آخر الأخبار :

لماذا نجحت الراسمالية في السطو على العقول؟؟؟؟


mounirhajjouji.jpgفي واحد من أهم المؤلفات في العلوم الإنسانية في القرن الماضي هو L’achèvement de la philosophie dans le discours publicitaire, Ed. Verticales, 2002، يكشف دومينيك كيصادا   Quessada عن أطروحته المركزية على الشكل التالي: إن الطموحات المعيارية و التنظيمية للفلسفة تجاه المجتمع، و نزوعها الدائم إلى احتواء الصراعات البشرية، و اختزالها للآخر في الشبيه ..الخ كل هذه النوايا و الأهداف، التي شكلت صلب المشروع التقليدي للفلسفة، يتم الآن تحقيقها بطريقة جديدة تماما على يد الخطاب الإشهاري. هناك خاصيتان أساسيتان تجعلان الإشهار يحقق الفلسفة و يجاوزها: قدرته على الحديث على كل شيء وفي جميع الاتجاهات، ومنحه الأولوية المطلقة للممارسة، التي تتحول إلى أولوية "نظرية"، بالمعنى الألتوسيري المعروف الهام.
لقد قام الإشهار بنوع من السطو على البرنامج التقليدي للفلسفة -الذي ظل حبيس اليوطوبيا لقرون طويلة جدا- و حققه بشكل كامل. مع الإشهار، لم تعد اليوطوبيات والأحلام ترتبط بعلاقة توتر مع الواقع، و لم تعد المثاليات مفصولة عن العالم الفعلي، و لا الرغبات خاضعة لدوائر المستحيل. لأول مرة في تاريخ البشرية، أصبح من الممكن جدا تحقيق الأحلام بفضل أداة الإشهار الضاربة كما سنرى.
تكمن قوة الإشهار في المصالحة بين المثالي و المعياري أو المفهومي من جهة، و المحسوس و الساقط Vulgaire من جهة أخرى. يذوب الاشهار التوتر بين المعيار والممارسة و يقرب بينهما إلى أبعد حد... إنه يوحد بين الأقطاب و الآراء و الأذواق، و يؤسس تطبيعا و تصالحا كانا يبدوان مستحيلين من منظور الفلسفة والدين، كما يحل التعارضات و الاختلافات المحتملة في الأذواق أو لنقل إنه يقرب بينها و يعيد توزيعها لا بوصفها تعارضات مطلقة ولكن باعتبارها انحرافات قابلة للتطويع و الترويض. إنه بذلك يخرجنا من منطق التعارض والتصادم و التمايز، نحو جدلية محيدة للتعارض و التوتر من النسيج الاجتماعي بل و من الوجود كله..
ومع ذلك، يقول كيصادا، قد نواجه بهذا السؤال الهام الذي قد يطرحه أعداء مثل هذه "التلاعبات" الإشهارية: ألا يتعلق الأمر مع الإشهار بنوع آخر من تلك الخطابات السوفسطائية التي تضحك على ذقون البشر و تبيع لهم الوهم وتحول أنظارهم عن الرهانات "الحقيقية" للحياة؟ يجيب كيصادا بالنفي. فالإشهار لا علاقة له إطلاقا بالخطاب السوفسطائي، فهو لا يروم –عكس المشروع التقليدي المعروف للسوفسطائيين – نصب الخديعة و إسقاط الناس في شراكها لأن إستراتيجيته لا تقوم على مدح المظاهر في حد ذاتها، و لكن على تقديم المواضيع المحسوسة كوسائط تنقل نحو قيم عليا، و على رأسها تلك القيمة الحساسة المسماة السعادة. مع الإشهار، يقول كيصادا، لا نتوقف عن السير من المرئي إلى اللامرئي، ومن المحسوس إلى المتعالي، فيتمزق بذلك الانغلاق و المحدودية الظاهرة للمحسوس. أو لم يكن هذا بالضبط هو الحلم الأول للفلسفة؟ لذلك لن نبالغ، يؤكد كيصادا، إذا قلنا بأن الإشهار يحقق مصالحة تاريخية بين الفيلسوف الحامل لخطاب يروم البحث عن الأشياء في ذاتها، و السوفسطائي الذي يرى في كل خطاب -هنا الخطاب الإشهاري- شيئا حقيقيا، مباشرا، مطابقا لجوهر وحقيقة الأشياء.
هل معنى ذلك أن الإشهار يطابق الفلسفة؟ يقدم كيصادا جوابا يهز في ما أتصور المفهوم الشامل للفلسفة كما هو متداول: إن الإشهار لا يقوم فقط بمطابقة الفلسفة و إنهائها، بل يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. فإذا كان الإشهار هو أساسا سياسة لغزو وملء الحياة و الانخراط في قلب الممارسات و التبادلات المادية و الرغبات و الأحلام الاجتماعية و الاقتصادية، فهو لا يحتاج حتى ينفذ سياسته للإقصاء و الفصل. فكونيته (توحيد المختلف و تحقيق المثال) لا تفترض و لا تتطلب أي فصل عن المحسوس أو أي تعارض مع "الساقط" عكس ما هو عليه الأمر مع الفلسفة و الدين و كل اليوطوبيات التقليدية.
بهذا المعنى يبدو من الصعب بل من العبثي اختزال الإشهار في آلية بلاغية هدفها التلاعب بالبشر كما حاولت أن توهمنا التحاليل الجامعية المفتقدة للرؤية الأنطولوجية للإشهار. لنعد تلخيص جوهر أطروحة كيصادا : مع الإشهار تتوقف الفكرة المثالية والواقع المحسوس عن أن يكونا قطبين متنافرين. يذوب الإشهار الجدار الصلب بين كل التعارضات التقليدية و يصهرها داخل وحدة عليا يسميها كيصادا مثالية ساقطة Idéalité vulgaire تنهي التوتر و الصراع و العمل السلبي. لقد أوجد الإنسان و لأول مرة في تاريخه خطابا، هو الإشهار، بمثابة "مآل إيجابي لجميع السلبيات" تنطفئ فيه هذه الأخيرة من غير رجعة.
إن الإشهار، يختم كيصادا في تعبير زلزالي خطير، ليس شيئا آخر سوى "المآل-العالم للفلسفة"Le devenir-monde de la philosophie..
يقدم كيصادا هذا المثال التطبيقي لمزيد من الوضيح.
يقدم كيصادا تحليلا للصورة الإشهارية يريده أن يقطع مع التحليلات السيميولوجية – ما قبل الأنطولوجية-  المهيمنة.. يقول كيصادا: "يشكل الإشهار عنفا إجرائيا يستهدف التقليص من سلطات الصورة". معنى ذلك أنه يقوم، و بأقصى ما يمكن من المثابرة، بتذويب أو على الأقل الحد من التعارض التقليدي بين الصورة و عمقها، و هو التعارض الذي قد يفهم منه (كما تعتقد الأطروحات الأكاديمية) أن سطح الصورة لا يشكل سوى لحظة في الطريق إلى عمقها، حيث تثوي الدلالات اللامرئية التي يتوجب دائما غزوها. يقدم كيصادا تصورا مغايرا مفاده أن الصورة الإشهارية توحد بين السطح و العمق، محققة بذلك الحلم التقليدي للفلسفة في تقديم صورة متطابقة مع ذاتها و لا تعيش أي توتر بين سطحها و عمقها و لا تستدعي بالتالي أي مجهود تأويلي لاستخراج "عمقها" و "لغزها" الدفينين.
إن إستراتيجية الإشهار هي الحد من التوتر بين مستويي الصورة الإشهارية. يظهر ذلك بشكل واضح في علاقة الإشهار بالزمن. ففي الإشهار، لا يكون الزمن "سوى صيغة ضمن صيغ الفضاء"، حيث يتم حذف الزمن لصالح الفضاء لأن التفضية  Spatialisationوحدها تسمح بوضع الملفوظات الإشهارية جنبا إلى جنب بشكل يخف إن لم نقل ينعدم معه التوتر و الصراع – ونحن نعلم، كما يقول كيصادا عن حق، أن الزمن، بمتتالياته الحدثية و الحكائية، بإمكانه أن يثير أو يوحي بوجود أحداث تولد و تمر، مما قد يحرض و يحرك الآلة التأويلية للذات المتلقية و يجعلها تلهث وراء ما يجري لفهمه، وهو ما قد يخلق مسافة بينها و بين الملفوظ/المنتوج الإشهاري، مما لا يخدم الإشهار على الإطلاق، بل قد يشكل حاجزا أمامه، و هو ما لا يمكن أن يتحمله صانعوا الإشهار و مروجوا المنتوجات الاستهلاكية.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.