آخر الأخبار :

مزامير الجرائد الصفراء


moussa_aghrbi.jpgبعض الجرائد الورقية في بلدنا تعاني من قلة قرائها، بمعنى أن سوقها بائر وأصابها الإفلاس على الرغم من لهاثها وراء كسب القراء عن طريق العناوين الجذابة، وطرق مواضيع الجريمة ووصفات طبخ الباذنجان وطرق تخزين الطعام وتهيئة لحم البقر بالبرقوق البلدي... إلخ. تستوي في ذلك الجرائد الحزبية والجرائد التي تدعي الاستقلالية. وإذا كانت الصحافة كما قيل تتميز- وهذا حق- بأنها صانعة الرأي، فإن هذا الوصف لا ينطبق على تلك التي تنشر الأوهام في زمن فورة وسائل الاتصال الحديثة، وفي زمن وفرة المعلومات والمعارف التي تتدفق بالمليارات في كل ثانية، ومن هنا فإن الصحافي الذي يحترم نفسه ويحكم ضميره لا بد من أن يحترم ذكاء القراء وذلك بأن لا يستبلده أو يمارس عليه سلطة الفقيه أو المفتي المشعوذ، لأن هؤلاء القراء أغلبهم من خريجي الجامعات وذوي الكفاءات العالية، وليسوا من الطوابير المغفلين، أو قطعانا من الصديقين مثل ما كان الأمر بالنسبة للأولين المغفلين !!!
إن هذه الجرائد الصفراء تعلم حق العلم أنه لولا المساعدات التي تتلقاها بشكل رسمي لكانت في خبر كان وأمسى،  ولكن عليها أن تعلم أيضا أن وظيفتها ليست نقل الأخبار اليومية العابرة، لأن هذه الأخبار تصل بسرعة البرق بوسائل أخرى معلومة، بل إن وظيفتها الأساسية هي التحليل العلمي لقضايا أساسية سواء أكانت سياسية أو اقتصادية واجتماعية. وإما إن وجدت صحيفة تنصب نفسها مكان القاضي تصدر الأحكام العشوائية، وممارسة القذف والابتزاز وتغليط الرأي العام خاصة في الأوقات الحامية الوطيس حيث الأزمة السياسية أو الاجتماعية تحتاج إلى الأقلام التي تسهم في البحث عن البدائل الممكنة للخروج منها- أن هذه الصحيفة لا تستحق صفة مهنة الصحافة بل صفة ''البلطجية".
وقد يقول قائل إن أي صحيفة غير موجودة إلا بكتابها، وأن هيئة التحرير أو رئاسته ليست بالضرورة مسؤولة عن أفكار المقالات الواردة، هذا كله نصف صحيح، وأما النصف الآخر فيتجلى في عدم نشر المقالات الخاوية التي تسيء إلى الرأي العام وتزييف الحقائق وتزييف الحقائق والحط من كرامة الأشخاص كيفما كانت قبيلتهم أو مكانتهم، وإذا انعدم هذا الشرط، فعلى الأقل- فهذا أضعف الإيمان-  يجب التنويه بأن ما ورد في مقال كذا لا تتحمل الجريدة مسؤولية ما جاء فيه كما جرت العادة لدى بعض الجرائد التي تحترم نفسها وقراءها.
ولا شك في أن الحدث الأبرز اليوم هو حراك الريف الذي أسهم إلى حد كبير في إنعاش مبيعات الصحف الميتة، وفي الوقت نفسه فإنه حرك بعض الأقلام التي نأت بنفسها عن الإحساس بروح المسؤولية: مسؤولية الوعي بالمخاطر التي تحدق بالوطن إن تم الإمعان في ترويج اقتناع مفاده أن العناصر التي تصدح اليوم بشعارات ضد ''الحكرة'' والتهميش سيدركها العياء وتذوب في مجرى الزمن العادي، أو الذهاب إلى الإيمان الأعمى بأن''المجموعة'' التي تحرك الاحتجاج أصبحت الآن في قبضة السلطة !!
من جملة الأقلام المذعورة في هذه الأيام شخص مدعو''محمد توفيق بناني''عنون ما يمكن تسميته إشهارا بالمعنى التجاري بهذا الشكل ''الرجل الذي أراد أن  يكون خليفة"[مشيرا بذلك إلى ناصر الزفزافي]، وهذا الإشهار الذي هو في عمقه تشهير نشر في صحيفة La 8-2-8-2017   Vérité n° 673.Jui، وبعد أن ذكر نفسه وذكر معه القراء بنهاية أكتوبر 2016 الذي صادف اغتيال المرحوم محسن فكري، ردد كالببغاء ما تناقلته الألسن كل يوم:إن هذا الحدث حرك كثيرا من الاحتجاجات في عدة مدن ببلادنا، وفجأة وفي غفلة من وعيه (لأن الواقع أشد صلابة من الأوهام الصحفية) اعترف بأن هذا الاحتجاج مس حتى مدينة مراكش التي كانت تتهيأ لاستقبال المؤتمر الدولي حول المناخ، ما كتبه هذا الشخص حتى الآن ومنذ السطور الأولى من إشهاره شاهد على أنه مصاب "بالسكيزوفرينيا" لأن أي عاقل سليم معافى من العقد النفسية لا يمكن أن يدعي بأن هذه المدن التي شهدت مظاهرات عارمة تأييدا لحراك الريف أججها شخص ادعى الخلافة، هل المغاربة الذين خرجوا منادين بالحق في التعليم والصحة والشغل حمقى إلى هذه الدرجة حتى يصدقوا الوهم الشرقي حول الخلافة وأوهام استعادة ماضي الأمجاد؟ !!( سؤال بدون انتظار جواب) أنت وحدك وأمثالك من تبع قطب والقرضاوي وقطعان فقهاء الظلام وأحفاد ابن تيمية والحنابلة، يمكن أن يتحدث عن وهم الخلافة في القرن 21، وإذا كنت تعتز بمغربيتك وبتاريخ بلدك فاعلم أن هذا البلد منذ مئات السنين قبل الميلاد لم يعرف الخلفاء ولكن عرف الملوك والأباطرة. وإذا كان ناصر الزفزافي قد غاضك لأنك غير مقتنع بما يقول وما يفعل  وهذا من حقك مادمت لا تقوى على تغيير مجرى النهر، فهل من اللباقة وحسن التربية يا محترم أن لا تشير بالإسم محسن فكري واكتفيت بالقول" تاجر الأسماك بالحسيمة"، نعم لا زالت بيننا وبين المواطنة مسافات من الأشواك والعقد النفسية !! إلصاق تهمة ادعاء الخلافة تهمة ثقيلة صادرة عن حقد وضغينة، ولا أدل على ذلك أن صاحب هذا التشهير يعاني من قصور معرفي بمنطقة الريف  ويتغافل طيلة ما زوقه من سطور عن ذكر أو الإشارة فقط إلى معاناة أهل الريف والسبب الذي من أجله خرجوا للتظاهر، وهنا أذكرك أيها المحترم أو أصرخ في أذنك إن كان بها صمم، إن المطالب المرفوعة اليوم هي المطالب نفسها التي رفعها أجداد وآباء هؤلاء الشباب منذ أواخر الستينات من القرن الماضي، بمعنى أن لا شيء تغير طيلة العقود الستة الماضية، وكان أهل الريف- وهذه مفخرة تاريخية- سباقين إلى امتلاك الوعي الوطني تعبر عنه طبيعة المطالب التي رفعت إبان أحداث 58-59 الإجرامية أذكرك ببعض منها: 
- محاربة البطالة على أساس وضع برنامج يستجيب لرغبات الشعب.
- اختيار قضاة تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة.
- تخفيض الضرائب في كل أنحاء المغرب.
- محاكمة المجرمين الذين تورطوا في جرائم سياسية.
- تكوين حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها جميع الجهات.
وإذا أضفنا إلى ما تقدم موقف عبد الكريم الخطابي من طبيعة النظام السياسي الذي يجب أن يقوم على إلغاء الفوارق بن طبقات المجتمع المغربي ووضع دستور يليق بالدولة المدنية الحديثة، أدركنا حينئذ سر الغضبة الجاهلية التي تتنزل على الريفيين من كل الجهات، ولا غرو إن وجدنا أن هناك صورة سلبية مطمورة في الذاكرة الجمعية يتم استحضارها سواء في مجرى الحياة اليومية العادية أو في زمن الأحداث والشدائد، بمعنى أن المطالب المرفوعة حتى وإن كانت عادلة ولكنها صادرة عن أهل الريف،فهي مشبوهة وتستحق كل التهم، والعجب العجاب أن الذي يلفق التهم   لا يتمتع بقدر كبير من الذكاء، بل يعاني من إعاقة ذهنية، ومما يدل على ذلك أنه يتغافل عن كون المطالب المرفوعة وهي ذات عمق ديمقراطي، لا علاقة لها بتهمة ادعاء الخلافة، لأن هذه الأخيرة تقليد أعرابي بدوي، دشنت منذ ولادتها الأولى حروبا سفكت فيها الدماء وانتشرت الحروب القبلية البينية وتهيئة المرتزقة المحاربين باسم الجهاد المقدس للانقضاض على الشام والعراق وشمال إفريقيا طمعا في خيراتها الزراعية و''حور العين'' وكلما تقدمنا في قراءة هذه الأسطر الطائشة للمدعو المذكور سالفا اكتشفنا قصور عقله وتفاهة تحليله لقادة حراك الريف الذين يصفهم بأنهم من خلال الشعارات المرفوعة يبرهنون على أنهم ينسجون أكاذيب لا تصمد في نظره أمام الواقع وذلك حينما وصفوا وزراء الحكومة بكونهم عنصريين. ومما يدل في نظر صاحب الإشهار المذكور على أن هذه أكذوبة أن كثيرا من الوزراء برابرة [Berbères:نعم هكذا وكأن صاحبنا بعث من زمن روما الاستعماري !!] بل وأثرياء كبار!!  
  ما أروعك سيدي !! بل وما أسلم فكرك! طوبى لكم أيها البرابرة وزراؤكم أمازيغ أثرياء فشدوا الرحال إلى الرباط لتغنموا شيئا من الثروة لتشيدوا المستشفيات والجامعات وتعبيد الطرقات وتشييد المدارس والثانويات. أسالك سيدي هل تعلم أن ملكا أمازيغيا قديما اسمه "بوخوس" توطأ مع روما حينما سلم يوغورطن لسجانيه مقابل توسيع مملكته (هكذا و بدون تفصيل). لا أشك أبدا في أن كثيرا من الكتبة الصحفيين في هذه الأيام، أولى بهم أن يمسكوا المزمار بدل القلم !
أقول هذا بكل سعة ضمير مطمئن لأنه في هذه اللحظة بالذات لا يمكن صب الزيت على النار، بل مسؤولية القلم الصحفي أن يبشر بقيم المواطنة والتذكير بأننا شركاء في هذا الوطن، وهذا يقتضي أن نتساوى في الحقوق الاقتصادية والسياسية والثقافية، لا رهن الوطن لكمشة من الأثرياء الفاسدين الذين يتبجحون بالشعارات الوطنية نفاقا وكذبا حتى ولو تدثروا بالعلم الوطني صباح مساء.
إنني أرثي لهذا المستوى المنحط الذي لحق بزمرة من الصحفيين وبعض المثقفين الذين أصيبوا بعاهة (مستديمة) البكم والصمم. وحتى إذا نطقوا وزعوا التهم ذات اليمين وذات الشمال بدايتها أن المتظاهرين يوميا تحركهم المخابرات الأجنبية وآخرها ونهايتها أو نزعة الانفصال، دون أن نحتكم إلى الوقائع الصلبة التي تعاند أوهامنا وأفكارنا المسبقة تشتم منها رائحة العنصرية، لننظر بإيجاز شديد إلى بعض الأسباب التي جعلت أهل الحسيمة وما جاورها تبح حناجرهم لعل صوتهم يصل إلى الأطراف المسؤولة.
إن الصياد البسيط يعاني من قلة إمكانياته ولا يستطيع منافسة أباطرة الصيد في أعماق البحر تصل إلى 65 م، فليس أمامه من سبيل إلا سبيل الانضمام إلى جحافل العاطلين.
أن المنطقة الاقتصادية بآيت قمرة التي كانت تتربع في الدفعة الأولى على 27 هكتارا أضحت الآن قفرا يبابا. وأسال أيها الصحفي الكريم الثمن الذي بيعت به هذه الأرض المصادرة من أصحابها، أليس من المفارقة المبكية أن تقام هناك وحدة لا علاقة لها بالإنتاج بل وكالة لبيع السيارات.( هل تدخلت المخابرات الأجنبية هنا أيضا؟) 
- الحسيمة هي المدينة الأولى في المغرب التي ترتفع فيها تكلفة المعيشة، ولكنها تحتل (مع أقاليمها) المرتبة الأولى في تحويل العملة الصعبة بفعل الجالية المقيمة في الخارج(MRE) (هل نصدق نبيل أحمجيق أو الصحافة الصفراء، والدعاية المغرضة) [أنظر مجلة 17/5 Économie Entrepnie]  
وإذا أضفنا إلى ما تقدم بعض الإحصائيات المرتبطة بالتعليم، والصحة، فإن من يمتلك ضميرا حيا لا يسعه إلا أن يقول: أنه لجرم كبير في حق أبناء الوطن ! إن إقليم حسيمة تضم 397000 نسمة و38 في المائة من ساكنتها في ريعان الشباب، ما بين 15و34 سنة، نسبة الأمية تصل إلى 39% في المائة وأما نسبة الإخفاق في متابعة الدراسة والهذر المدرسي فهي عالية جدا، وإني لأخجل من ذكر نسبة الطلبة الذين يتممون  تعليمهم الجامعي.
ألا يعتبر تهميشا وأي تهميش  أن البنيات الصحية الموجودة لا تتجاوز طاقة استيعابها 1.89 % من مجموع طاقة الاستيعاب على المستوى الوطني، وأما البطالة فإنها تتجاوز 16.3 % في المائة مقابل 9.6 % على المستوى الوطني، و25 % من ساكنة الإقليم يعتمد في حياته على المساعدة العائلية، ألا يحق لأي إنسان حتى ولو كان صبيا أو تلميذا في الابتدائي أن يصيح بأعلى صوته: إننا نهضنا ضد الحكرة [Mépris] (أنظر المجلة السابقة)، إنها الحكرة –نعم- في كل مكان، ولنقلها بصوت عال أن إقليم الريف فقير فقير وفقير، التجارة كاسدة طول العام والساكنة في هجرة دائمة سواء أكانت هجرة داخلية أو خارجية، فإن يطالب إنسان بالعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية بعد مرور ستين عاما  على الاستقلال الشكلي، يبعث على التفكير بكل مسؤولية في أن هناك خللا بنيويا وهذا الخلل يزداد طردا مع المعالجة الأمنية الغبية للحراك  القائم الآن، ومسؤولية الصحافة المستقلة فعلا، وقبلها المثقفون الملتزمون بالمعنى الوجودي السارتري، مسؤولية وطنية حينما يتم الإسهام في بلورة تصور واضح حول طبيعة المغرب الذي نريد سياسيا، مغرب الحداثة وتداعياتها أو مغرب الريع والظلاميين، مغرب المواطنة أم مغرب النخب العائلية، ولكن أمام الصمت الرهيب لكثير من المثقفين المتحذلقين يدفعنا إلى الاعتقاد لما ذهب إليه صحافي مصري من أن الطبقات المتوسطة في بلاد "العربان" وشمال إفريقيا أيضا لم تنجب مثقفين قادرين على تحدي السلطة أو فضح العنف البوليسي أو تغيير المجتمع[ أنظر:Courrier international n° 1388.8-14 Juin 2017 ]
نعم هذا هو الواقع المر، ما تنتجه الطبقة المتوسطة في جنوب الأبيض المتوسط لا يعدو أن يكون نخبا مغرورة تتقمص دور المخلص للوطن فتتوهم أن هذا الموقع يبيح لها توزيع التهم بشكل فج ضد المخالف وبدون منطق ولا عقلانية وفي غياب تام لمحاسبة الذات قبل محاسبة الآخرين.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.