آخر الأخبار :

دوما كالأمس: من وحي الشذرات الأمازيغية


تعني كلمة أمازيغي الرجل النبيل الحر والشجاع الكريم المعتز بنفسه، أما الأمازيغية فكانت تعني لغة هؤلاء المتصفين بهذه السمات، إنها اليوم لا تصلح إلا كتذكار لأولئك الذين كانت تجري فيهم حقا دماء هذه الصفات، لقد بات الأمر اليوم ضربا من الضغينة، ارتداد بدرجة زاوية الصفر، أصبح الفقيه والإمام والشيخ والخطيب، أحقر المخلوقات في الأرض على الإطلاق، علماء المضمضة وخروج الريح والنكاح هم من يحملون الآن هذه الصفات. والنتيجة ان هؤلاء الذين يرددون اليوم شعار الهوية، عليهم قبل كل شيء أن يستردوا صفات هذه الهوية، أن يتمثلوا قيمها، على الأمازيغي قبل كل شيء أن يحسم موقفه من علم المضمضة، أن يغتسل كليا في طهر الوطن، لا أن يعيد على مسامعنا ثلاثية الشح في الوضوء والحج إلى تلال الصحراء حيث عرش الكهنوت الهلالي : 
ايكري أمان الفقير ايكري امان اوا egri aman al fakir egri aman aoua 
أوريي سيريذ مربيع ايكري أمان اوا ouriy serid marbai, egri aman aoua (رشني بالماء! لن يغسلني أم الربيع يا هذا!، مقطع من أغنية أمازيغية تنتمي إلى زمن الرحل بالأطلس المتوسط) 
أصبحت الأمازيغية الآن رمزا للدماثة والشقاء والعبودية حين ازاحت نبلها ولبٍِّسته للسماء . تونفيت خير دليل، يسرقون أرزها، وحين تتدفق جثث أطفالها بسبب موجة البرد القارس يتدفق إليها "الإحسان"، صدقة هؤلاء الذين اليوم تلبسوا صفات النبل، أي هذا الذي يحط من كرامتهم. والدي الأمازيغي كان نبيلا عن حق، أبوه الذي كاهن الرعاع بصحيح الحديث، كان فقيرا لا يعمل، تزوج جدتي التي كانت غنية، ورثت أخاها الذي كان ضحية للأوبئة التي عرف بها مغرب البؤس (تاريخ الكوارث الذي لا أحد يتحدث عنه اليوم)، كان جدي الكاهن هذا يبيع كل مرة قطعة أرض كلما اجتاحه العوز، كان لا يكترث، وكانت هي ذات الحس النبيل والتي كانت بشهادة الجميع، كانت هي من يحرث ويحصد، وكانت في أيام "اللبو" تجمع حتى ما يتبقى من من مخلفات الحصاد، كانت تنبهه كل مرة بأنه يسيب مستقبل أبنائه، فكان هو يرد عليها:" هم خلقوا بركبتا أرجلهم القوية، سيصنعون مستقبلهم بركبتاهم"، حين تزوج والدي قطن الغابات، كان قناصا متميزا، وكان يبيع الحطب والفاخر (الكربون الخشبي) كان يعيش حرا نبيلا، من حسن حظي أني ورثت شيئا منه، لقد ولدنا انا وأختي في صلب الغابة التي اليوم أصبحت جزء مني، لأول مرة يتولد لدي حس الكره، كره الرأسمالية، كانت الجماعات المحلية تبيع عشرات الهكتارات للشركات الرأسمالية لحطبها، وكانت هي تقوم بالعمل بشكل كاسح أثر في نفسيتي، لم تكن تحطب كوالدي الذي كان يكتفي بالأعواد اليابسة، لقد قتلت فيي روح التحدي، كنت مجبولا بتسلق أصعب الأشجار، كنت أنافس القرد الامازيغي في التسلق، كانت أقرب قرية إلينا تشبه جزيرة، كانت تيط إفسثن (العين الصامتة) بنصر أخضر محاط من كل جهة بالغابات، وفجأة، في ظرف سنة فقط، أسقطت كل أشجار تلك الغابة، أصبحت جبال تيط إفسثن عارية تماما، تصوروا الآن نفسية طفل يكتسح مجاله البيئي، لم يتلقى سكان المنطقة، ليس فقط تيط إفسثن، بل قرية أكديم، أنجزضم، أيت عزيزة، تافرن نتامساوت، وكلها قرى محاطة بالغابات كجزر صغيرة، لم يتلقى سكان هذه المناطق أي تعويض على الإطلاق ولا حتى ترسيم طريق أو بناء مدرسة، وكانت هذه الغابات كلها ملك جماعي. الآن وصلت إلى تغريدتي السابقة: "فرنسا مخزنت الممتلكات الجماعية وبعد ذلك جاءت حكومات الإستقلال الشكلي لتفوتها”. 
يحكي والدي: "عندما جاء الفرنسيون لتحديد الملك الغابوي، كنا نحن نختبيء خوفا من الإعتقال، وكانوا حين يصادفون شخصا، كانوا يطلبون منه أن يحدد فقط المناطق المزروعة ولمن تنتمي، وكان الناس يجهرون بالقطع المزروعة دون وعي منهم أن المقصود هو تحديد الملك الخاص، هنا بالتحديد أختلف جدريا على الحركة الماركسية المغربية التي كانت تبحث عن طبقة عاملة في الوقت الذي كانت فيه الملكية في المغرب، كان سوادها ملكية الجماعية، لماذا نبحث عن طبقة ثورية في الوقت الذي لدينا أساس عام يفترض أن تثور الطبقة العاملة لأجله، أي لدينا الملك العام وليس الملك الخاص..إن والدي برغم سذاجة وعيه السياسي كان لديه حدس نبيل ، كان على الأقل يعرف أنه حر وأن المخزن، سواء بصيغته الفرنسية أو صيغته المغربية في الإستقلال، قدر خبيث في بيئته. لقد افتقدنا حدس غيفارا في الأمر . حتى الآن، لا مجال لعلم المضمضة هنا، إن هذا العلم هو تحييز لما يجب أن يكون عليه الوعي الهوياتي، إنه علم التنصل من الإنتماء إلى الأرض. هذا هو ما يجب أن يكون عليه الوعي، الآن سأوضح امرا آخر حول القضية الفلسطينية، حين اتعاطف مع القضية الفلسطينية، أتعاطف بالتحديد مع هؤلاء الذين تشكل الأرض جزء منهم ، لا أتعاطف مع المسجد الأقصى ولا مع أي ريح دينية أو لغوية وهذا ما أختلف فيه مع أمازيغ الرعاع، أي بالتحديد هؤلاء الذين فقدوا نبلهم بسبب من المس الديني نفسه، زح غشاوة القناع الديني عنك سيتضح لك الموقف في قضية فلسطين، ليس الأمر تماما انسجاما مع الموقف القومي العربي حتى وإن بدا، الموقف هو موقف حق أهل الأرض في أرضهم كانوا عربا أو قوما آخر، أما المواقف الأخرى التي تزج الأصل العربي لفلسطين في الأمر هي مواقف عنصرية بالتمام. لا يمكنني أن أتبنى العداء لفلسطين لأنها دولة تتبنى الهوية العربية فقط لأن القومية العربية في وطني خانتنا، المشكلة بالنسبة لي في وطننا هي مشكلة الحسم في مواقف معينة، إذا كنت بالفعل أنزع لموقف يتمثل فيما أنا أهل له، أنزع لأن أكون نبيلا حرا، امازيغي بالتأكيد، علي أن أميز قضيتي على أنها قضية حق سياسي اقتصادي اجتماعي مبنية على معطيات حقيقية، وعلي أن أميز في الوقت نفسه من يهضم حقوقي في هذه القضية والتي هي الإمبريالية الفرنسية وبعدها الإمبريالية الدولية في شخص المؤسسات المالية العالمية والمؤسسات نفسها ذات طابع متعدد الجنسيات بما فيها مؤسسات البيترودولار المشرقية والبورجوازية الكولونيالية المغربية باعتبارها أداة التمكن منا من خلال اعتبارها أو اعتبار عناصرها مغاربة، اما إذا كنت أنشد التقدم بنفسية عيانة لا تجتهد أصلا وتتيمم الأمازيغية كهوية فالأمر هو تيمم شكلي، وضوء ثلاثي، ليس تماما ك: "اكريد أمان الفقير، أرييسيريذ مربيع".
يتبع .............




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.