آخر الأخبار :

عيون على مدن الملح


يتيه المرء حقا مابين عجرة وحران ووادي العيون؛ فيفقد صوابه ما بين ظاهر هذه الأماكن الجغرافية وباطنها؛ وقد تغلبه الدهشة سواء وهو يعبر هذه الصحراء؛ سواء وهو يحمل بين يديه سمفونية مدن  الملح المنيفية؛ الصحراوية الصنع.
في مدن الملح؛ ملح من نوع أخر غير مجرى التاريخ والجغرافيا ونمط حياة أناس بأكمله.
مدن الملح إذن هي رصد للوقائع والأحداث؛ كما الإنسان؛ بتأن وروية ونفس لم يخلق له نظير بعد في الرواية العربية؛ الإمتداد؛ الشساعة؛ الدقة والإغراء بتتبع الحدث إلى نهايته؛ حيث لا نهاية ولا انتهاء؛ إذ على العكس بداية حياة جديدة؛ برؤى وتطلعات جديدة؛ فوق صحراء غذت هي الأخرى جديدة لما يحويه باطنها من كنوز وأسرار.
تسجل ملحمة مدن الملح المبدوءة بالتيه؛ المختومة ببادية الظلمات؛ شهادات عما كان يختلج قلب الصحراء وجوارحها بكونها رقعة جغرافية  لها مميزاتها وقيمها الخاصة؛ وكونها أيضا تغني أناشيدها على إيقاعات حبات الرمل المتعطشة للمطر؛ وعلى هذا المنوال وهذا القالب استطاعت أن تستمر وأن تنسج علاقات الود والمحبة مع الجاثمين فوقها؛ بل وعبر جراحهم المثخنة بالبؤس وندرة الزاد استطاعت أن تسكنهم وتصبح جزء منهم؛ فألفوها وأحبوها لدرجة لم يعد معها الفراق يسيرا؛ تطبعوا بطباعها؛ فأخذوا منها الشهامة؛ التحدي؛ القسوة والطيبوبة أيضا؛ وأخذت منهم التوجس من الآت؛ فبقدر ما يحتاطون من الغرباء والذين لا تربطهم بهم صلة القبيلة؛ كانت هي الأخرى كذلك؛ وبقدر ما يهابون غضب الطبيعة وشح المطر؛ كانت ترتعد أيضا؛ فأصبحت ترقص على إيقاعهم وتبتسم لأفراحهم؛ ولا يفوتها البكاء على أحزانهم؛ ووسط هذه الصحراء الجامحة؛ المستعصية على أي تفسير؛ نهض أناس غير قابلين لأي ترويض ممكن؛ وغامضون أكثر مما يتصور؛ ينفعلون لأبسط الأسباب؛ ويبدون غرابة في التصرف.
.... في التيه بدأت الحكاية؛ لكنها لم تنته مع بادية الظلمات؛ فهي ماتزال مستمرة؛ فقط تنتظر من يرويها؛ البداية مع وادي العيون؛ هناك تعود الناس على حياتهم البسيطة؛ ينتظرون القوافل المحملة بالزاد والأخبار؛ ومع هطول الأمطار تبدأ حياة بنكهة جديدة؛ حياة الرغد والنعيم؛ ووسط وادي العيون؛ نشأت علاقات الود والتعايش. القوافل تأتي معها دائما بالمفاجأة؛ وكم كان هول الدهشة عندما وصل الأمريكان؛ وتعقدت الأمور أكثر لما بدأ تأييد الحكم لهم واستقبلهم بحفاوة؛ مما أثار حنق البدو الذين ينظرون للأجانب بريبة وحذر؛ مادفع هؤلاء للمجيء كان مضمرا في الوهلات الأولى؛ حيث تذرعوا بالزيارة والإستكشاف؛ حدس متعب الهذال وحده كان صائبا؛ ذاك الكهل الذي حنكته التجارب؛ وجرعته الحياة الخبرة؛ رأى في عيون الأمريكان أغراضا أخرى؛ فأرقه وجودهم منذ البداية؛ لكن فارسا واحدا ال يكفي. 
مع ساعات الفجر الأولى لأحد الأيام؛ بدأ أزيز الآلات يهدر في الصحراء بغية التنقيب على الذهب الأسود بعد أن أشار الأمريكيون إلى ذلك؛ وبعد مساندة الحكم لهم الذي وعد سكان المنطقة بأن أموالا طائلة تحت أقدامهم ولابد من الاستفادة منها بشرط عدم إزعاج الضيوف؛ أما في حالة المعاكسة؛ فالسيف وحده حد فاصل كما قال الأمير لمتعب الهذال.
.... يوم بعد يوم تصل آلات أخرى ومعدات جديدة؛ كما أصبحت الحاجة إلى اليد العاملة مسألة ملحة؛ فكان شباب الصحراء هم الجواب الشافي؛ بدأوا في الحفر وفي تشغيل الالات؛ بعد ان تعلموا كيف يديروها كما تم تلقينهم لأشياء أخرى هم وحدهم يعرفونها؛ المستفيد الوحيد من هذه القفزة التي عرفتها الصحراء لم يكن أبناؤها؛ بل الأجانب وحفنة من مصاصي الدماء كانت تؤيد الأمريكان وتفسح لهم المجال لأي فكرة راودتهم حتى لو بلغ الأمر ترويض السكان؛ وهو ما حصل فعلا عندما تم تشييد دور خاصة بإقامة العمال والتي كانت وسط أوراش العمل؛ كما كانت معزولة  عن البادية في محاولة لضبطهم وكبح أية فكرة للتمرد على أوامر الأمريكان؛ واستمر العمل ومعه بدأت حياة التدجين والترويض تطفو فوق رمال الصحراء؛ ومع هذه المظاهر أصبحت الحاجة ماسة إلى إخافة كل من سولت له نفسه الإحتجاج أو رفض الواقع الجديد؛ فتم إرساء دعائم الإستغلال بتشييد السجون ودور الشرطة ، وحدهم المستفيدون من هذا الوضع يسهرون على تثبيته .
 
يتبع .....




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.