هذا الفصل يقوم على اختلاف العلاقة بين الكلمة بالنثر عن علاقتها بالشعر ؛ يقول سارتر: أن النثر أكثر تحديدا ووضوحا من الشعر و لذلك فهو أكثر عونا للأديب الملتزم . و عليه فقد كتب رواياته و مسرحياته بالنثر ، فالكلمة في النثر مجرد أداة لتوصيل المعنى ، أما في الشعر فتتحول إلى غاية في حد ذاتها في كثير من الأحيان .
ويقول سارتر في كتابه ما هو الأدب؟ :"إنه إذا كان الشعر يستخدم الكلمات مثل النثر فهو لا يستخدمها بنفس المنهج ، و قد يبلغ به الحدإلى عدم استخدامها بنفس المنهج ، و قد يبلغ به الحد إلى عدم استخدامها على الإطلاق ، وفي أحيان أخرى يضع نفسه في خدمتها فالشعراء لا يؤمنون بفاعلية الكلام و لا يرغبون في اطلاق مسميات على العالم و مركباته" .
و لذلك فالأشياء عندهم تكون و توجد و لا تسمى . و لذلك فهم يقفون في منطقة ما بين الكلام و الصمت اي انهم لا يتكلمون و في نفس الوقت يرفضون ان يصمتوا .
فالكلمات عند الشعراء هي أشياء في حد ذاتها وليست علامة تشير إلى أشياء آخرى . و لكن هذا لا يعني أن الكلمات تفقد معناها و دلالتها لأن المعنى هو الأداة الوحيدة التي يمكن أن تربط الكلمات في وحدة ذات مغرى ، فالكلمة تعكس المعنى و لكنها لا تعبر عنه .

و الشاعر ينظر إلى الكلمات على أنها مرآة العالم التي يرى فيها نفسه على حقيقتها ، و النثر عند سارتر أقدر على الإلتزام لأنه ينتزع الكاتب من حدود ذاته الضيقة و يربطه بالعالم الخارجي ، بينما يلتزم الشعر بإنعكاس الصور الذاتية للشاعر , و لذلك من الصعب أن يكون الشاعر ملتزما لأن الإنفصال بين و بين الكلمة عند التعبير حتمية شعرية , و هنا يتضح إقتراب الشعر من الفنون التشكيلية أكثر من اقترابه من اقترابه من النثر رغم أن الإثنين من الفنون الكلامية .



نشر الخبر :
نشر الخبر : موقع ينايري
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية،.