آخر الأخبار :

إليخاندرو غونثاليث إنياريتو سينمائي "الحدود" في العصر الترامبي


ينتمي المخرج أليخاندرو غونثاليث إنياريتو Alejandro González Inárritu  بسبب جنسيته المزدوجة لشريحة الأقلية اللافتة للنظر  visible  minority   كما تصطلح  الباحثة المتميزة في نظرية ما بعد الكولونيالية غايتري سبيفاك Gayatri  Spivak . على  هذه النخبة من الأجانب التي بلغت درجة عالية من الإدراك الواعي والإشكالي لثقافة المؤسسة، وتحصَّلت المرونة اللازمة في الاشتغال بأدواتها نهجا ومنهجية. منذ ثلاثية الموت، كما يحب أن يسمي أفلامه الثلاثة الأولى، بانيا على ثلاثية الحياة لبازوليني، وهذا المخرج يلفت الأنظار  حتى كسب عبر تجربة "بوردمان" Birdman (2015)، وعن استحقاق، بطاقة عضوية في نادي النخبة السينمائية الأميركية المتميزة بخط تأليفي يميل للتجريب كجون كاسافيت John Cassavetes وبيتر بوغدانوفيتش Peter  Bogdanovich وويس أندرسون Wes Anderson وغيرهم من نادي الخاصة من مؤلفي السينما داخل دائرة "الفيلج" في نيويورك.

سينما المخرج أليخاندرو غونثاليث إنياريتو تخلص لهذه المعادلة التي تفعِّل تجربة المشاهدة بين الحس والذكاء، وتجعل من العرض الفيلمي معرض تماهٍ من جهة وتخمين من جهة ثانية. سينما تُمْتع وتلقِّن. وكونها ناتجة عن مبدع "أقلية  لافتة للنظر" فهي كذلك قناة تصريف لخطابات مضادة تجابه السلوكات التعسفية التي تنبع من هذه المؤسسة الحاضنة. 

بجذوره الممتدة في المجال الجغرافي والحضاري لأميركا اللاتينية، يعتبر إنياريتو ابناً مخلصاً لبيئة  ثقافية  أنتجت  الباروكية  الجديدة  في  الأدب  بهذه  الأساليب  التي  تتحاور  فيها  فنون  الخاصة  والفنون  الجماهيرية، وترى  في  اللعب مجالاً  لمعالجة  أعقد  الإشكاليات  الوجودية. هذا  التيار  في  الكتابة  الروائية،  الذي  وضع كتَّاباً مثل راينالدو  أريناس، وأوسفالدو سوريانو، وروبيرتو بولانيو في  خارطة  الإبداع  الكوني، وجد  طريقه معبَّداً إلى سينما جيل جديد شعاره التجريب في الأسلوب والقرب أكثر من الفرد داخل المجتمع من دون وسيط الأيديولوجيات المنهارة.

وجدت هوليود  في هذه  الحساسية،  التي  يتشاطرها المخرج مع  مجايليه  في  قارة  بورخيس وكورتاثر،  وجهاً  آخر  للمعادلة  التي  تبني  عليها  أسلوبها  الإنتاجي، المتمثلة تكمن  في  جعل  الفيلم الوسيط  الأنسب  لنقل  مواضيع،  غاية  في  التجريد،  داخل  قوالب  سهلة  يستسيغها المشاهد  العادي. في  هذا  الإطار نجد  أسباب  نجاح  المخرج  أليخاندرو غونثاليث  إنياريتو  في  خلق  سينماه  كتجربة  تآزرية  بين  ذكاء  الصورة  وذكاء  المشاهد.  سينما  قد  تقحم  هذا  المشاهد  في  عوالم  السينما  الشاعرية، من دون  مطالبته  بالحد  الأدنى  من  التخمين  الذي  تحرض  عليه   لقطة  من  لقطات  أندري  تاركوفسكي  المتسلسلة. وقد  يستفز  شريطها   الصوتي  مسمع  هذا  الأخير  بكلام  مصاحب  يجعله  في حالة  من  التأمل  المتعالي،  لكن من دون  مطالبته  بمعرفة الفلسفة  الهيدغيرية، كما  تشترط  تيارات  الوعي على طريقة  تيرانس مالك Terrence Malick.
كلُّ عودة  لإنياريتو  تضيف قيمة  أخرى  لهذه  النوعية من المشاهدة  الفيلمية التي  ترقى  بالمتلقي  من دون  المساومة على حقه  كمستهلك مستسلم  لعوالم  الصورة  بجوارحه.  في  هذه  المعادلة  أيضاً  قد  نفهم  نجاحات  هذا  المخرج  "العائد"  التي  تسيل  المداد  النقدي  بوفرة  في  الكتابة  النقدية  والدراسات  السينمائية. وقد  نجد  فيها  كذلك  جوابا  لسرّ العائدات العالية  في  شباك  التذاكر، والتتويجات  المتكررة  في  منصات  الأوسكار  والغولدن  غلوب.

"العائد"  الأميركي  حتى  النخاع

تزامن  عرض  فيلم  إنياريتو  الأخير  "العائد" The Revenant  (2016) بحملة  انتخابية  بطلها  المضاد  بامتياز  هو  دونلد  ترامب  Donald  Trump.  هذا  الأخير  سيدخل،  فعلاً، عتبة  البيت  الأبيض ممتطياً  خطاباً  عنصرياً  وإقصائياً  يستند إلى  إيديولوجيا الحمائية  للدولة  الوطنية  التي  ترى  في  أميركا  الخمسينايت نموذجاً لأميركا  الألفية  الثانية حيث  تبقى السيادة الكاملة للرجل الأبيض. كلّ  ما  تضمنه  خطاب  ترامب  القدحي  من  موضوعات  في  شؤون  المهاجرين والأقليات،  وبلهجة  تصدح عالياً  بالشوفينية والمغالطات  تجاه  موضوعات راهنة  كظاهرة  الاحتباس الحراري، يجد له  صدى  في  فيلم  "العائد"، ويلامس  التيمات  العامة  التي  طرحها  إنياريتو  في  هذا  الفيلم.
لقد أخرج  إنياريتو  مشاهد "العائد" من  استديوهات برودوي المغلقة، وأراح  بصره من  متاهات  دهاليزها، إلى  فضاء  طبيعة  بيرتا Berta الخلاب. وبعد  تجربة مشاهدة تبني على  ذاكرة  مستلهمة من  جون كاسافيت، عبر  فيلم  "ليلة الإفتتاح  Opening Night  "  (1977)  وبتوليفات  الموسيقى  المصاحبة  المباشرة  لشيرلي  كلارك Shirley Clarke ، يقترح  هذا  المجال  التشاركي الأمثل  في  الثقافة  الأميركية  كما  تشكله  الطبيعة.  في  "العائد"  تنبعث  هذه  الطبيعة  التي  تغنى  بها  الفيلسوف رالف  والدو  إميرسون  Ralph  Waldo Emerson ووجد  فيها  التناغم  الكلي  بين  الإنسان  والرب، كما بدا في مجالها "الهندي" الذي  رأى فيه  فيلسوف  أميركا  الطبيعي  ثورو  مثال  الشاعرية. هذا  البعد  للطبيعة  والشاعرية  التي تحيط  سكانها الأصليين  انعكس، بقوة، في   السينماسكوبية  التي  حولت  المشهد  إلى  مجال  تأمل  مقدس  تماثل  المشاهد  في  أندري روبليف    Andrei Rublev (1966)   لأندري  تاركوفسكي.

نجحت  كاميرا  لوبيزكي في تحويل  الطبيعة  من  خلفية  ديكورية  للأحداث  إلى  فاعل  رئيسي  في  الحكاية.  هذا  النجاح  يستند  إلى تمرسه  مع  فيلسوف  الشاشة  في  السينما  الأميركية  ومترجم  إيمرسون  البصري  تيرانس  مالك  Terrance  Malick. حوارية  إنيارتو  ومالك  تتجاوز  بناء  المشهد  إلى  الصوت  المصاحب  الذي  استعمله  المخرج  من  داخل  هذا  الأسلوب  الذي  أصبح  معروفاً في  الوسط  السينمائي   بالأسلوب  المالكي Malickean style.  عبر هذه  الوصفة  تأخذ  قداسة  الطبيعة  في  فيلم  "العائد"  بعداً تتداخل  فيه  صوفية  إميرسون  مع  شامانية  المحليين  لتكون  "هذه  الأرض  التي  تملكنا  ولسنا  من  نملكها"  كما  عبر  الزعيم  سياتل  Chief  Seattle. وقد  يأتي  الرهان  على  هذه  الفكرة  في  اختيار  منطقة  بيرتا Berta  لتصوير مشاهد  الفيلم  والتي  أصبحت  اليوم، في  سياق  أميركا  الشمالية، أهم  قلاع  الحرب  المشروعة  لمناصرة  قضايا  البيئة  ضد  ظاهرة  الاحتباس  الحراري. 

مخرج  عبر  الحدود

"ليس  الأربعون  في  المائة  من  الشعوب  القادمة  من  المكسيك  وأميركا  الوسطى    مجرد  مهاجرين،  هم لاجئون  سياسيون  بالفعل." هكذا  كتب  أليخاندرو غونثاليث  إنياريتو  في  مقال  نشرته الصحيفة  الإسبانية El País   في  الرابع  من  تشرين الأول / أكتوبر الماضي، يدين  فيه  دعوة  الرئيس  المكسيكي   إنريكي  بينيا  نييتو  من  كان،  آنذاك، المرشح   الإشكالي  للرئاسة الأميركية  دونالد  ترامب.  هذا  الأخير  على  حد  تعبير  صاحب  "العائد"  "مارس  علَناً،  وأمام  العالم  أجمع،  مختلف  أنواع  الشتم  والتحقير  في  حق  أطفال  لاجئيين  فرّوا  من  الجوع  والفقر  والعنف  الذي  تهددهم  به  يومياً العصابات  الإجرامية  ومافيا  المخدرات  في   المكسيك  ودول  أميركا  الوسطى، الذين لم  توفِّر  لهم  حكومات بلادهم الحد  الأدنى  من  العيش  الكريم".  يعتبر  المخرج  أن  دعوة  كهذه  من  أعلى  مسؤول  في  دولة   المكسيك  عبارة  عن  "خيانة  عظمى، وإهانة  مقصودة  لشعبه". يضيف  مخرج   "بابل"  "منذ  168  سنة   سلَّم  الرئيس  أنطونيو  لوبيث  دي  سانتا  آنا  للجارة  الشمالية  ما  يعادل،  تقريباً،  نصف  القطر المكسيكي (يقصد ولاية تكساس)، واليوم  يسلِّم  بينيا  نييتو  ما  تبقى  لنا  من  كرامة".  ليجزم:  "كمواطن  مكسيكي،  لم  يعد  هذا  الرئيس  يمثلني".

في  رميه  الرئيس المكسيكي  بتهمة  ثقيلة،  كالخيانة  العظمى،  يكشف المخرج  عن  موقف  تشاركه  فيه  تقريباً  كل  الشريحة  المكسيكية  المهاجرة  في  الولايات  المتحدة  والتي  بدورها استنكرت، على نحو أو آخر، هذه الدعوة. كما  يبيِّن  كذلك  تشبثه  القوي بالهوية  المكسيكية، الذي  تتصاعد  الحدة  في  التعبير  عنه  كلما  علت  أصوات  الخطابات  العنصرية  مثل التي روج  لها  ترامب  في  حملته  الانتخابية.  فالمكسيكي  داخل  الولايات  المتحدة  يكون  مكسيكياً  أكثر  كلما  طالبته  الظروف  في  التعبير  "تأمرك" أكثر.  موقف  لا  زال  مثار  التباس  لعديدين  في  البلد  المضيف،  بما  فيها  الشريحة  الليبرالية  التي   تنظر   لواقع  الهجرة  كحق  إنساني،  وتروج  لثقافة  التعايش  مع  المهاجرين، ولكنها لا تستطيع تفسير  ظاهرة  مهاجرين  يمشون  في  تظاهرة  بنيويورك،  أو  شيكاغو،  ضد  قوانين  الترحيل  القصري، وهم  يحملون  العلم  المكسيكي. رغبتهم، وحقهم  في  البقاء  داخل  البلد  المضيف،  يعبر  عنهما  برموز  مفارقة  كالألوان  والشعارات  الوطنية  في  العلم  والملابس  تبدي  تشبثهم  بوطنهم  الأم.

التأرجح بين منظورين

تهمة  الخيانة  تحضر كذلك  في  هذا  السياق  الفني  الخاص  بأليخاندرو غونثاليث  إنياريتو  كمخرج.  وهو  العبور  الفني  crossover  من  قطر  لآخر،  لا سيما  حين  تكون  نقطة  نهاية  هذا  العبور  مجالاً  ثقافياً  ترعاه  مؤسسة  سياسية  تتبادل  مع  أنظمة  وشعوب  الوطن  الأم  نوعاً من  العداء.  هذا  العداء،  في  السياق  المكسيكي،  يأخذ  شكله  الأكثر  تعسفاً   في  قانون  الهجرة،  وشكله  الرمزي  في  الترويج  الإعلامي   لتنميطات  سلبية  المدلول  تحيط  صورة  المكسيكي  كمواطن،  أو مهاجر،  ما  يغذي  شكل العداء  الأول. في  هذا  السياق  يتموقع  أليخاندرو غونثاليث  إنياريتو  في  وضعية  تتأرجح  بين  منظورين،  الأول  سلبي  والثاني  إيجابي. 




نشر الخبر :
نشر الخبر : موقع ينايري
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية،.