آخر الأخبار :

من ذاكــــــــــــرة أنــــــــثى


 
اتسعت عيناها فجأة لما حان دورها  في الكلام  خلال جلسة أصحاب وقالت :
 ما أذكره عن عيد الأضحى وأنا طفلة، ترسخ في ذاكرتي البعيدة ولم يغادرها أبدا، من خلال  متابعة عملية نحرالخروف السيء الحظ ، أنه يتعين على المسلمين كمعنيين بالذبح في نفس اليوم من كل سنة،أن يتحلوا بصفات المؤمن الرؤوف أثناء قطع شريان الخروف رأفة به كذكراسم الله ونزع الجلباب الأبيض الخاص بصلاة العيد كي لا تلطخه بقع الدم المتناثرمن رقبة الأضحية.
كان اقتناءالأضحية عبئا ثقيلا إضافيا على كاهل الوالد،المعيل الوحيد لأسرة تتكون من عدة أفراد،
ذلك أيضا أمريتعذر نسيانه .                                                                          
في كل عيد أضحى، بسبب طقوس الذبح و السلخ و ما يواكبه من روائح  قوية و أعمدة دخان متصاعدة كأن حريقا شب في  بيتنا أو في بيت أحد الجيران ، بينما نساء الحي و بعض شبابه ينكلون في انتشاء برأس و أرجل الخرفان ،عندما كبرت،صرت أغلق علي باب غرفتي صبيحة العيد و لا أغادرها إلا في المساء و قد هدأت الدماء السائلة من روع الناس الذين يصابون  بما يشبه الهذيان، من ازدحام في الأسواق و محاولات التسلل أمام الدكاكين لاختراق الصف غيرمبالين بضرورة احترام الدور،لاقتناء ما تيسر من المواد الغذائية  و الفحم على رأس المشتريات ،  مرورا بشراء ملابس جديدة بغض النظرعن نوعيتها أو قيمتها أو حتى درجة الحاجة إليها.                
 عيد المولد هو أيضا من المناسبات التي كانت تدعو الطفلة  للتأمل في الحركة غيرالعادية من حولها، فقد كانت تسود في الحي على غرارالأحياء المجاورة المتشابهة ، أجواء يصعب على طفل استيعابها.
يبدأ العمل الشاق في البيت بعد الظهيرة ،تتجند له نساء الدار،غسل وغسيل، عجين ، فرن،توابل،
وغيره من مستلزمات بعض الأطباق الشهية المتواضعة إلا أنها مناسباتية كونها تتطلب ميزانية 
ليست في المتناول في أي وقت و مجهودا إضافيا.
يستيقظ أطفال الحي كل يوم عيد المولد في الصباح الباكر على هرج الكبار، يوم يختلف عن أيام المدرسة في كل شيء ،مائدة تمنح اختيارات للإفطار على غير العادة،تبادل القبل بين أفراد الأسرة  لمباركة العيد ثم تمتلئ  الأزقة بالناس في الساعات الأولى من الصباح، يبدأ برنامج صغارالحي العفوي دون تأطير من أحد، يتفق الجميع على الالتحاق بموقع أشهر ضريح في المدينة ، ذاع صيته في البلد لما يعرفه في عيد المولد من احتفالية فوق العادة.   
 ازدحام في كل أنحاء المدينة ،حشود تمشي في نفس الاتجاه قاصدة الضريح الذي يحتضن الجذبة و الحضرة و جلد  الأجساد من طرف أشخاص كان يسمون حمادشة ، تسيل دماؤهم في تخشع ، وشرب مياه مغلية و مشي فوق مسامير،  حلقة هنا  لترويض الثعابين و أخرى هناك  في وسطها رجل واقف و امرة جالسة  وقد غطى وجهها قطعة قماش كي لا ترى ، بعد أن يقوم بجولة على المتفرجين لجمع الدراهم،يطلب منها وصف لباس أشخاص تفصلها عنهم مسافة كبيرة ، مدعية أنها تعلم الغيب لأنها حسب تعبير الرجل الذي  يساعدها تتمتع بالبركة لامتلاكها قوة خارقة.
عجبا للطفلة ، فقد كانت تراقب و تتأمل كل شيء بعين ثاقبة ،خزنت الكثير من الصور في ذاكرتها، لم تضيعها في رحلتها الطويلة، وكأنها جمعتها في محفظة تحملها على ظهرها،
وظلت تسرح بها في دروب الحياة المتشعبة دون أن تفرط فيها . 
فضاء متنوع يغلي غليانا لا يكفي اليوم بطوله لاستكشاف أسراره ، شعوذة، قارئات الورق ،أنغام مختلفة (جيلالة، عيساوة،احمادشة،كناوة،مرتلون ، أرجوحات للأطفال يشاركهم فيها بعض الكبار...)
أطفال الأحياء القريبة من الضريح، حيث مكان " الفرجة الشعبية " ،كانوا أول من يحضر و آخر من يغادر لوحدهم  لأن أفراد أسرهم عادوا إلى بيوتهم بعدما نال منهم التعب الشديد.
لاشيء كان ينغص عليهم فرحتهم بأجواء العيد وما تحمله من كسر للروتين على كل الأصعدة بما في ذلك معدتهم.
على مدى سنوات طويلة ،لا أحد و لو مرة واحدة حاول أن ينتزع الأمان الذي كان  يتمتع به الأطفال وهم خارج حماية الأسرة في ساحة الضريح دون مرافق من الأهل.
كانت الطفلة تبقى حتى وقت الغروب في الموقع لأن المشرفين على المراجيح ألفوا وجودها فصاروا يسمحون لها بالتأرجح دون أداء .                                               
في ركن من ساحة الضريح ،بالقرب من باب المقبرة الرئيسية للمدينة ، توجد طاولة كتلك التي يعرض عليها بائع متجول سلعته،  يقف خلفها رجل يصرخ بأعلى صوته : اربح، اربح، اربح... 
تتلخص العملية في أداء درهم لصاحب الطاولة  المملوءة برزم من ورق الجرائد القديمة و اختيار
 رزمة يتم  فتحها من طرفه  لمعرفة إذا كانت  تحتوي على عشر دراهم ليفوز بها المشارك.
أنتبهت الطفلة أن شيئا غيرعادي يحدث،إذ لاحظت  أن مساعديه  يقومون  بنفس العملية ويربحون ولم يكن يربح أحد غيرهم ، فقد كان  الغرباء يخسرون و يغادرون ويستمر نفس الأشخاص في الربح، يغادر الشخص الرابح لبعض الوقت ثم يعود بعد انصراف الخاسرين ويرد النقود التي ربحها خفية لصاحب الطاولة .
كانت عملية معقدة بالنسبة لعمر الطفلة لكنها مسلية ،فهي تشبه مسألة حسابية  توصلت إلى حلها، شخص يشرف على العملية، نفس  الأشخاص يربحون، يراقبون عن بعد، حين يرون الوجوه تغيرت بعد انصراف الذين لعبوا فعلا و خسروا ، يعيدون النقود للمشرف على اللعبة ، لتبدأ العملية من جديد إلى أن تغيب الشمس .
لم يكن أحد يهتم  لوجود طفلة صغيرة في مكان لا يناسب سنها ، تستمتع بخسارة وهمية و ربح مزيف ، و ما يدعو للاستغراب، هو قدرتها على كتم مشاعرها و تحليها بتلك القدرة الخارقة على عدم لفت أي انتباه ربما خوفا من شيء تجهله أوحرصاعلى متعة اكتشاف سر لعبة خاصة بالكبار 
 أوقد يكون  تحكمها في التعبيرعن انفعالاتها ببراءة هو السبب وراء السماح لها بالمكوث بينهم وهم يمارسون لعبة معقدة،تذكر أنهم كلهم كانوا ذكورا .




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.