آخر الأخبار :

الأدارسة: دولة الوهم ووهم الدولة


قد يصاب القارئ المؤمن بإحباط شديد للتعابير الواردة أدناه التي تبدو قاسية ، لكن لا نملك إلا أن ندعوه إلى تعطيل القلب لبرهة وترك مساحة أكبر للعقل،فنبشنا في تاريخنا لا نتوخى منه الطعن في أحد،بل محاولة استقراء تاريخنا بنسق أخر قابل للتطوير والنقد. أكاد أجزم أن لا أمة/شعبا تعرض لهجمات إبادة متعددة المصادر والأشكال مثلما تعرض له الشعب الأمازيغي عبر تاريخه الدامي المجحف، لكن لا يعفيه ذلك من تحمل جانبا غير يسير من مسؤولية ما آل إليه لأنه لم يكن طرفا في تدوين الوقائع،ولم يفصح عن أدواره وأفعاله التي فسرت على أهواء الوافدين المسيطرين، هكذا موقف قبول التذييل ومثل بجدارة التابع لا الشريك، فضاع الجهد وضاعت الهوية، فبعضه إلى المشرق منبطح ،والبعض إلى الغرب مستلب، فأصبح كالفراشة يحوم حول المصباح لا يدري أنه بدنوه منه إلى حتفه سائر، ومن أين له الحكم على المستقبل وهو بماضيه جاهل ؟ وحتى إن أبدى الرغبة في المعرفة سيكتشف في قراءته للتاريخ الرسمي تغييبا كليا وطمسا مقصودا لذاته وفعله لتتشكل لديه عقدة الدونية، فاتحة الباب على مصراعيه لاحتقار الذات وبالتالي لكل الكوارث الفكرية والسياسية والاجتماعية التي لا تهدد فقط شمال إفريقيا بل السلام العالمي، ولنا في تلك الأعداد الهائلة من الإسلاميين المغاربيين التي تقاتل في سوريا وفي كل بقع التوتر تحت راية الجهاد، فيما أصحاب الأرض بجلدهم يفرون،لخير دليل. أكيد أن لتأويل النص الديني نصيب وافر فيما يحدث من نتائج كارثية على جميع الأصعدة،لكن السؤال المقلق لما لا نجد ضمن كل هذه الجماعات الإسلامية المسلحة جنسيات أخرى غير المغاربية كالأتراك والإندونيسيين وغير ذلك من المسلمين الغير العرب؟ ما السر في ذلك؟ أهي أزمة نص أم أزمة الأنا الجماعية المشوشة التي استلذذت مسخها إلى قطيع للنص في تأويلات لا يد له فيها، كما يتلذذ المازوشي بالتعذيب الذاتي؟ فبالرغم من قرب شمال أفريقيا لاِِِؤروبا، فان دخولها التدريجي في الحداثة المصطبغ بالعنف الاستعماري لم يواكبه تنوير للفكر، مما جعل فعل الثقافة يسير ببطء بينما التحول المادي يسير بوتيرة أسرع،إضافة إلى أن الدولة- الوطنية الباحثة على الشرعية التاريخية المتماهية مع الدولة اليعقوبية لكي تحتكر الحقيقة السياسية فرضت تاريخا ملفقا يجعل المغربي غير قادر على النفاذ إلى جهاز قراءة تتلأم مع ظروف نفسه (psyché)، وبالتالي عدم القدرة على التفاعل الايجابي مع هويته وعالمه، مما يؤدي به إلى التمرد الميتافيزيقي اليائس لاستعادة التأويل اللاهوتي المطمئن لأسلاف وهميين . نعم، لقد خلف تأويل النص الديني منذ البدايات الأولى للمرحلة الإسلامية كوارث فكرية و سياسية و اجتماعية؛ فظهرت الطوائف المتناحرة، كل طائفة تعمل على تأويل النص الديني لصالحها، و في نفس الآن تكفر الطائفة الأخرى بتأويل نفس النص؛ و قد تتجاوز ذلك لتغتال رموزها. بدأ تأويل النص الديني مباشرة بعد موت النبي في حادثة السقيفة ، بمقتل سعد بن عبادة ، ذلك الأنصاري الذي أبى أن يذعن بالخلافة لقريش ، بل واتخذت حتى الجن أداة من أدواته لتأييد ذلك التأويل فرووا شعرا قالته الجن تفتخر فيه بقتله:( قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده ×× ورميناه بسهمين فلم نخطء فؤاده) ؛ثم جاء الدور على عمر بن الخطاب واغتالوه؛ و جاء آخرون و اغتالوا عثمان بن عفان باعتماد تأويل نفس النص ؛ بل و أضافوا إلى ذلك أن أهانوه بعد موته باعتماد نفس المنطق . وأول الأمويون النص الديني نفسه و مارسوا أبشع الجرائم في حق شيعة علي بن أبي طالب، ليتعرضوا بدورهم لنفس الجرائم من طرف العباسيين بنفس النص الديني الذي أولوه هم أيضا. بيد أن هذا التأويل للنص الديني لم يكن ليصل آنذاك إلى بلاد الأمازيغ لاعتبارات عدة منها : أن كل المصادر والمراجع التاريخية لم تشر بالمطلق إلى أي جهد يذكر في محاولة تعريف العرب بالإسلام قبل الغزو العربي لبلاد الأمازيغ،فلا إرساليات ولا دعاة يفهمون الناس مضمون الدين الجديد،وبالتالي لا النص الديني وصلهم ولا انخرطوا في أي نقاش أو جدال حول تأويلاته؛ ثانيا حاجة الدولة الناشئة في الجزيرة العربية للأموال -والتي يعتمد اقتصادها على الفيء والسبي والاسترقاق والعبودية- لإسكات واستمالة العرب الغير المستفيدين بعد من غنائم بلاد الفرس والأقباط والأقوام الأخرى التي تم غزوها من قبل ؛وكذا تصدير الباقين منهم درءا لكل منافسة على الحكم، لغزو بلاد الأمازيغ عبر إغرائهم بما سيغنمونه من أموال طائلة حيث سبي أنثى أمازيغية واحدة يعادل ثمنها في أسواق النخاسة بالجزيرة العربية وزنها ذهبا؛ وهو ما توضحه بجلاء الملكة ديهيا بعد استنطاقها لأسراها الثمانين (الذين أسرتهم بعد انتصارها على حسان بن النعمان ) بقولها: [أن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة]1 ويعضده أكثر موقف عثمان بن عفان منذ الغزوة الأولى بقيادة عبد الله بن أبي سرح2 حينما عاهده بخمس الخمس من الغنيمة3 ، وهو حافز قوي ساعد على هزم الأمازيغ في معركة سبيطلة، الذين ذهلوا جراء الهجوم الذي تعرضوا له بدون تمهيدات ولا حتى عبارة ”أسلم تسلم” ، ، ففرضت عليهم جزية قوامها 300 قنطار من الذهب ، تدفع سنويا مقابل ترك افريقية والخروج منها4. ولعل في تلك الأموال الطائلة ما جعل ذي النورين يوزع الذهب على ذويه وأعرابه كما يوزع الشعير بالقفاف ،ما جر عليه نقمة من علموا من بعد أن ما منحهم الخليفة عثمان بن عفان في بداية ولايته لا يساوي شيئا أمام ما وهبه لأقربائه واقتطعه من أراضي شاسعة في الأمصار لبني أمية (وهب مثلا ، لواحد من أبنائه الحارث مجموع ما وهبه للصحابة الخمسة الذين حصر فيهم عمر ابن الخطاب الخلافة : [ لعبد الرحمن بن عوف خمسمائة ألف درهم وستمائة ألف للزبير بن العوام ومائة ألف لطلحة بن عبيد الله وضعفها لسعد بن أبي وقاص… ]5 هذه الأموال المكدسة [ْقتل عثمان بن عفان ولدى خازنه ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم – ثلاثون مليون وخمسمائة ألف درهم فارسي- وخمسون مائة ألف دينار …الخ]6 هي التي أسالت لعاب عدد غير هين من الصحابة بل من بينهم المبشرين بالجنة، فحمل بعضهم السيف على بعضهم، كل يؤلب فريقه بتأويل النص الديني بما يناسب أهدافه ومراميه. أو ليس المتوعد لعلي بن طالب الخليفة الرابع وابن عمه الذي وللاه البصره “لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال (حوالي ستة ملايين درهم فارسي مما تبقى من أموال بيت المسلمين بالبصرة التي سطا عليها وأجير من طرف قبيلة أخواله بني هلال التي وفرت له الأمان حتى بلغ البيت الحرام في مكة،فاستأمن به) إلى معاوية يقاتلك به” هو عبد الله بن العباس؟ وهو أحد أكبر من نقلت عنهم أحاديث النبي (حوالي 1600 حديث) حتى عد لدى علماء السنة حبر الأمة وبحره. قلت هذه الأموال الطائلة المكدسة التي اغتصبت وانتزعت نزعا من أصحابها الحقيقيين في العراق وفارس ومصر وشمال افريقية ،بتعطيل ثلتي القرءان (القرءان المكي 86 سورة) لاسيما الآيات التي تدعو إلى الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن كمثال :(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)7 والدفع بجهاد الطلب الذي تم تحويره من جوهر الدفاع إلى الجهاد الهجومي الذي يتناسب والطابع الهمجي البدوي المنغرس في وجدان العرب والذي لم يستطع الإسلام اقتلاعه ونزعه. إذا، منذ الغزوة الأولى لشمال إفريقيا بقيادة عبد الله بن أبي سرح إلى غاية معركة بقدورة سنة 743م/ 123ه حيث انهزام الجيش العربي البالغ تعداده سبعون ألف رجل، بقيادة كل من كلثوم بن عياض وحبيب بن أبي عبيدة ،والذي أل مصيره إلى ثلث مقتول وثلث مأسور وثلث مهزوم8 وكذا في معركة سبو، كما ذهب ابراهيم بيضون حيث يقول : ”… وبعد معركة سبو انتزع البربر زمام الموقف من العرب الذين تراجعوا عن المغربين ألأقصى والأوسط وانكفئوا داخل القيروان…وفي ذلك الوقت كانت الثورة قد بلغت أقصى مراحل انتشارها،وقطعت شوطا كبيرا في محاولتها الاستقلالية”9 وبالرغم من محاولة العرب استرداد الموقف من خلال معركتي الأصنام والقرن إلا أنه لم يتأتى لهم ذلك بسبب انتقال الصراع الدموي إلى البلاط الأموي بالعاصمة دمشق وفشل خلفاء هشام خلال المدة المتبقية من عمر هذه الدولة من إنقاذ الوضع العربي المتدهور في ما تبقى تحت سيطرتهم بافريقية ،لتسترد شمال إفريقيا الجزء الأكبر من شخصيتها التاريخية بربحها الحكم الذاتي. بالرغم مما عرفه الحكم المركزي، من انتقال السيادة إلى العباسيين ، فقد تواصلت الثورات على مدى خمسة عقود دون أن يستطيع أي من الولاة العباسيين تخطي أسوار القيروان،وتمكن الثوار لفترات متعددة من السيطرة عليها وإلحاق هزائم فادحة بالقوات العباسية ما أرغمها على الرحيل نهائيا بعد فرار محمد بن مقاتل المكي سنة 801 م/184 ه الذي تاه في صحراء برقة دون أن يعرف مصيره بعد ذلك . بتحرير القيروان،تم وضع حدا فاصلا للنفوذ العربي العسكري والسياسي أيضا، فاتحا المجال للتكتلات الثورية التي قادت المقاومة ضد الغزو العربي لشمال إفريقيا على تشكيل كانتونات سياسية مستقلة تتلمس الطريق في إعادة توحيد بلاد الأمازيغ مما أدى في النهاية إلى بروز دولة المرابطين كقوة عظمى تنافس بل تضاهي الدولة الإسلامية في الشرق. ودولة بهذه القوة والحجم، وبهذه الأهمية التاريخية لابد أن تسيل الكثير من الجدال والنقاش والاختلاف والتساؤل على الكثير من المستويات، وأهمها هويتها؛ وهل هي دولة دينية قامت على أسس الدعوة كما يدعي جل الإخباريين والمؤرخين المسلمين؟ قبل الإجابة على هكذا تساؤل، نود أن نثير انتباه القراء إلى أن الكثير من الباحثين والدارسين لتاريخ الغرب الإسلامي يعتبرون كل الثورات الأمازيغية ضد الأمويين والعباسيين التي مهدت لاستقلال شمال إفريقيا هي ثورات تبنت إيديولوجية الخوارج الداعية إلى الثورة على أئمة الجور والطغيان،محولين بذلك الثورة إلى صراع إيديولوجي ديني بين الإسلام الرسمي للخلافة والإسلام الثوري الذي يجسده مذهب الخوارج، مغيبين بالكامل الأسباب الحقيقية والتاريخية لهذه الثورة وذلك لإلغاء الأمازيغ كعنصر أساسي وفاعل فيها، بإلباسها هوية غير هويتها الحقيقية،مع أن الحقيقة التاريخية لا تدع مجالا للشك في أن هذه الثورات أمازيغية صرفة قيادة وقواعد، خطط لها ونفذها الأمازيغ. صحيح أن الأمازيغ يفعلون قليلا ويسكتون كثيرا، ما يحرم التاريخ من تسجيل رؤيتهم للأحداث والوقائع التي هم فيها طرف،وبالتالي لا يبق أمامنا غير النص الذي كتبه الأخر، فلا يوفّر لنا من معلومات إلاّ ما تفضّل به علينا، ولا نملك من صورة إلاّ ما أراد لنا بنفسه مسبّقا. فهل نطأ الرأس أمام هذه المعلومات مكرهين ؟ أم نرفع الرأس ونرمي بكتابات الطرف الأخر وشهاداته، مردّدين المقولة الأمازيغية war inigi yan inigi أي شاهد واحد يعادل بدون شاهد؟ لا هذه ولا تلك،بل سنميل لمسك العصا من الوسط ونحاول جهد المستطاع استخراج المكنونات من نفس النصوص المعتمدة لاكتشاف المسكوت عنه مستشهدين بالتاريخ الأمازيغي ما قبل الغزو العربي، وهو المنهج الذي سلكنه في مبحثنا. تتفق كل المصادر على أن الأمازيغ شكلوا وفدا مهما إلى دمشق، يفوق العشرين شيخا وزعيما أمازيغيا تحت قيادة شخصية أمازيغية تدعى ميسرة المطغري،ويتضح من عدد الوفد أهمية وخطورة المهمة التي تكفل بها، كما يدل على نضجهم واتزانهم وترجيحهم للسلم والحوار في معالجة القضايا الساخنة بحكمة وتبصر،وعدم تسرعهم في الاندفاع نحو استعمال العنف.وعندما رفض الخليفة استقبالهم عادوا وتركوا وراءهم خطابا حضاريا تكلف الحاجب الأبرش بإيصاله للخليفة صاغ لنا مضمونه السيد الطبري: [ أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا أصاب نفلهم دوننا وقال: هم أحق به فقلنا: هو أخلص لجهادنا لأنا لا نأخذ منه شيئا، إن كان لنا فهم منه في حل،وان لم يكن لنا لم نرده.وقالوا: إذا حاصرنا مدينة قال: تقدموا وأخر جنده،فقلنا: تقدموا فانه ازدياد في الجهاد ومثلكم كفى إخوانه،فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم.ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرونها على السحال يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد،فقلنا ما أيسر هذا لأمير المؤمنين، فاحتملنا ذلك وخليناهم وذلك؛ ثم ساومونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا فقلنا:لم نجد هذا في كتاب ولا سنة،ونحن مسلمون أحببنا أن نعلم أعن أمير المؤمنين أم لا؟ ]10. عندما كان رد الخليفة غير ما توقعه الوفد الأمازيغي، وهو ما يوضحه السيوطي :[كتب هشام بن عبد الملك إلى عامله على افريقية: “أما بعد، فإن أمير المؤمنين لما رأى ما كان يبعث به موسى بن نصير إلى الملك بن مروان رحمه الله، أراد مثله منك، وعندك من الجواري البربريات المالئات للأعين الآخذات للقلوب، ما هو معوز لنا بالشام وما والاه. فتلطف في الانتقاء، وتوخ أنيق الجمال، عظم الأكفال، وسعة الصدور، ولين الأجساد، ورقة الأنامل، وسبوطة العصب، وجثول الفروع، ونجالة الأعين، وسهولة الخدود، وصغر الأفواه، وحسن الثغور، وشطاط الأجسام، واعتدال القوام، ورخامة الكلام]11 مباشرة بعد العودة، قاد ميسرة المطغري ثورة عارمة انضمت إليها كبريات القبائل كغمارة ومكناسة وبرغواطة، فحرر الشمال المغربي بقتله عمر بن عبد الله المرادي بطنجة؛ ثم اتجه جنوبا وقضى على الوجود العربي بسوس بقتله اسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب سنة 123ه/ 743م. لعل الملاحظة الأولى التي ستثير انتباه القارئ الحصيف لخطاب ميسرة ورفاقه إلى الخليفة في دمشق هي ال-نحن التي تحدث بها مقابل الأمير وجنده، فال-نحن لا يمكن أن تكون إلا الأمازيغ السكان الأصليين فيما الأمير وجنده هم العرب الغزاة ما دام ميسرة يختم خطابه بأن ال-نحن مسلمين،هذا من جهة؛ومن جهة أخرى أن خطاب الوفد الأمازيغي لم يكن يحمل أية إشارة ولو تلميحا إلى الخوارج أو مذهبهم وكذلك في رد الخليفة مخاطبا قائد جيشه: [ أقتل أولئك البربر الذين يفدون علينا من المغرب.قيل: نعم يا أمير المؤمنين. قال : والله لأغضبن لهم غضبة عربية ولأبعثن لهم جيشا أوله عندهم وأخره عندي،ثم لا تركت حصنا بربريا إلا جعلت إلى جانبه خيمة قيسي أو تميمي.]12 بهذا الخطاب العنصري الخالي من أي نفحة دينية يتأكد بالملموس أن ثورة الأمازيغ هي ثورة تحرير الأرض والإنسان من المغتصب العربي، انطلقت سلميا وانتهت عسكريا بتفوق أصحاب الأرض الذين فتحوا كل شبر حرروه للمضطهدين بفتح الهاء وحتى بكسرها حينما أتى عليهم الدور؛ لذا كانت ملجئا للخوارج والعلويين وحتى الأمويين حين بطش بهم العباسيون ، وكل المستضعفين. تحت حماية أصحاب الأرض وبشروطهم وقوانينهم وليس العكس، كما يتفنن الرواة والإخباريون في صياغة ضبابية لأحداث مؤدلجة تتلاءم ومصالح سلطسياسية سادت في عصور لاحقة،واستسهال تكوين دولة من طرف لاجئ بصحبة خادم وحيد لا يلوي على شيء ، كأن تأسيس الدول بسهولة تجهيز حانوت عطار،وهو موضوع من مبحثنا هذا. صفوة القول ،أمام كل هذه المجازر والاستدمار العربي لبلاد الأمازيغ أيام الغزو باسم الإسلام ، مما أضفى عليه تشابها مع المستعمرين السابقين من رومان ووندال و بيزنطة ، تجعل كل تلك المرويات المؤسطرة في كتب الإخباريين وقبيلة (حدثنا) التي تبغي شرعنة مصالح سلطوية وتحكمية لا تخرج عن نطاق ذلك الحلم الثقيل المشوش على حد تعبير شوبنهاور؛ والسبب في ذلك وجود دعامتان ثيولوجيتان يجب على “المؤرخ ” أو الوراخ (على وزن الوضاع) العربي أن يتمنطق بهما وفقا لأليات اشتغالهما، فضلا عن ولائه المطلق ل ”ايديلوجيا المنتصر”؛وبالتالي كل مؤرخ لا يدافع عنها ،أو حتى يضع مسافة بينه وبينها سيكون موضع إشارات استفهام كثيرة ،أو حتى تجريح وقذف- كما هو الحال الذي نجده مع ابن خلدون لدى القوميين العرب ،لكونه مشكوكا في ولائه للعرب حيث ينتصر للأمازيغ؛نفس الشيء بالنسبة للمسعودي،فما زال مؤلفه “مروج الذهب” ينظر إليه بعين الريبة من طرف ‘أهل الجماعة والسنة” لكون ولائه لهم مشكوك في أمره، لأنه كان ينتصر للطرف المقهور”الروافض” – وهاتان الدعامتان هما: 1- التاريخ هو من صنع السماء، ينتمي إلى مجال “المطلق”.وبالتالي العامل الحاسم في التاريخ ليس هو الزمان الأفقي، بل هو الزمان اللولبي الإلهي، وهو ما يتم إسقاطه على الحدث، الشخصية والسرد…الخ الذي سيتزامل مع منطق شكل وفعل المطلق. 2- الأرض (مسرح التاريخ) ، التي كانت (أي كانت في الماضي قبل الإسلام) تنتمي هي الأخرى إلى المجال “النسبي”. لكن وضع الأرض النسبي هذا سيتغير إلى دار الإسلام الأبدية التي ستزحف على دار الكفر لاجثتات “النسبي” منها واستعادتها .لذا لمّا يشاء المؤرخ الإسلامي أن يكتب ، فإنه ملزم بالاحتكام بما تفرضه عليه هذه القواعد الثيولوجية. فهو محكوم منذ البداية –سواء أكان واعياً لذلك أم لا- لمنطق الفعل الإلهي، لمنطق التدخل الإلهي في مجرى الحدث التاريخي،فاللحظة الإسلامية في فكر المؤرخ الإسلامي، هي مركز التاريخ، وكل ما يحيط بها هو الهامش؛ والفعل الإلهي دائماً تتموضع تجلياته في المركز بقوة، بينما الفعل الشيطاني تتموضع تجلياته في الهامش. فالمؤرخ حينما يقص التاريخ القبلي الذي سبق لحظة الإسلام، فإنه يقصه بنمط سردي استخفافي،يكون ذهنه فيه مشدوداً ومعلقاً باللحظة السعيدة التي سيأتي بها الإسلام بعد حين. وهكذا سيغدو التاريخ الذي سبق الإسلام من فعل الشياطين، بينما لحظة الإسلام هي الخلاص السعيد. ليس غريباً إذن أن تصف الأدبيات التاريخية الإسلامية الناس الذين سبقوا الإسلام بأنهم في فترة ضياع عن عقيدة إبراهيم، وإذ الإسلام بدون مقدمات ، يأتي ليعيد الأمر إلى نصابه الإلهي. ذلكم ديدنهم في تدوين أو بالأحرى خلق القصص والأساطير بانتحال أحداث في إفريقيا الشمالية يصعب إثباتها تاريخيا،بل لا ترقى سوى إلى مستوى التهويمات التي نسجت لأغراض إيديولوجية محضة،لا تصلح إلا موادا لأدب الخيال والغرائبية. لذا ستلبس المقاومة الأمازيغية للاستعمار العربي حين انتصارها لبوس الخوارج وفي نفس الوقت سيوصف زعيمها ميسرة بالحقير والسقاء إلى غير ذلك من الشتائم. ولتحويل انهزامهم إلى انتصار سيخلقون دولتين وهميتين قريشية الزعامة (الادريسية بالمغرب والأموية بالأندلس) على شاكلة أفلام هندية أخرجها في البداية المرينيون ( رحل- يتم التأكيد بقوة على أنهم ذوي أصول أمازيغية على غير العادة- تحالفوا مع قبائل بني هلال وبني سالم التي اجتاحت المغرب على حد تعبير ابن خلدون) بعد أن بنوا قصصا على شاكلة أدب الحكواتيين المسلمين الذين يتحدثون إلي الناس في المساجد والأسواق فيذكرون لهم قديم العرب والعجم وما يتصل بالنبوات ، ويمضون معهم في تفسير القرآن والحديث ورواية السيرة والمغازي إلي حيث يستطيع الخيال أن يذهب بهم لا إلي حيث يلزمهم العلم والمصداقية أن يقفوا؛ ثم صورت على أنها حقيقة،وبهذا مهدوا الأرضية لفكرة التعريب والحكم لقريش عبر النسب الشريف (سنة 1260م سيمنع السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق الأذان وخطبة الجمعة بالأمازيغية في المساجد) فاستندوا على حكايات تشبه ألف ليلة وليلة. التزوير والأخبار اللامعقولة هي سمة تلك الكتابات، تخيلوا خبرا مثل: هتلر وخادمه يفران من” حصار موسكو” وحيدين وطريدين إلى باريس ويستقبله عمدة باريس الغير المتقن للألمانية بالأحضان ثم يبايعه ليؤسس بذلك الدولة الفرنسية لا لسبب إلا أنه من الجنس الآري!!!والآن لنضع إدريس بن عبد الله مكان هتلر، و موقعة فخ مكان “حصار موسكو” ، وأوربة ( قبيلة كسيلة بجبال الأوراس بالجزائر قذفت بها الحركة الطكطونية إلى سهول فزاز بالمغرب !) مكان باريس، وعمدة أوربة إسحاق (اسم يهودي) (الذي سيكون سليل شخصين يحملان اسمين عربيين، أبوه محمد وجده عبد الحميد !!!) ،مكان عمدة باريس ،والعربية مكان الألمانية والنسب الشريف مكان الجنس الآري؛سنحصل على نفس النص الذي يعتمد لتأريخ ”دولة الأدارسة” المختلقة من ألفها إلى يائها إذ أن لا مصادر ولا وثائق تاريخية غير قصص وروايات قبيلة (حدثنا) التي لا تصمد أمام الحس والمنطق التاريخيين لتثبت وجود هكذا دولة ،فضلا عن عدم وجود أثار مادية ولا مسكوكات تؤكد وجودها؛وهو ما فطن إليه المرحوم الدكتور عبد الهادي التازي فسارع بعد مأساة نهب عدد من كنوز المتحف الوطني العراقي ، في حوار له مع جريدة الشرق الأوسط عدد فاتح أبريل 2003 يتساءل عن مصير أقدم وأهم قطعة فريدة تؤرخ لميلاد “الدولة الادريسية” بالمغرب الأقصى، ويسجل الدكتور التازي أن تلك القطعة لعملة مغربية نادرة، بل انها الوحيدة في العالم، ويتعلق الأمر بأقدم وثيقة حية شاهدة لظهور” الأدارسة ” الذين أنشأوا لهم، بمؤازرة الامازيغ (البربر) مملكة مستقلة عن الخلافة العباسية ببغداد. وعندما بحثنا عن تلك القطعة التي اختفت من متحف بغداد على حد رواية الدكتور التازي،وجدنا صورة لها مثبتة بالمجلد الرابع من “التاريخ الدبلوماسي للمغرب” من تأليفه تحمل رقم 950 وقد نقش على الوجه الأول لصورة هذه القطعة الكلمات التالية في اربعة سطور: 1 ـ لا إلاه إلا 2 ـ الله وحده 3 ـ لا شريك له 4 ـ … بتدغة سنة اثنتين وسبعين ومائة. كما نقش على وجهها الثاني كذلك في اربعة اسطر: 1 ـ محمد رسول 2 ـ الله صلى الله 3 ـ عليه وسلم 4 ـ مما أمر به إدريس بن عبد الله. إلا أن بحثنا قادنا إلى إيجاد نفس العملة وبنفس الأوصاف وبنفس النقوش إلا السطر الرابع نقرأ في الوجه الثاني “مما أمر به خلف بن المضاء” عوض ” مما أمر به ادريس بن عبد الله” .(أنظر الرابطين أدناه) ومن هنا سنفهم تباكي الدكتور على تلك القطعة الفريدة والوحيدة التي اختفت ولم يبق منها غير تلك الصورة المبثوثة في مؤلفه. مما سيعطي لمجرمي التاريخ الفرصة لرفع قريحتهم بكل صفاقة يدافعون عن التزوير مستدلين بصورة لدرهم مزيف سرقوه لصوص بغداد؛ هذا إن تجاوزنا السؤال عن السبب في ضرب تلك القطعة بتدغة البعيدة في أقصى الجنوب ،ودار سكة على مرمى حجر بوليلي؟ صناعة التاريخ في مطبخ الايدولوجيا. وكذلك الأمر في منهجية سرد أحداث قصة التأسيس التي يوجهها منطق الاستعلاء وذهنية متشبعة بالعقل الخرافي،حيث يصورون الأمازيغ قبائل متنافرة منقادة وأسمع البلدان وأطوعهم كما نقلها الطبري عن رواة ،وبالتالي سيأتون بالمنقذ الذي سيعتكف بطنجة لسنتين وهو يدرس المغرب ونفسية المغاربة (عالم اجتماع-نفسي، خلق ليحكم لأنه من الدم الأزرق !!!) ثم سينادي على القبيلة الكبرى والمرموقة حسب تعبير محمد زنيبر -أوربة ابتلعتها الأرض من بعد- لتحتضنه وتأتي مهرولة، وسيختارون شهر رمضان كزمن للبيعة التي لخصها روض القرطاس في: “بايعوه على الإمارة والقيام بأمرهم وصلواتهم وغزوهم وأحكامهم بيعة فيها تفويض للسلطة الدينية والدنيوية معان بما فيها التشريع والتنفيذ والقضاء” كصورة طبق الأصل لما يعرف في أدبيات التاريخ الإسلامي ببيعة الرضوان التي قرر فيها النبي محاربة قريش إن صح نبأ مقتل عثمان بن عفان . ضاربين بالشروط الدنيا لتأسيس دولة عرض الحائط، ومسقطين مفهوم وشكل القبيلة العربية الأبيسية على القبيلة الأمازيغية الأميسية القريبة في العمق الى الأكورا اليونانية (Agora) . اجل، ممكن أن يكون إدريس ابن عبد الله شخصا حقيقيا مضطهدا فر من المشرق وأواه الأمازيغ كما أووا كل مضطهدي العالم آنذاك و”شرطوه” للقيام بصلواتهم وتعليم أولادهم – كما هو حالهم إلى زمن غير بعيد عن يومنا هذا بحيث يشترطون دائما في الفقيه أن يكون غريبا عن القبيلة لكي لا يتدخل في الشؤون التنظيمية والسياسية للقبيلة، والمعمار يؤكد ذلك من خلال بناء المسجد والمقبرة خارج المجال السكني، فيما اسايس يتوسط القبيلة- ولكن أن يؤسس شيئا اسمه دولة وكل ذلك المسار الذي رسم له برفع الراء وكسر الميم لا يعدو أن يكون أدبا حكواتيا اصطنعه المرينيون لتثبيت حكمهم وهو ما سنوضحه من بعد ما نجري هذه المقارنة السريعة بين مسار كل من إدريس وعبد الرحمن الداخل المعروف ب صقر قريش. فمن حيث التواريخ التي وضعت لكل من دولة صقر قريش ( 755-788م) ودولة إدريس (789-793 م) لم تكن اعتباطية بل تحمل معنى استمرار الدم العربي الأزرق بالرغم من جلائه على أرض الواقع من طرف المقاومة الأمازيغية، لذا نجد بداية دولة عبد الرحمن تخلق ولكن بالأندلس بمجرد طرد العرب من سبتة كأخر معقل لهم من طرف الأمازيغ الذين حاصروهم منذ سنة 754م، وبمجرد وفاة سليل بني أمية سنة 788م سينبعث سليل بنو هاشم بالمغرب وهكذا يتحقق الزمن اللولبي الالاهي ليطمئن العقل الخرافي على استمرار الدم الأزرق في نيابة السماء. أما من ناحية مسارهما من المشرق إلى المغرب فقد تم تبني نفس السيناريو مع تغييرات طفيفة لا تؤثر على المشهد العام: الأموي فر كالهاشمي من نفس المضطهد (العباسيون هم أيضا هاشميون إلا أن دمهم الأزرق دنس من طرف الأعاجم الساسانيين والخراسانيين ). وكل منهما أتى وحيدا لا يلوي على شيء ،سوى رفقة كل واحد منهما مع خادم ، للهاشمي مولى لقبوه براشيد وضعوا له أصلا بنفس القبيلة التي ستحتضن إدريس فيما بعد ليبرروا به سهولة إيوائه وبالتالي القبول به كحاكم ، كذلك الأموي غير أن ” بدرا ” خادمه لن يلعب نفس الدور. بل اختلقوا للأموي أخوالا له أمازيغ سيستقبلونه بالزغاريد والطبول فرحين بمقدمه بعد أن يطمئنهم عن خالاته وبنات قبيلتهم اللواتي سباهن موسى بن نصير وساقهن إلى أسواق النخاسة بدمشق،كما تساق البعير، معلنا لهم عن رضى الخليفة أمير المؤمنين -الذي كان- وشكره لهم على كل تلك الجلود التي تسببت في انقراض ماشيتهم إلى غير ذلك من الأعمال الشنيعة التي ارتكبها أجداده في حقهم. وأضافوا بعض المشاهد المسلية لمساره ليختلف شيئا ما عن الهاشمي كاختبائه داخل ثياب امرأة غليظة من بجاية، أمازيغية بالضرورة حينما وقع عليه التفتيش ” فصاح الزوج بدون رطانة البربر: يا سبحان الله الحرم ! فقالوا: غط أهلك ! فانصرفوا” . ولكم أن تتصوروا ضخامة امرأة تخفي في ثيابها رجلا عمره ثلاثة عقود ونيف. إن هذه المقارنة توضح بما فيه الكفاية الصنعة الخيالية للقصتين معا واختلاقهما ،فضلا عن البناء السردي الذي يتمحور حول المعجزات والتنقية العرقية (صفات معاوية كالدهاء والكياسة تم إسقاطها على عبد الرحمن الداخل فيما صفات علي كالزهد والورع وحتى مدة الحكم الزمنية ورثها إدريس إلى جانب نفس النهاية المأسوية فعلي مات مقتولا فيما إدريس أريد له أن يموت مسموما في حمام عمومي (سلطان يستحم مع الرعية: قمة التواضع!). إن هذا الموروث الكلامي المتشبع بالانتفاخ القروسطي كتبه فقهاء على ضوء مصابيح تنطفئ إذا حبس عنها الهواء،دون أن يكلفوا أنفسهم عناء معرفة السبب حتى جاء لافوازييه ليتحدث عن الأوكسيجين؛ ولا غرو أن نميل إلى أن صدمة العرب باكتشافهم المتأخر للكتابة(حوالي قرنين بعد ظهور الإسلام بمكة)؛ التي اخترعت ستة ألاف السنين قبل وجودهم لتدوين التراتيل والأناشيد، وتسجيل مواقيت قرابين الآلهة، وشريعة (الملك ـ الإله) وعقود الانصياع…الخ؛وهم الذين يأكلون خبزهم بعرق وكدح الآخرين –السطو على القوافل، الغنيمة،السبي … فهم لم يزرعوا ويكدحوا قط– هي التي دفعتهم إلى صياغة المقدس كوثيقة تعيين إداري (الخلافة ) تضمن لهم ولسلالاتهم المباركة نيابة السماء في الأرض من خلال الأساطير والقصص والمعجزات وإشاعة الرهبة والرشوة والوعد والوعيد، ومازالت ليومنا تتحكم بالوعي والخيال الجمعي وتصيغ هوية الناس ومصيرهم. لو تفحصنا تلك التدوينات التاريخية العربية للأندلس سنكتشف تداخلا وتأثيرا دائريا بإيقاعات متناغمة من أمير إلى أمير،ومن مدينة إلى مدينة؛ وذلك لطريقة صياغتها للأحداث والروايات، سنكتشف أننا أمام تاريخ لا يحتوي تاريخا بقدر ما هو مشحون بانطباعات وذكريات ضبابية مسنودة على أساطير وأقاويل، تشبه إلى حد كبير ألف ليلة وليلة، فالخلفاء يعرضون من خلال أسمائهم وسنوات حكمهم ( دائما سنوات كاملة 25 أو 40 أو 50سنة بالتقويم الهجري) وعند ذكر التفاصيل، فلا يسمع المرء إلا قصصا تقشعر لها الأبدان. فالدارس للوجود العربي في الأندلس سيبقى حائرا أمام التأريخ الذي يقدم له على أنه تاريخ احتلال الأندلس (سنة711م)وذلك لعدم وجود أي مصدر أو دليل مادي لتواريخ الاحتلال العربي للجزيرة الايبيرية ، ماعدا الأقاويل والقصص القروسطية، وكذلك هو شأن الوثائق المسيحية، فجميعها تعود إلى ايزيدور الايشبيلي، بل وثبت أن أعماله جميعا منحولة ومختلقة، كما هي أعمال سان إيلفونسو التي كتبت بعد وفاته بثلاثة قرون . فمثلا الأخبار عن مقتل 124000 (مائة وأربع وعشرون ألف مسلم في معركة بواتييه ( بلاط الشهداء) وعن ستين ألف فرّوا عبر الجبال. هل ستمر مرور الكرام دون رد مسيحي مضاد أو على الأقل أن تحفظها ذاكرة المسيحيين؟؟؟ فأوروبا لم تسمع بالإسلام، قبل نهاية القرن التاسع، حينها فقط بدأ اللاهوتيون يذكرونه في نصوصهم، وخير شاهد على ذلك أغنية رونالد التي ألفها الشاعر تورولد، إبان الدعوة للحروب الصليبية سنة 1096م، والتي تقدم لنا إسلاماَ غير الذي نعرفه اليوم، فالأغنية تشير إلى ثلاثة آلهة للإسلام (محمد، آبولين، ترفاجنت) آبولين نعرفه كرمز لآلهة شيطانية، وردت في رؤيا يوحنا. وحتى لو أن الشاعر أراد نعت الإسلام بالوثنية، فهل كان بمستطاعه استخدام أسماء مجهولة، وغير مألوفة على سامعيه؟؟؟. إن الأوليغارشية الأموية بعد سقوط دولتهم في دمشق،وبسبب النخوة العربية فضلا عن الدم الأزرق الذي تعتقد أنه يسري في عروقها هي التي دفعتهم إلى اختلاق دولة لها بالأندلس تمني بها النفس –إلى أن يقضي الله أمرا مقضيا لن يخرج عن استرجاع الذي فقدته في اعتقادها –. فخلقت تاريخا شبحيا ما بين سنة 711م و 911م (السنة التي تؤشر على أولى وأقدم الشواهد الأركيولوجية في الأندلس .لاحظ الفرق:قرنين من الزمن ) لا علم للسكان الأصليين بالأندلس به وثم حشوه فيما بعد. فلا صقر قريش حط فوق قرطبة ولا قيسية قاتلت يمنية ولا بربريا فاق العرب بلاغة قال يوما: العدو أمامكم والبحر وراءكم !!! إنها مجرد أضغاث أحلام لعل المستقبل يأتي…كما بعض الأندلسيين الذين ما زالوا يحتفظون في دواليبهم بمفاتيح بيوت أجدادهم بالأندلس التي احتلوها يوما،من أجل نشر الإسلام، فلا الإسلام نشر، ولا اهتدوا أن ذاك احتلال بشر. لعلهم يهتدون يوما ليفهمون لماذا بقي الإسلام في صقيع الصين حيث لم تقطر نقطة دم من أجله، فيما لم يستطع مبيت ليلة واحدة في فيينا وألاف الجيوش الجرارة لخليفة المسلمبن العثماني على أبوابها! الحبكة السردية نفسها سيتم إنزالها لاختلاق “دولة الأدارسة” من طرف المرينيين ووجدوا في صاحب القرطاس ابن أبي زرع خير من يدبلج لهم سيناريو الأمويين فكان لهم ما أرادوا و”دولة الأدارسة” تنفيها الجغرافيا دون الدخول في متاهات التراث المكتوب حتى لا نسبب حرجا لأي كان من من يعتقد أنه من سلالة الأشراف؛ وإن كان مقياس العصر هو المواطنة لا غير.وبالتالي سنكتفي بالتواريخ المبثوثة في المتون لنرى أين هي حدود هذه الدولة المزعومة ؛وهي كالتالي: أ) الدولة البرغواطية 739م—1058م تامسنا من جنوب مصب نهر سبو والى شمال نهر تانسيفت, غربا الأطلسي شرقا جبال الأطلس المتوسط ب) إمارة النكور 710 م—1019م الريف شرقا نهر ملوية جنوبا امارة مكناسة ومغراوة غربا نهر اللكوس وشمالا البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي هل من بين القراء من يستطيع أن يمدد خريطة المغرب ليجد موقع قدم لإدريس بن عبد الله لكي يؤسس دولته ما بين 788م و 793م بدون أن تهاجمه هذه الدول إن اقترب إلى مجالها أو حتى حدودها؟ أما حكاية إدريس الثاني فهي إلى الفانطازيا أقرب من حبل الوريد،واليكم بعض منها: أ) تركه والده جنينا في بطن كنزة –الاسم من مادة KNZ وهي سيميائيا أقرب إلى مجال القدح والشتم؛والأمازيغ لا يطلقون على أولادهم أسماء قدحيه من قبيل معاوية وعثمان سكينة … كالعرب— تارة في بعض المصادر كنزة هذه زوجة وتارة جارية بالرغم أن والدها المزعوم زعيم قبيلة ! ب) تربص راشد ومن حوله من البربر حتى يروا المولود المنتظر فإن كان ذكرا ولوه مكان أبيه وإلا اختاروا لأنفسهم ما يليق بهم. – بمعنى تعطلت كل مصالح الدولة المزعومة ورمى الله الحجاب على كل الدول المجاورة لها- د) بعد أحد عشر شهر من وفاة إدريس الأول سيرى الثاني النور — الراوي بالعقل الذي ضيع الفقيد عابد الجابري عمره كله يفككه لنقده،يلمح دون أن يصرح إلى المعجزة الالاهية من خلال اختياره لرقم 11:فمن جهة مولوده من خاصة الخاصة، وجب أن يتميز عن العامة حتى في مرحلة الحمل، ومن جهة أخرى يريد إثبات لمن يحتاج إلى دليل على أن هذا المولود سليل الأنبياء، بلي عنق رؤية يوسف لأحد عشر كوكبا يسجدون له.ولكن لم يكن يعي أن اختراعه هذا سيخلق أزمة أخلاقية في القرن الواحد والعشرين لمن يعتقد أنه من نسل هذا المولود بحيث أن هذا الرقم إما أن لهم جد وهمي مات مختنقا في بطن أمه أو أن جدهم لقيط لأن العلوم الطبية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك استحالة حمل أنثى إنسان كل هذه المدة- ج) ويُفيض القرطاس في ذكر تربية إدريس وتكوينه، فيصفه بأنه كان “عارفا بالفقه والسنة والحلال والحرام وفصول الأحكام. ولا شك أن راشدا مولاه سهر على ذلك التكوين، لأن ترشيحه لمنصب الإمامة كان يقتضي معرفة مدققة بالعلوم الدينية واللغة العربية حتى يكون منافسا عن جدارة واستحقاق للخلفاء العباسيين المعاصرين. ف -أقرأه القرآن فحفظه وله من السنين ثمانية أعوام، وعلمه السنة والفقه والنحو والحديث والشعر وأمثال العرب وحكمها وسير الملوك وسياستها وعرفه أيام الناس ودربه مع ذلك على ركوب الخيل والرمي بالسهام ومكايد الحرب “—راشد، هذه الشخصية التي خلقها الراوي لعبت أيضا دور الدليل إلى قبيلة أوربة لأنه ينسبه إليها، وهو من بين من ساقهم موسى بن نصير إلى المشرق أي قبل 711م و سيمدد له الحياة إلى غاية سنة 804م ثم يموت مغتالا دون أي سبب ثم يخلق شخصية على غرة وضع لها أبو خالد يزيد بن الياس العابدي دون معلومات. ح) لم يتول إدريس الثاني، بالطبع، مهام الإمامة أثناء هاته الفترة من طفولته، بل ظل تحت وصاية مولاه راشد الذي اغتيل سنة 188. فتولى حينئذ مهمة الوصاية أبو خالد يزيد بن إلياس العبدي. فسارع بأخذ البيعة من جميع قبائل البربر في 1 ربيع الأول سنة 188 (أنظر توافقه مع شهر ميلاد النبي) لإدريس وهو ابن إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر.—السؤال من تولى الحكم وأين اختفى اسحاق الأوربي الذي لن يظهر على مسرح الأحداث إلا سنة 808م مقتولا على يد حفيده بطل القصة. فالراوي لن يخفي حقده للأمازيغ اذ صفاهم من حول البطل وعوضهم بأمويي الأندلس والقيروان، بل لمز إلى والدة البطل أنها كانت وراء انهيار الدولة المزعومة حين دفعت بحفيدها بعد مقتل البطل بشرق حبة عنب (فاكهة القديسين وأًصحاب النعيم)، بتوزيع مملكة أبيه على باقي إخوته. مات إدريس الثاني حسب الراوي دون أن يعرف أحد قبره إلى أن ظهر سنة 1437 م لاحد سلاطين بني مرين “أبو محمد عبد الحق بن عثمان” في منامه وأشاع بين الرعية أن جسم إدريس الثاني مازال على حاله بعد ستة قرون على وفاته لعل يشفع له ذلك في انقاد سلطانه من الانهيار الذي أصابه في أقل من عقد من الزمان لأن كل تلك الشجرات “الشريفية” المستنبتة لم يعد يقنعها كل تلك ظهائر التوقير والاحترام والإعفاء من جميع الالتزامات التي كان يطالب بها غيرهم؛بل عين بعضهم إلى السلطة تصبو،فهو ما كان بعد حين بزحف السعديين من الجنوب. ومذذاك تحول المغرب إلى غابة من الأشجار بدأت الحداثة تؤنسنها ولكن صدمتها أيضا تترك أثارا جانبية لا ترتقي إلى خطورة تزوير التاريخ لأن نتائج هذا الأخير مدمرة للحاضر كما المستقبل. انتهى ، وللحديث بقية نستشف منها لما كل هذا الحقد ليوسف ابن تاشفين حتى يترك مرقده لتبول وتغوط كل ممسوخي التاريخ المزور فيما يرفع المعتمد بن عباد إلى مرتبة العظماء. 
هوامش:
 1
:ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب ، ج ص36 ، دار الثقافة بيروت . 2: عبد الله بن أبي سرح العامري ،كاتب الوحي ، ارتد عن الإسلام والتحق بمشركي مكة، أخذ له عثمان بن عفان الأمان من النبي ،لأنه أخ لعثمان من الرضاعة. 3:البداية والنهاية لابن كثير. 4 ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب ج ص 12 5الطبقات الكبرى لابن سعد ، الجزء 3 -دار صادر- بيروت 6: الطبقات الكبرى لابن سعد ، الجزء 3 -دار صادر- بيروت 7:سورة النحل أية 125 8:محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي ص 53 9:ابراهيم بيضون: ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري ص 258 10: الطبري:: تاريخ الرسل والملوك الجزء الرابع ص: 254- 255 11:السيوطي: تاريخ الخلفاء باب عبد الملك بن مروان . 12: الرقيق القيرواني : تاريخ افريقية والمغرب ص 75.




نشر الخبر :
نشر الخبر : موقع ينايري
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية،.