آخر الأخبار :

كيف هزم السويديون والنرويجيون الاوليغارشية 1 في المائة


ترجمه من الانجليزية : ناصر موحى 
 
moha2.jpgفي الوقت الذي يعمل فيه الكثير منا على تقوية  "حركة احتلوا" لتساهم في تغيير الواقع بأمريكا ، من الضروري استحضار تجارب شعوب نجحت بالمقاومة السلمية في تحقيق أعلى مستويات الدمقرطة والرخاء الاجتماعي والاقتصادي .
هذا ماحققته السويد والنرويج في ثلاثينيات القرن العشرين بعد مقاومة سلمية لمدة طويلة حتى انتزع الشعبين  السيطرة على الاقتصاد والسياسة من ايادي اقلية 1 فالمائة وشرعا في بناء نموذج مجتمعي مغاير .
الشعبين عرفا فترات رهيبة من الفقر المذقع والظلم حين كانت 1 في المائة تسير البلدين مما اضطر مآت الالاف من  مواطنيهما للهجرة هربا من الجوع . لكن الوضع تغير جذريا حين سيطرت الطبقة العمالية على الحكم حيث نجحت في القضاء على الفقربضمان شغل قار وكامل  وحققت بناء اقتصاد قوي ناجح وجعلت الدراسة والتطبيب حقوقا اساسية مفتوحة بالمجان وقضت نهائيا على نظام العبودية . وعكس النرويج  البلد النفطي فقد نجحت السويد بدون بترول في بناء اقتصاد وصفه  آخر تقرير CIA World Factbook بالمستوى المعيشي العالي  .
ومع كل نجاحات النموذجين هناك نقاد يساريون في البلدين مازالوا ينظرون ويناضلون من أجل الاستمرار في الطريق نحو بناء مجتمع عادل بالكامل .عكس حالتي انا الناشط الذي زار النرويج كطالب سنة 1959 وتعلم اللغة والثقافة وعاش بين شعبها يمكن أن اقول بأنني انبهرت بماحققوه وشرعت في البحث عن الجواب عن لماذا وكيف نجحوا.
لقد أدى السويديون والنرويجيون ثمن مقاومتهم السلمية الطويلة والشاقة للحصول على هذا المستوى العالي من الرفاه  . اذ في لحظة من تاريخهم فهم العمال أن تغيير الوضع من داخل لعبة ديمقراطية مسيجة يسيطر على قواعدها 1 في المائة من الاغنياء يستحيل أن يتحقق . لذلك قرروا الدخول في مقاومة مدنية سلمية حتى ارجاع السلطة لأغلبية الشعب . أعطيت الاوامر لقوات الجيش والشرطة في البلدين وقتل فيها الكثير من المضربين سنة 1931 لكن الاضرابات امتدت لكل مناطق البلدين .
النرويج بلد بحجم بريطانيا وساكنة لاتتجاوز 3 ملايين موزعة على شكل تجمعات متباعدة جغرافيا تفصل بينها جبال وعرة وفيوردات عميقة وتتحدث لهجات عديدة وكلها عوامل جعلت مهمة تشكيل حركة تغييرية منسجمة صعبة للغاية . في القرن التاسع عشر تعرض البلد لاستعمار دنماركي ثم سويدي وفي السياق الاوربي كان النرويجيون يوصفون بالهمج بسبب قلة تربيتهم وميولاتهم الانعزالية ولم يحصلوا على استقلالهم الاسنة 1905 .
مع بداية الاستقلال في النرويج تشكل الحزب العمالي بمرجعية ماركسية وكان هدفه تحقيق الثورة .وبعد اسقاط النظام القيصري بروسيا التحق الحزب بالاممية الشيوعية التي اسسها البلاشفة بزعامة فلاديمير لينين لكن سرعان ماانسحب منها بسبب رفضه تحقيق الثورة بالعنف الطبقي واختياره المقاومة السلمية بمافيها المشاركة في الانتخابات . 
في عشرينيات القرن الماضي اشتد ايقاع الاضرابات العمالية لدرجة نجحوا في السيطرة على مدينة  Hammerfest سنة 1921 وشكلوا مجلسها البلدي من العمال لفترة قبل ان يتدخل الجيش بقوة لحله ، سنتين بعد ذلك شن عمال مصانع الحديد اضرابات هائلة امتدت لسنتين وشلت اقتصاد البلد .
أمام المد العمالي القوي التجأت الاقلية الاوليغارشية المسيطرة سنة 1926لتأسيس مساند شعبي للجيش تحت اسم "الرابطة الوطنية " واستقطبت 100 الف عضو من الطبقة المتوسطة في ظرف 4 سنوات . وكانت مهمتهم هي افشال كل الاضرابات العمالية بالقوة . وفي نفس الوقت اقدم الحزب العمالي على فتح باب العضوية للجميع بغض النظر عن انخراط الشخص في النقابة من عدمه مما ساعدة على استقطاب فئات مختلفة من المجتمع بما فيهم فلاحون وملاك اراضي صغار واطر من البورجوازية الصغيرة . في هذا الجو المشحون حيث اشتدت التأقطبات نفذ العمال موجة اخرى من اضرابات كبيرة شلت البلد سنة 1928 . 
في سنة1931 وصل تأثير الازمة العالمية للنرويج التي تأثرت اكثر من اي بلد اسكندنافي آخر وبدأ الالاف يفقدون وظائفهم لكن النقابة العمالية النرويجية احتفظت بعضوية العمال المسرحين رغم عدم اداءهم مستحقات الانخراط عكس ماحدث في امريكا . الخطوة اتت اكلها إذ حافظت النقابة على زخمها الشعبي وظلت تتصدى لقرارات الشركات بتسريح عمالها بمحاصرة المصانع بكثافة وقوة .
فقد الكثيرون القدرة على أداء الاقساط الشهرية لمنازلهم واصبح الفلاحون عاجزون عن أداء ماعليهم من ديون وشكل القرويون تنسيقيات لمنع الدائنين من طرد العائلات من اراضيهم بالقوة . هذا الوضع جعل الحزب الممثل لكبار الاقطاعيين يأخذ المسافة ويبتعد عن الحزب المحافظ الحاكم الذي تحالف معه كإشارة على فشل اسلوب أقلية تحكم الاغلبية وتسيطر على كل شئ .
سنة 1935 وصل الوضع في البلد الى الباب المسدود وبدأ الحزب المحافظ الحاكم باسم الاقلية يفقد تأثيره وقوته يوما عن يوم بسرعة غير متوقعة . وفي الجهة النقيض أصبح الضغط يتنامى على الحزب العمالي من طرف قواعده التي تعيش اوضاعا مزرية وتدفعه لاتخاذ خطوات آنية للتخفيف عن معاناتهم اليومية وهذا مالن يتحقق الا بقبوله بتقاسم الحكم مع احد خصومه بتوافق .
وهذا ماتحقق فعلا ، إذ تحالف الحزب العمالي مع حزب الاقطاع Agrarian Party للحكم  وكان الاتفاق يقضي بالسماح للاقطاعيين بالاحتفظ بتملكهم لمزارعهم وتسييرها مقابل دعم تنفيذ برامج العماليين الطموحة في الاقتصاد اهمها : تحقيق العمل القار مع تعويضات عن المرض والبطالة وتأميم غالبية الشركات الكبرى التي اصبحت بيد الدولة ، سياسة ضريبية تقدمية و قوانين صارمة ضد الاحتكار وغيرها . وفقد المحافظون سيطرتهم على البلد واقتصاده بشكل كبير.
ثلاثة عقود بعد ذلك عاد المحافظون للحكم وعندما حاولوا سن قوانين نيوليبرالية مرة اخرى انحدر الاقتصاد نحو الكارثة واستغلها الحزب العمالي ليستعيد الحكم ويؤمم ثلاثة من اكبر ابناك النرويج وحرمان المساهمين فيها من الحصول على دولار واحد وطرد مسيريها ورفض انقاد الابناك الاخرى الصغيرة المنهارة . هاته الاجراءات جعلت النرويج من البلدان القليلة التي لم تتأثر بالازمة العالمية لسنة 2008 وبقي اقتصادها قويا محصنا .
النرويجيون لن يحدثوك عن كل هذا مع اول مرة تلتقيهم ، والواقع أن  الحرية التي ينعمون بها ومستوى الرفاه العالي الذي يتقاسمون نتائجه اليوم انما هو جني لثمار نضال سلمي طويل تحالف فيه العمال والفلاحون وفئات من الطبقة المتوسطة  منذ عقود طويلة .
 
 
George Lakey is Visiting Professor at Swarthmore College and a Quaker. He has led 1,500 workshops on five continents and led activist projects on local, national, and international levels. Among many other books and articles, he is author of Strategizing for a Living Revolution in David Solnit’s book Globalize Liberation (City Lights, 2004). His first arrest was for a civil rights sit-in and most recent was with Earth Quaker Action Team while protesting mountain top removal coal mining




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.