آخر الأخبار :

أسطورة سيزيف و عبثية التسيير بجامعة شعيب الدكالي


حسب ما يراه المتابعون والمهتمون بالشأن الجامعي، نستحضر اليوم سؤالا جوهرياً يتعلق بجدوى بعزقة المال العام عبر تعويضات في غير موضعها على أساتذة يتهافتون على القيام بمشاوير إدارية، إذ تجد البعض منهم يبحث على منصب عميد كلية، وآخر على منصب رئيس جامعة، و أقلهم يتسلل إلى منصب نائب رئيس أو عميد،  كلها مناصب تدر تعويضات سمينة، قد تفوق في غالب الأحيان 5000 درهم شهريا بالنسبة لمنصب العميد، و قد تعادل أجرة وزير بالنسبة للرئيس، ناهيك عن امتيازات السكن و التنقل زائد امتيازات أخرى، كما أن هناك من نواب العميد من يتقاضى تعويضا رسميا بقيمة 3000 درهم مقابل المشاوير الإدارية التي يقوم بها، بالإضافة إلى تعويضات استئنافية لا يعلمها إلا الزمرة المقربة من العميد. نحن ليست لدينا معطيات دقيقة حول التعويضات الاستئنافية التي قد يستفيد منها العميد أو نوابه، لكن حين نجد بميزانية مؤسسة جامعية مبلغ 470,000 درهم مخصصا فقط للتنقل الداخلي بالنسبة للإداريين، و 160,000 درهم كتعويض عن التنقل في إطار البحث العلمي، أي مجموع 630,000 درهم للتنقل الداخلي، نضع ألف نقطة استفهام حول مصير هذه المبالغ وأين مستقرّها؟ و كم عدد هؤلاء الإداريين  والأساتذة المتنقلين الذين سيثقلون كاهل الميزانية بهذه الأرقام؟ هل هي مبالغ ستصرف كتعويضات للأساتذة والإداريين مقابل خدمات "واقعية"، و كيف يستطيع أي مراقب مالي تتبع مسارها؟ 
 
في دولة تحارب الفقر و الأمية و الهشاشة الاجتماعية، كان من الأجدر تنشئة المجتمع على مبادئ التضامن والتطوع و حب الواجب الوطني، و نكران الأناوية ، حتى نستطيع القيام بالمهام الإدارية مجانا، و إجباريا باعتبارها جزءا لا يتجزأ من العقدة التي يبرمها الأستاذ الجامعي مع الوزارة الوصية، فتُحتِّم عليه شروط التوظيف قضاء مدة محددة في إدارة شؤون شعبته أو مؤسسته، كل حسب خبرته، مع إعفائه من الالتحاق بالقسم حتى انقضاء المدة القانونية، هذا مع مراعاة اختزال المسؤولية الإدارية في فترة زمنية قد لا تتعدى سنتين. و هكذا تضمن الدولة التناوب التطوعي على المسؤولية بروح عمل الفريق و نكران الأناوية و إحداث القطيعة مع نظام "البزولة" الذي أكل الأخضر واليابس من ميزانية الدولة. 
 
في نفس السياق، يتبادر إلى أذهاننا سؤال آخر: هل من المعقول أن يتقلد منصب عميد/رئيس أي أستاذ تعليم عالي تقدم بمشروع ورقي لتطوير المؤسسة، و تعهد أمام لجنة الفرز بتطبيق المشروع، لكي ينهي مهمته بقفة مليئة بالتعويضات والامتيازات، ثم يولي الأدبار من حيث أتى دون حسيب أو رقيب؟ من سيحاسب هذا العميد/ الرئيس عما إذا نفذ المشروع الذي جاء من أجله؟ كيف يُسمح لأستاذ ينتمي إلى شعبة الفيزياء أو الأدب أو العلوم التطبيقية أن يدير مؤسسة جامعية دون تكوين مسبق في التسيير و تدبير الشؤون المالية للمؤسسات الأكاديمية، و هذا التكوين يجب أن يصبح إجباريا، حتى تستطيع الكوادر الوطنية النهوض بهذه المؤسسات، لأنه لا يعقل أن يلتحق أستاذ بمؤسسة، ثم يبدأ في التهجي خطوة بخطوة في التسيير. و إليكم مثالا حيا على التهجي في التدبير من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، و هذا مثال ينضاف إلى سجل حافل بالأخطاء في التسيير. قام العميد السنة الماضية بتدبير خلاف نشب بينه وبين رؤساء الشعب حول الزيادة في التعويضات التي يعتبرونها هزيلة مقارنة مع الأعباء الملقاة على عاتقهم، حيث لا تتعدى قيمتها 1200 درهم شهريا.
 
 إذا تصفح القارئ المقال السابق تحت عنوان "استقالة احتجاجية بجامعة شعيب الدكالي" الذي نشرته الصحافة المحلية مؤخرا، سيكتشف أن مهمة رؤساء الشعب تعتبر من المشاوير الإدارية العبثية التي يقوم بها "المشاوري" بكلية الآداب، حيث لا تنتهي و تتكرر كل يوم بنفس الطريقة، و كل أسدس هي المشاكل نفسها لا تتغير. سبحان الله، تصادف في مكاتب الكلية المشاوري كل يوم يستقبل طلبات الاستعطاف، و طلبات تصحيح النقط، و طلبات الإدماج، و غيرها من الطلبات، كما يملأ  نفس الوثائق و نفس المحاضر، ثم يصعد ويهبط نفس السلالم صباح مساء متنقلا بين المصالح الإدارية و مكتب الشعبة، وكأنه سيزيف  يحمل الحجر من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرج الحجر منه من جديد، ليظل هكذا مدة ولايته، فإما أن يحتج و يستقيل كما فعل أحدهم الأسابيع الماضية، و إما أن يقضي مدة أربع سنوات يتحمل وزر الأعمال الشاقة السيزيفية. 
 
ضد هذه المكابدة انتفض رؤساء الشعب السنة الماضية، لكن الغريب في انتفاضتهم أنه لم يقوموا بالاحتجاج، بل فقط بالمطالبة في الزيادة في التعويضات المخصصة لهم. هؤلاء البؤساء هم راضون بالتواجد يوميا في الكلية وصعود الجبل و حمل الصخرة إلى الأعلى في محاولة سيزيفية لإنهاء المشاكل الأبدية المتعلقة بنتائج الامتحانات والتسجيل و توزيع القاعات وأيام العمل، هذا بالرغم من أن هذه الخدمات هي من اختصاص مصالح تابعة لإدارة العميد ولا علاقة لها بما هو بيداغوجي، كما أنه لا يندرج بتاتا في اختصاص رؤساء الشعب. 
 
لقد أدت هذه الانتفاضة إلى تنازل زيوس أو العميد وقبوله بمفاوضة هؤلاء البؤساء من الأساتذة، بعدما كان قد اشترى لهم هواتف "فلوت" للاستفادة من الخدمات الهاتفية مجانا، نظرا لتواصلهم الدائم بالإدارة و الأساتذة. فماذا وقع يا ترى على طاولة المفاوضات؟ هنا نعود لنذكّر القارئ أننا أوردنا هذا المثال الذي قد يبدو مبتذلا، لكنه بليغا في دلالته على سوء التسيير، خصوصا إذا اقترن بالكبوات السابقة، لنبرهن على أن المسؤول يجب أن يتلقى تكوينا في الإدارة والتسيير قبل أن يلتحق بإدارة المؤسسات، هذا ما لم يحدث بعد مع السادة العمداء ورؤساء الجامعات.
 
خلال المفاوضات، قام زيوس من مكانه، و قال لهم: "لقد اشتريت لكم هواتف للاستفادة من خدمات "الفلوت" مجانا، و الآن اختاروا: إما الزيادة في التعويضات، وإما الهواتف!" و بعد أخذ ورد، و مد وزجر، قرر البؤساء التخلي عن الهواتف، و قبلوا بزيادة هزيلة فرضها زيوس عليهم تقدر ب 200 درهم شهريا. كيف يعقل أن يُذل الأستاذ الجامعي إلى هذا الحد، و يتنازل عن لوازم مهمته الإدارية مقابل فتات الطعام؟ و لماذا لا يقوم رؤساء الشعب بخدمة الشعبة بشكل تطوعي، ويتناوب الجميع على خدمة الشعبة في إطار الاختصاص البيداغوجي فقط، و لفترة محددة مع الإعفاء من القسم؟ ثم  تُترك المشاوير الإدارية للإداريين قصد القيام بها. كيف تدنّى مستوى الأستاذ الجامعي، حتى أصبح يبسط يداه لتلقُّف صدقات من زميل له مكلف بمهمة، بينما يقوم أساتذة آخرون بالتدريس في جامعات ومؤسسات خاصة بمئات الدراهم للساعة؟ لماذا يبذل رئيس الشعبة جهدا تطوعيا لا يقدر بثمن، ثم يسقط في مطب التسول لدرهيمات معدودات، قد يجود بها كرم زيوس؟
 
و أخيرا، من المفارقات العجيبة التي تقودنا نحوها الحياة عبر دهاليزها هو أن عملية التفاوض بين زيوس ونُسّاك سيزيف شهدت صعود رئيس شعبة جديد آنذاك، إذ افتتح ولايته بمعالجة المشاوير السيزيفية التي تركها الرئيس السابق، و لما استفسر عن قضية الهاتف، مستغربا كيف رضي الأساتذة بالتخلي عن أداة تواصل مهمة لقضاء المشاوير الإدارية، مقابل مبلغ تافه، أنذره أحد الرؤساء بعدم التراجع عن هذا المكسب التاريخي الذي تم تحقيقه من طرف الزملاء، لكن هذا المشاوري الجديد صمم على موقفه وفاتح زيوس في الموضوع غير أن هذا الأخير أشهر في وجهه الحجة الدامغة، قائلا له: " انظر توقيع زملائك الذين سبقوك في هذه المهمة، لقد قبلوا ووقعوا بالتنازل على الهواتف مقابل زيادة 200 درهم". و بعدها، سلّم زيوس الهواتف لموظفين عاديين في مصلحة الامتحانات، كمكافأة  على العمل الذي يقومون به، و حرم ضحايا المشاوير من حقهم في امتلاك هواتف الإدارة، لكنهم كما يقال حصلوا على مكافأة قيّمة جداً تقدّر ب 200 درهم شهريا، و نِعم التسيير!




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.