آخر الأخبار :

حزب العدالة والتنمية : ضحية أم شريك في التمثيلية؟


الصراع السياسي والإعلامي بين الأحزاب السياسية المغربية ليس صراعا حول برامج ومشاريع اجتماعية متضاربة، بل هو صراع من أجل خدمة الملكية والقرب منها، والاستفادة من الامتيازات التي يخولها هذا القرب، فحزب العدالة والتنمية يحارب حزب الأصالة والمعاصرة، وهو "حزب الملك" ويسميه "حزب التحكم" لكنه لا يستطيع أن يقول أن ما يسميه "التحكم" هو الملكية نفسها، أو هو تدخل الملك في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إما بنفسه عبر "التدشينات" أو المشاريع أو الإملاءات أو بما يمرره وما يرفض تمريره داخل المجلس الوزاري، أو عبر أحزابه التي لا يشكل البام سوى حزبا واحدا منها، فللملكية طابورا من الأحزاب التي يفسد بها الحياة السياسية، يمكن أن ندخل ضمنها حزب العدالة والتنمية كذلك، مع اختلاف في الأدوار التي يخدم بها كل حزب الملكية، قد لا يكون حزب العدالة والتنمية حزبا إداريا خالصا، لكنه حزبا ملكيا بامتياز وبدون أن ينكر هو نفسه ذلك، وقد جاء تأسيسه بدعم من وزارة الداخلية، في شروط التهييء لمعارضة برلمانية صورية، بعد إدخال أحزاب الكتلة الديمقراطية لحكومة التناوب التوافقي أواخر تسعينات القرن الماضي (باستثناء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي)، وقد سمح لهم بتأسيس حزبهم على أنقاض حزب الخطيب (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية) وهو من رجال "المخزن" القدامى وأحد مبتكري فكرة/مؤسسة إمارة المؤمنين في دستور سنة 1962. 

إن حزب العدالة والتنمية يدافع عن الملكية ويداري كل فضائحها ويرفض تحجيمها و تقليص صلاحياتها، في إطار ما يسمى بالنظام الملكي البرلماني، لأن هذا الحزب يشترك مع الملكية في استثمار الدين الاسلامي، وهو يستفيد من اقحام الدين في السياسة والاقتصاد والتعليم وجميع مناحي الحياة الاجتماعية للمغاربة، لأن استبعاده، يعني تهميش هذا الحزب، أو بالأحرى ضرب الأساس الوحيد الذي يقوم عليه والذي يستقطب به الأتباع ويجلب به الأصوات الانتخابية، لهذا فدفاع حزب العدالة والتنمية على امتلاك الملكية لصلاحيات قوية وقبولها بدستور يخول للملكية صلاحيات قوية تهيمن بها على جميع المؤسسات الدستورية الأخرى، بل وعلى الحياة السياسية برمتها، هو دفاع عن الاستبداد وتكريس له، دفاع عن "الدولة العميقة" وعن وجود دولتان في دولة واحدة كما يحلو لزعيم الحزب أن يقول، لهذا فبكاء هذا الحزب هو مجرد ذرف لدموع التماسيح وتمثيل لدور الضحية بغية حشد التعاطف وهو ما حدث فعلا، فللأسف هناك العديد من الجهات التي أصبحت تدعم هذا الحزب لمجرد كونه يظهر في الواجهة أنه محارب من قبل جهات يسميها "التحكم" و"الدولة العميقة"، في حين أن هذا الحزب هو جزء من هذا "التحكم" ومن الدولة العميقة ومن الاستبداد والفساد الموجود بهذا البلد، هو الذي اصطف إلى جانب الملكية وأغلب الأحزاب السياسية ضد الحراك الاجتماعي بقيادة حركة 20 فبراير سنة 2011، مساهما في جريمة إضاعة فرصة تاريخية لإحداث تغيير حقيقي في المغرب، حيث ليس من قبيل الصدفة أن أتهم هذا الحزب بالاستبداد، ليس لأنه صادق وطبل لدستور الاستبداد ونسق وتحالف مع رموز الاستبداد وفقط، بل أيضا لأنه خان الشعب المغربي في لحظة تاريخية مهمة كانت انتفاضته(الشعب) قريبة من اسقاط هذا الاستبداد أو على الأقل جزءا مهما منه، لكن هذا الحزب فضل التحالف مع الملكية رمز الاستبداد، والدخول لحكومة بصلاحيات ضعيفة وبإرادة مهترئة (تصريح رئيس الحكومة برحيله إذا ما طلب منه الملك ذلك)، وأنا أعتبر أن مشاركة هذا الحزب في السلطة هو مشاركة في الاستبداد والاضطهاد الممارس على هذا الشعب، وهو ما عبر عنه جليا في القوانين المجحفة التي قام بصياغتها في الحكومة والمصادقة عليها في البرلمان، وفي القمع الوحشي الذي تعرضت له مختلف الحركات الاحتجاجية بالمغرب، والتسخير الدنيء للقضاء لتوزيع قرون من السجن على العديد من المعتقلين السياسيين خاصة الطلبة والمعطلين. 

إن ضم حكومة بنكيران لما يقارب ثلث أعضائها من التقنوقراط هو ما يبين بوضوح نوع هذا الحزب ومدى استعداده لتكريس الاستبداد في المغرب، فالوزراء التقنوقراط هم أبرز وجه من أوجه ما يحلوا لهم أن يسموه "التحكم" لأنهم على تبعية مطلقة للملكية، ولا سلطة لبنكيران عليهم، هو الذي فُرض عليه ربما في إطار صفقات سرية مشبوهة تعيينهم، ولا يستطيع ممارسة صلاحيته الدستورية في إقالتهم، فلو كان أعضاء هذا الحزب ذوو مبدأ لفرضوا تعيين جميع الوزراء من الأحزاب السياسية المشاركة في الائتلاف الحكومي، أو لهددوا بتقديم الاستقالة وإسقاط الحكومة، أو لأسقطوها، لكن هذا الحزب على ولاء مطلق للملكية، وشريك في الاستبداد و"التحكم" ولا يمكن أن يقدم على خطوة ضد إرادة الملكية. 

إن حزب العدالة والتنمية يؤسس حملته الانتخابية على تمثيل دور الضحية المحاربة من قبل حزب التحكم والعفاريت والتماسيح والدولة العميقة... والحق يقال استطاع أن يجر العديد من الأطراف الأخرى أحزابا وصحافة وأكادميين إلى هذا الطرح، حتى أصبحوا يدافعون عنه لمجرد كونه "ضحية مظلومة" وليس لأنه يقدم برناماجا أو مشروعا مجتمعيا مفيدا لهذا البلد... إن تمثيل دور الضحية هو الأسلوب الوحيد المتبقي لدى العدالة والتنمية للتعبئة في حملته الانتخابية، خاصة وأن أغلب الناس غير راضين عن سياساته التي استهدفت الفئات الفقيرة والمتوسطة وغضت البصر عن الفئات الغنية والفاسدة، هذه السياسات التي طبقت إصلاحات هي عبارة عن إملاءات البنوك الدولية، حيث لم تحد حكومة العدالة والتنمية عن مسار الحكومات السابقة في رهن البلاد إليها بواسطة القروض، فحزب العدالة والتنمية بالنسبة لي يبدو جليا أنه لم يطبق برنامجه الانتخابي لسنة 2011 الذي أطره بشعارات محاربة الفساد والضريبة على الثروة ورفع الأجور ورفع الحد الأدنى منها وإصلاح التعليم والقضاء.. بل عمد إلى الاستمرار في السياسات التي استهلتها الحكومات السابقة وبشكل سافر، خاصة ما يتعلق بخوصصة والتقليل من الانفاق على القطاعات العمومية، وتجميد الأجور وتجميد التوظيف، وزيادة الأسعار وزيادة الاقتطاع من الأجور(التقاعد، التغطية الصحية) وإهمال الحماية الصحية والاجتماعية، وضرب القدرة الشرائية للمغاربة عبر الإجهاز على صندوق المقاصة والرفع المهول للأسعار، كل هذا واكبه ترسانة من القوانين المعادية لمصالح الشعب المغربي، والمفيدة للباطرونا ولمافيات الفساد، بما فيها قوانين التضييق على الحريات النقابية والسياسية، والتعامل بنفس الأسلوب القمعي والوحشي مع الحركات الاحتجاجية، (الأساتذة المتدربين، الحركة الطلابية، المعطلين بكل أصنافهم، أساتذة سد الخصاص، المكفوفين والقائمة طويلة...).

الخلاصة أن حزب العدالة والتنمية لا يختلف مطلقا عن باقي الأحزاب، سواء في المصدر المشبوه لتأسيسه، أو في برنامجه المتشابه مع برامج باقي الأحزاب، أو في خطاب الإصلاح الذي تطربنا به جميع الأحزاب، أو في كونه ليس حزبا مبدئيا ومنسجما مع خطاباته، لأنه لا يرفض العمل مع الأحزاب الإدارية والمشبوهة أكثر منه والتي قال عن إحداها أن أمينها العام فاسد و"ليس رجلا" ثم تحالف مع حزبه لضمان البقاء في الحكومة، وقدم له تنازلات فظيعة باستوزاره في الخارجية ومنحه عدة وزارات استراتيجية كالمالية والخارجية (بثلاث وزارات)... كما أنه لا يختلف عنها في كونه لم ينعزل عن جوقة المطبلين والمهللين لدستور يؤسس لهيمنة الملكية على الحياة السياسية، ولكونه شيطان أخرس في كل ما يتعلق بمهازل الملكية، سواء مهزلة الاستفتاء الدستوري لسنة 2011، أو مهزلة الغضبات الملكية أو مهزلة إخفاء الأموال في بنك سري بسويسرا أو مهزلة تهريب الأموال إلى الجنات الضريبية كبنما... لكن المشكل هو أن حزب العدالة والتنمية أكثر سوءا من الأحزاب الأخرى، بكل بساطة لأنه يتاجر بالدين، ويحشد قطيعا من الأتباع الذين يصوتون عليه في الانتخابات لمجرد ادعائه المرجعية الاسلامية دون أن يكلفوا أنفسهم استخدام عقولهم ولو للحظات في قراءة برنامجه ومقارنته ببرامج أحزاب أخرى، أو في تحليل خطاباته ومقارنتها بممارساته وفضائحه خلال ولايته الحكومية الحالية، المهم أن أتباع الحزب هم مريدون مطيعون وليس مواطنين يملكون ملكات النقد والتحليل وحرية الاختيار والرفض وإمكانية التغيير. 

إن  استثمار حزب العدالة والتنمية للدين يفسد أكثر الحياة السياسية، فاللعبة السياسية المؤطرة بالفكر الليبرالي يجب أن يتنافس فيها الأحزاب بشرف، عبر البرامج والعمل الجاد الهادف لتطبيق هذه البرامج مع الانسجام مع إديولوجية الحزب وخطاباته، أما أن يحصد الأصوات على أرضية الدين ويتحالف في الحكومة مع أحزاب إدارية ويطبق برامج الملكية والبنوك الدولية فهذا هو إفساد وتعفين الحياة السياسية. إن نقد حزب العدالة والتنمية وخطابه وممارسته لا يعني أبدا الانتصار لأي حزب آخر، حيث بالنسبة لي لا فرق بين أغلب الأحزاب البارزة في الساحة، ومهما بلغت نزاهة أعضاء أي حزب وحسن نواياهم واستعدادهم للعمل لصالح الشعب المغربي، فإنه يستحيل في ظل الشروط السياسية المتوفرة، والمؤطرة قانونيا بدستور 2011 على أي حزب أن يطبق برنامجه، لهذا فمقاطعة الانتخابات هي الحل الأنجع للشعب المغربي تعبيرا منه عن رفضه للعملية السياسية برمتها، وعن نزعه للمشروعية عن النظام السياسي ونبذ كل الأحزاب الموجودة في الساحة لأنها لا تمثل طموحات الشعب المغربي.
  




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.