آخر الأخبار :

المثقف وضياع الرسالة..


   قبل البدء في تفصيل الكلام هنا وهناك ، وتجنبا للكلام الفرط ، فكل مانبغيه من هذا المقال ليس التأطير الاكاديمي اللأجوف لمفهوم المثقف ولا متابعة خيوط اشتقاقه اللغوي  أو مساءلة حضوره في مجالنا التداولي، تجنبا لما بإمكانه أن يؤدي إلي تفشي التأوبلات العرجاء في فهومنا  فنأتي بذلك شيئا إمرا. بل أعز ما نرومه هو النزوع نحو رصد العلاقة بين المثقف وحكام الوقت        -  حسب تعبير لابن خلدون – ولماذا الطابع الغالب عليها هو الانسداد والارتكاس ؟ بمعنى  لماذا المثقف اليوم لا حول له ولا قوة في تغيير إملاءات السياسي ولاحتى الثأتير في مسارها ؟ ثم أين تمتد جذور هذه الردة ؟علما أن هذا الوضع يكاد يصير نسخة متشابهة متكررة، فهو ليس منحصر محليا  أو إقليميا بل هو ممتد جغرافيا عبر خط طنجة – جاكرطا أي من الماء إلى الماء.
    قبل الاسترسال ،تلزم الاشارة إلى ان هذا السقوط أو هذه الردة السياسية هي واقعة ومدوية ، فإذا أردنا  أن ندلل عليها من الاليق ان نتلمس خيوطها في عالم الفكر قبل السياسة . فالخوف من ممارسة الحرية في  المعارضة  أو النقد يمكن أن يعاينه ابسط متتبع للساحة الثقافية ،خاصة عند مثقفي الواجهة أو الخطوط الامامية ، الذين وكأنهم تعاهدوا سرا على أن يشيعوا في ثقافتهم سنة التهادن  والتساكن ، إذ يسكتون عما يقوم بين مؤلفاتهم من تعارض وتناقض ويطول إلى أن تتأكد أن لا أحد ربما يقرأ لما يكتبه الاخر ، فمثلا المرحومين الجابري وأركون هما على طرفي  نقيض في موضوع العقل والعقل الاسلامي ، لكن لا أحد يذكر الاخر لا جهرا ولا رمزا.هذا بالاضافة  إلى حالة الشرود القائمة بين الجابري والعروي، فالثاني  يتجاهل الاول ويغيبه في مؤلفه مفهوم العقل ، ثم  أنه يمكن معاينة الطقس الفاتر بين تاريخانية العروي الماركسية وشطحات طه عبد الرحمان الصوفية.وكأننا بهؤلاء التزموا الصمت ليكرسوا هذا  الكساد الثقافي بينهم والذي من سماته سوء أحوال القراءة لديهم ثم شعوربعضهم بتضخم الانا وتميز وعيه عن الاخر، وهذا لعمري هوس عظمة أو "ميغالومانيا"، فتراهم يتفاخرون و يتنافخون حتى تحمر أنوفهم في لقاءات التلفزيون ولو على قلتها. كل هذا يجعل القارئ لا يلوي على شيئ ،هو فقط يتعامل مع الاسماء كأشياء مجردة والمؤلفات "كماركات " مسجلة، إذ سرعان ما تتطاير من الذهن تطاير فراخ الحجل عندما يصيبها الفزع.
      وبالعوة للحضور التلفزيوني فهو ليس من باب تكسير جليد اللاتواصل والخروج من الغرف الزجاجية، ولكنه  حصري فقط في قنوات البترودولار التي تدفع أجورا سمينة ،والغريب أن هذا الحضور لا نجد له مثيلا في قراءة المشهد السياسي مثلا، والامر ليس بالهين والعادي والاعتيادي والمألوف، بل هو نشاز يطال مهمة المثقف سواء كما رسمها سارتر "المثقف هو من يكون منتميا لمجموعة  سياسية واجتماعية لكن دون أن يكف أبدا عن مناهضتها " ، أو كما حددها أنطونيو غرامشي حين ميز بين المثقف الكلاسيكي والاخر العضوي. ما يؤكد هذا النشاز ويفضحه حصيلة المثقف قبل هذه الردة السياسية والثقافية ، فسواء داخل البنية الغربية أو في أوساطنا العربية كان هناك حضور وألمعية من قبيل محاكمة سقراط وتوثر العلاقة بين ارسطو والحاكم الاسكندر، وقصة ابو حيان التوحيدي وفاجعة ابن المقفع ومأساة ابن رشد  وكذلك ابن حنبل الذي عانى من محنة خلق القران، وفي تلك القائمة أيضا قتلة الحجاج وهشام بن عبد الملك وصلب الحلاج. وبالعودة للبنية الغربية ففي عصر الانوار حدث ولا حرج هذا دون إغفال نزول فوكو وسارتر وبورديو وتشومسكي للشارع.
      لقد كلن هناك إذن حضور قوي  للمثقف  سواء في خلق حمى فكرية  أو سجال سياسي، فلم استحال الوضع  أطلالا وفي أحسن الأحوال نوستالجية مرضية ؟ وهل المثقف اليوم فاعل في هذا السبات مع سبق الإصرار والترصد أم هو نفسه ضحية لنسيج سوسيو-سياسي ؟
     بشكل عام ومن زاوية سوسيولوجيا كواليس المثقفين (إن صح التعبير ) وفي تصورنا على الاقل يمكن تبرير ذلك بما يلي :
 *هناك مثقفون تم  إخصاءهم سياسيا (اعتقالات / مطاردات ...) إلى أن صاروا متكيفين في حوانيت سياسية تسمى زورا أحزابا..
* هناك مثقفون التزموا الخوف فصاروا "متكلسين تالفين خائفين .." - حسب تعبير لنتشه-  .فهادنوا في تخريجاتهم وأصروا على الحياد السلبي ..
* هناك مثقفون قايضوا المبادئ والقيم بالمناصب والانشطة الربحية  الاسترزاقية باسم الحضور أو الفعل الثقافي..
*هناك مثقفو ألف ليلة وليلة انكبوا وانغمسوا في لذة النصوص والمتع الجمالية للفظ..
هذا الوضع المأزوم ساهم فيه أيضا النسيج الاجتماعيى ،الذي هو حصيلة  سياسات عرجاء ،فالمجتمع غارق في الامية بكل تلويناتها بفعل سوء أحوال التعليم وعطالة ذوي الشهادات العليا، إضافة إلى إعدام الرغبة في التثقيف ثم تركة فاسدة من إخفاقات  الماضي القريب. كل هذا وغيره ساهم في تواطؤ المثقف مع الازمة (أنا ومن بعدي الطوفان) ، وجعل الشارع العربي عموما والمغربي خاصة يواجه مصيره لوحده ، دون مساندة ولا دعم أو تأطير نظري أو حتى الصراخ ولو رمزا في وجه صناع القرار، فإذا ما كتبوا أو نددوا بالقول أغاروا علي ما قالوا باللإستعارات والتأويلات حتى يفقد القول جاذبيته ، بل الاقسى من ذلك تشفي بعضهم بتخريجات تبرز سوء النية والطوية وخسة المعدن ،نموذج ذلك تصريحات منار السليمي الشوهاء وعنتريات المامون الدريبي من حراك الريف ، وتعالم مثقفي الصالونات المخملية  دون نسيان حراس المعبد مثل الفزازي الذي يأكل المخزن دائما الثوم بفمه...  أم نحن فعزاءنا الوحيد قول أبو حيان التوحيدي " لا تنظر إلى من قال بل أنظر إلى ما قال وفعل" ،وقول عربي مأثور "هونوا عليكم فنحن أبناء إمرأة كانت تأكل القديد ".




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.