آخر الأخبار :

هل تعيدون قراءة ما تكتبون؟


لي حكاية مضحكة مع ما اكتب ، عندما أعيد قراءة ما أكتب تحصل لي أشياء كثيرة، عادة احب أن أسخر من كتابات الذين أختلف معهم، بشكل اعتمد قاعدة لمنطلقاتي، إن قاعدة منطلقاتي تشكل الاعتقاد بالنسبة لي بأنها هي الحقيقة، بشكل أوسمها بالتواضع: الشيء الحقيقي عندي هو الشيء المتغير، والحقيقة أن قناعات جديدة تغير قناعاتي القديمة برغم سطوة القديم، بعض الذين انتقدتهم، كان نقدي لهم نقدا في "سبيل الله"، حتى أن أحد أصدقائي في الفايسبوك عندما هاتفته لأبارك له عيد ميلاده، أخبرني أني لا أبدوا، من كلامي، أني ذلك الشيوعي الفظ، البعض الآخر ممن يدعي مثلي أنه مفكر، جاريته في الثرثرة نقدا أو نقضا، بشكل كان نقضي له سفكا به: “عدو طبقي "،”خائن"، " تحريفي" وهلم جرا. إن الغائب في كل هذه الكتابة هو إحضار الوعي بأن الذي انتقده يخضع لسياق خاص له موضوعيته، بعض هؤلاء كان يكابر في الكتابة وأنا كنت أكابره، والذي كان يجب هو أن استوعب سياقه، أن أعرف الأنساق التي تقوده لكتابة ما يكتب  وتتركه في سلام، إنه يقاوم وله الحق في أن يقاوم.
اعتقد أني ماركسي، والحقيقة هي أني كنت عامل فقط في المغرب،لم أفهم ماركس بقدر كبير في المغرب، كانت الكتب التي تصلنا في المغرب كلها تسمى "الرأسمال" حتى التي بحجم 30 صفحة ، وكان ماركس بالنسبة لي إمام آخر : إمام الطبقة العاملة يدافع عن الإشتراكية التي كانت أيضا مبهمة ، كانت تلك الكتب تتناول حالات في الرأسمال هي بحسب التسلسل الحقيقي منقطعة عما سبقها بشكل شكلت دائما أمر أنها  تفتقد شيئا ما غير تام ، إن سياقها أيضا كان غير مفهوم تماما، عمل ميكانيكي اسهمت على إضفائه "دار موسكو" السوفياتية: ربما كان الهدف بالنسبة لها هو: بما أننا نحتاج إلى الوعي البروليتاري، علينا سحقه بأجزاء الرأسمال، والنتيجة أننا كنا نحمل الكتب الحمراء كما يحمل المتدين كتابه المقدس، والأكثر إثارة في الأمر أننا كنا نقتنيها بالتخفي كما لو كانت شيئا خطرا: “كتب ثورية"، بعض اليساريين ساهموا بشكل أكبر في الكارثة: حين يمنحك كتابا يأمرك بالحرص على إخفائه، وبعضهم، تمسكا منهم بالزعامة كانوا يبخلون حتى على منحها للآخرين بدليل أن مستوياتنا الثقافية لن تستوعبها، مع أني بصراحة، وانا أقرأ ماركس الآن، تذكرني حساباته بفصل في الرياضيات في الإبتدائي، هل تتذكرون الآن هذه المعادلة في القسم الإبتدائي الخامس في مغرب السبعينات: "الربح يساوي ثمن البيع ناقص ثمن الشراء “. هذه القاعدة موجودة في كتاب الرأسمال الثوري الخطر، وطبعا لم نكن نجد هذه المعادلة في كتب 30 صفحة وما فوق في كتب دار موسكو، لم يكن يصلنا الجزء الثالث للرأسمال، مالذي سيحصل لو أن الماركسي أفعم هذه المعادلة بمعطيات أخرى لابن عامل في الإبتدائي، أكيد سيحصل شيء وحيد، سيفقد ما به ينعم شخصيته في تفقهه في الحلقيات الخطابية المملة  . دائما أشعر بأن الماركسيين السابقين كانوا خونة في طعم الطبقة التي هم أصلا يتكلمون باسمها . ها أنا الآن اقترب من أحد الذين انتقدتهم في كتاباتي. اعتقد أن سياق مقالاته الستالينية أساسا كانت حول شخصه، لقد كان ستالينيا ولا ذنب له في ما حصل لأنه ينتمي إلى الجد في العمل الشيوعي، ينتمي إلى طينة "الهن" بالتعبير الأمازيغي (Acier) (الحديد الصلب). ولا يهم بعد ذلك إن كانت تحليلاته خاطئة أو صائبة فيما بعد، فالتاريخ توقف عنده في موت ستالين، وهذا كل ما تقوله كل مقالاته، فلماذا كنت أزايد عليه؟.لقد كان بالفعل ستالين يمثل الكل في الكل بعد أن ذبح كل رفاق لينين وطبيعي أن تسميمه كان سيحد من هذا الكل . لقد بدا لي أول مرة عندما بدأنا نكتب في موقع لا رقابة فيه على الإطلاق أنه لكي تكون ماركسيا يجب ان تكون صلبا لا درويشا وان تضرب كل "التحريفيين " عرضا وأفقا في الوقت الذي تستلزم المواجهة الفكرية نوعا من اليقين في إصدار الأحكام، التأكد من معطياتك في مصادرها أولا ثم يمكنك أن تقارنها بفهمك الخاص الذي ربما كان خلاصة لنقاش ما .
لعل أكبر عائق في الماركسية مثلا هو مشكلة التمييز في المفاهيم، كنت واحد ممن تلبس لديه مفهوم القيمة النفعية للصناعة، هذا الغموض العام أدى إلى تناقض في الإستعاب حول مسألة القيمة الزائدة وعلاقتها بالقيمة النفعية لأي صناعة وبدأنا نسند القيمة الزائدة إلى العامل العضلي، إن الكثير من الجدل الذي سال حول الموضوع كان يتربص فقط عملية تحديدها تحديدا ميكانيكيا لا ينزع إليه الشك، بينما الرأسمالي ، في إطار المنظومة التي يحددها هو كمجال لنزعها في إطار القوانين الإستثمارية التي تسنها طبقته، كانت هذه القوانين هي من يحدد تلك القيم الزائدة وهي من جعل قطاع الخدمات قطاعا منتجا لتلك القيمة بالنسبة لها، صحيح ان الأمر بالنسبة لنا ليس قطاعا منتجا استنادا إلى وعينا النفعي العام للعمل، ليس كقطاع الصناعة مثلا ينتج موادا ملموسة مجردة ينتفع منها الجميع، لم تكن المشكلة أساسا هل هذا القطاع ينتج نفعا عاما ام لا، المشكلة أن هذا القطاع ينتج نفعا للرأسمالي، كيف ينفعه؟ فقط يزيد في تراكم رأسماله، إن زراعة العشب غير النافع في حديقة منزل الرأسمالي يبدوا لنا أمرا غير منتجا أو بالأحرى أمرا غير نافع لأن العشب ذلك لا يؤكل، ليس كما المزروعات التي يزرعها فلاح صغير في حقل صغير، إنه يزرع أمورا تنفعه هو وأسرته، موادا للإستهلاك المحلي ، أو حتى مبادلتها بمواد أخرى للإستهلاك أيضا، لكن هذه الأعمال النفعية بالتأكيد ليست رأسمالية لأن الفلاح هذا لا يتوخى منها تراكما رأسماليا، بل يتوخى منها تغطية حاجاته، لذلك تبدوا لوعينا أنها ذات نفع بينما العشب في حديقة البرجوازي ليس له أي نفع عدا جمالية الحديقة. إن مفهوم النفع كان عندي مستاقا من النفع كما تفهمه أسرتي التي أمضت مجمل عمرها في الحقل، كان أمرا موروثا في اللاوعي، ويعني الأمر تماما أن مفهوم النفع في التحليل الماركسي يحمل هذا السياق النسبي الذي لا نستحضره عادة في التقييم حيث يقترن بالنفع العام : إنه بالتأكيد نفع خاص، نفع للرأسمالي وبالتالي ينتج قيما زائدة له وإلا لن تسن قوانين خوصصة القطاعات الخدماتية. على ضوء هذا الفهم الخاطيء ذهب جرد من الرفاق في تأكيد انحطاط الولايات المتحدة لأنها تعتمد في إنتاجها القومي على هذا القطاع مع أن المسألة ليست بهذه البساطة إذا أردنا تقييم انحطاط الولايات المتحدة أخذا بالإعتبار شركاتها الصناعية العابرة للقارات  وهيمنتها على الأسواق العالمية.
 
على أن الأمر كان مبالغة من جهتي، إن فصلا من اللينينية بدأ يفل، ويبدو أن في الأمر خيانة، تحريف وما إلى ذلك، لكنه فصل بدأ ينحل بسبب تغير الأنساق الإجتماعية نفسها بسبب من تغير في الأنساق الإقتصادية والسياسية نفسها، لقد أشارت الكثير من الكتابات أن ماركس لا إنساني، وكان هذا في سياق خاص أيضا، فالموضوعية في التحليل لا تفيد في المواقف السياسية، أو قل بأنها تفيد بالشكل الذي هي تؤثر فيها، وطبيعي جدا أن التاريخ يحتكم إلى قانون مختلف عن قوانين العاطفة ، وهذا ما حاوله ماركس حين أعطى أولوية لأنساق العمل الإجتماعي والميكانيزمات المتحكمة فيه، أما الإشارات الإنسانية في عمله فكانت وقفا على ظواهر بحد ذاتها، ظاهرة استغلال الأطفال، البيئة والطبيعة واستغلال المرأة وبيئة العمل اللاإنسانية في وقته، إنما السياق العام الذي كان يحكمه كان هو منطق الإستغلال الرأسمالي باعتباره النمط السائد والذي بدوره مبني على تناقضات الإنتاج والسوق والصناعة أي أنه مبني على أنساق خارجة عن إرادة الناس. لقد كان صحيحا أن ماركس لم يتكلم عن الإنسان، ألتوسير الفرنسي هو من اثار القضية أكثر من الكتاب العرب : مركز التحليل الماركسي تشكله الأنساق الإنتاجية الإجتماعية وليس منظومة أنساق الحق العام أو الحق المدني أو السياسي .




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.