آخر الأخبار :

دور المجتمع المدني النقدي في تكريس خيار الحداثة وبناء الديمقراطية داخل المجتمع المغربي -نموذج الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة-

[html]
 
1. في نقد وهم "الحياد" والنزعة الأبيقورية في الحياة المدنية
يعود أصل الأفكار التي تدور حولها هذه المقالة إلى: جملة من الملاحظات العامة  التي كنت قد ضمنتها في عرض ألقيته بمناسبة ندوة نظمها أساتذة الفلسفة بالمديرية الإقليمية بالفقيه بن صالح حول:"الفلسفة والقيم" بثانوية علال بن عبد الله؛ ساهمت فيها بمداخلة عنونتها ب:" دور المجتمع المدني النقدي في الدفاع عن خيار الحداثة داخل المجتمع المغربي:"نموذج الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة"، وفي ثنايا الندوة، تدخل بعض الزملاء متحدثين عن ضرورة الإستقلالية والتخلص من الإيديولوجية وعن وهمٍ سمّوه "الحياد !"؛ في المعرفة والتربية والحياة المدنية... وكأني بهم آلات تقنية؛ وهم يتحدثون بوعي أو بدونه، كان الأمر -بالنسبة لي- مثيرا للسخرية أن يصدر عن نخب المجتمع أو من يراهن عليهم المجتمع لترقية وعيه  مثل هذه الإدعاءات الساذجة. وقد أحببت أن أبدأ عرضي أمامهم بقصة للفيلسوف السلوفيني:"سلافو جيجيك" سبق له أن استحضرها في سياق نقده للأوهام الرائجة في حقل التربية اليوم، من قبيل أن المعرفة في العصر التقني متاحة ومنتشرة في كل مكان، وتتعلق الحكاية  بأحد المفكرين الإنجليز الذي حضر ليلقي عرضا وسط الطبقة العاملة، وحينما بدأ كلامه حاول أن يكون "متواضعا" فقال لهم:"أنا لا أدعي المعرفة، ولست بأفضلكم، وقد جئت لأتعلم منكم"، وهو ما جرّ عليه غضب عامل نبيه فقال له مقاطعا:"إذا كنت لا تعرف شيئا، فاترك منصبك لمن يعرف أفضل منك، فنحن ندفع لك من المال العام لتفكر نيابة عنا"، وقد تخيلت جوابا لسلافو جيجك انطلاقا من اطلاعي على بعض كتاباته؛ فلو سألته مثلا: ماهو دور الفيلسوف اليوم؟ فسيقول لك:"الفيسلوف يجب أن يكون طبيبا، وإذا لم يكن كذلك، فنادوا له على سيارة إسعاف".
فلنتفق عزيز القارئ المفترض ولتكن على بيّنة من البداية بأنني لست "محايدا"، فلأكون محايدا، أنا بحاجة إلى ثقب أسود في الفضاء أختفي فيه حتى يتحرك العالم ثم أعود بعد ذلك، لكن مادمت إنسانا، وأعيش داخل مجتمع، ومادمت  أبا ومربيا، فلا وجود لوضع الحياد. أنا هنا أدافع على موقف، قد ينعتني البعض ويقول لي "أنت إيديولوجي"، وسأقول: "أحب أن أكون إيديولوجيا عن وعي مسبق"، لأن القول الأخطر من الإيديولوجيا هو أن تدّعي:"أنك تقيم خارج الإيديولوجيا"؛ لايوجد شخص بنظري خارج الإيديولوجيا، الحيوانات وحدها تعيش بدون إيديولوجيا، أما الكائنات الإنسانية فهي تتنفس  وتعيش بالإيدولوجيا.
 فعندما أقول:"أنا مع مجتمع حداثي"، فإن نقيضه هو القول:"أنا مع مجتمع تقليداني"؛ وحينما تقول:"أنا مع الأصولية"، فأنت في قلب الإيديولوجيا، وذلك راجع لكون نقيض  المجتمع الأصولي  هو المجتمع الحديث/الحداثي، وعليه وجب أن نخلّص أنفسنا من هذه الأوهام، و أن نكف على  نقلها للمتعلمين، وترويجها في الإعلام والنقاشات الحزبية السخيفة -سخافتها ترجع لكونها لا تستند للمعرفة بل هي تكرار لليومي وتعبر عن انسياق أعمى خلف شعاراته- أحيانا سواء جاءت من اليسار أو الأصولية الإسلامية/ الإسلام السياسي.
 أعتقد أنه في عالم  تزايدت فيه حدّة الفوارق والظلم وسوء التوزيع  نحن مطالبون من باب الواجب  أن نختار  لنا موقفا وموقعا، لايوجد في نهاية المطاف وضع للحياد، لابد أن يكون لكل شخص موقف وموقع، ويجب أن تكون له قضية، صحيح أننا لن ندافع عن القضية بنفس العماء والسذاجة التي يدافع بها النقابي والسياسي؛ لأن ما  يحرّكه في الغالب "عندنا" هو  المصلحة الخاصة والضيقة، عكس  الفيلسوف الذي يجب أن  يحمل همّا جماعيا، يحمل همّ الإنسانية، ويحلم بحل مشكلات العصر، وجعل الناس سعداء أو مساعدتهم على خلق أسباب السعادة.
إذن، الفيلسوف والمثقف لا يمكنهما أن يكونا محايدين، أغلب الفلاسفة الذين كانوا محايديين –حسب زعمهم أو تمثّل بعضنا لهم- كانوا منسيين ومقصيين وغير مؤثرين في تاريخ الفلسفة، وحتى إذا أخذنا –مثالا- الأبيقورية التي مجّدت اللذة (إشباع رغبات العضوية البيولوجية )، واتبعت الزهد والتصوف في تدبير الحياة العامة لأنها مؤلمة؛ فكل الأبيقوريين اليوم  يبحثون عن خلاص فردي فقط، الفيلسوف/المتفلسف لايجب أن يبحث عن خلاصه الفردي، صحيح لو كنا في دولة ديمقراطية، وفي مجتمع ديمقراطي تتجسد فيه دولة الحق والقانون ودولة المؤسسات والإعتراف...، كان من الممكن أن نفكر في خلاصنا الفردي بغض النظر عن واجبنا الإنساني تجاه الجميع -لأن المؤسسات تتكفل بالأفراد وتقوم بواجبها الحقيقي تجاههم، وليست مجرد مؤسسات صورية مثلما هو الأمر عندنا-  ولكن مادمنا نعيش في وضع يتميز بالتأخر التاريخي وبالتخلف فلا يمكننا أن نكون بدون موقف.
2. مجتمع الإحسان والخدمات السلطوي الية لإفراغ الفعل السياسي من عمقه
لذلك حينما طلب مني الإسهام في ندوة علمية حول:''دور المجتمع المدني في تعميم القيم الفلسفية"، اقترحت أن أميزه عن مرادفه  كما يستعمل في الإعلام والدعاية السلطوية،لذلك أضفت له النعت "النقدي" أي "المجتمع المدني النقدي"؛ ومن الواضح أن مفهوم المجتمع المدني من المفاهيم التي غدت اليوم مستهلكة، فحتى ثلاثة أفراد داخل حي قد يؤسسون جمعية فتنادي عليهم الباشوية أو مجلس البلدية، و قد تنادي عليهم العمالة و الولاية، سيقدمون أنفسهم بصفتهم مجتمعا مدنيا وستنشر السلطة البلاغات عن لقائها بالمجتمع المدني !.
يمكن القول بأن مفهوم المجتمع المدني في هذا السياق  تم تشويهه وإفراغه من بعده النقدي والسياسي إلى درجة لم يعد واضحا منذ إطلاق مشروع "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، بل زاد معها –أقصد المبادرة- تشويها في الإستعمال وحمولة المضمون، وعليه صار من الضروري ومن المفروض على المشتغلين بالفلسفة والعلوم الإنسانية والفلسفة السياسية و"خبراء القانون ومراكز الدراسات الإستراتيجية في القنوات الإعلامية ! " أن يعودوا  إلى تاريخ الفلسفة وإلى تاريخ المفهوم ليؤصّلوه حتى يتعرف المعنيون به، والفاعلون فيه، وليدرك كذلك المهتمون والمستعملون له: ماهي الدلالات التي يحملها مفهوم المجتمع المدني؟ومن هم الفاعلون المدنيون؟ .
3. في ضرورة العودة للأصول اليونانية والرومانية
ضمن هذا الإطار، لابد من الناحية الإبستمولوجية من العودة  إلى الأصول الإغريقية والرومانية التي عرفت ميلاد المفهوم -قد يعاتبني البعض على عدم الإعتراف بتراث الحضارات القديمة- ويرجع هذا الإهمال للسابقين على اليونان لإعتقادي وقناعتي الراسخة  بأن الذي كان يفكر في المصير المشترك للمدينة/الدولة في الحضارات القديمة  كان هو "الواحد" أي الحاكم/الإله؛ بينما الأمر عند الإغريق كان مختلفا تماما، حيث صار همّ المدينة/الدولة POLIS - مصيرها ومشكلاتها- لايفكر فيها شخص واحد  -الحاكم/الإله كما هو الشأن عند المصريين القدماء أو في آسيا أو الصين القديمة...-  بل صار "الجميع" يحمل همّ المدينة، و أصبح التفكير في المدينة/الدولة من الواجبات، من واجبات المواطنة أن ينخرط الجميع في حمل همّ المدينة والتفكير في مصيرها، وفيم يجب أن يقوم به وينجزه الفرد داخلها. لذلك ركزت على اليونان، فعندهم  نجد الإرهاصات الأولى والراشدة  للتفكير بشكل مبكر في مفهوم المجتمع المدني .
تكمن عظمة اليونان والرومان أيضا في هذا المجال –حقل الفلسفة السياسية- في كونهم أول من استشعر القدرة على التمييز وعزل كل من مفهوم "السياسي" عن مفهوم "السياسة"، وهو ما نلمسه أيضا في كتابات كل من:''إرنست لاكلو  وشانتال موف''، فالسياسة بوصفها ممارسة ارتبطت بالرومان وكانت من نصيبهم، بينما مفهوم "السياسي" باعتباره تفكيرا في المبادئ والقيم والأسس والقيم السامية والمشتركة والمتعالية التي تجعل مجموعة من المختلفين في الرأي والتصور والاعتقاد ميّالين للعيش مع  بعضهم البعض رغم كل  الاختلافات الحاصلة بينهم  كان من حظ  الإغريق، لقد كان الإغريق بارعين من حيث التفكير في تلك القيم التي تسمح لمجموعة من المختلفين في أرض معينة بأن يعيشوا مع بعضهم البعض؛ انظروا إلى بعضنا البعض في هذا الوطن مثلا: ففي القاعة أو الحي أو المقهى الذي توجد فيه الآن عزيزي القارئ المفترض قد  توجد إناث ويوجد ذكور، يوجد كبار وصغار، أبيض وأسود، عربي وأمازيغي وأجنبي ربما...، ورغم ذلك نعيش مع بعضنا البعض ونشعر بنوع من ''التآلف''، فالذي فكر في هذا الشيء المتعالي/المجهول الذي يمنح لنا إمكانيات القبول بالعيش مع بعضنا البعض هم اليونان؛ بينما الذي سيضع لهذا المفهوم -مفهوم السياسي- القواعد هم الرومان، فالرومان كانوا بارعين في التشريع للقوانين؛ تقنين هذه القيم والمبادئ التي تسمح لنا بالعيش مع بعضنا البعض؛ أما اليونان فقد استطاعوا تمثّلها وتصورها والتفكير فيها  نظريا، وضمن هذا السياق يمكن إدراج ''الجمهورية لأفلاطون" و "الأخلاق إلى نيقوماخوس والسياسة لأرسطو"؛ فحينما يقول أرسطو في كتابه "السياسي" ويكرر ذلك في كتب أخرى بأن الإنسان: "حيوان سياسي'' ماذا يجب أن نفهم من ذلك؟، نفهم منه: أن الإنسان يشترك في العضوية البيولوجية مع الحيوان؛ لكن ما يميزه هو كونه  يميل إلى العيش مع بني جنسه بطبيعته وتدبير ممكنات التعايش معهم، فالطبيعة هي التي وهبته وأهّلته لذلك؛ لكن منهجيا نحن مطالبين بالحذر الإبستمولوجي: فعند أرسطو يجب أن ندرك أن العيش داخل جماعة بشرية والعيش داخل جماعة مدنية سياسية كانا سيّان، فلم يكن لدى اليونان وحتى عند أرسطو نفسه تمايزا واضحا  بينهما، لكن في عالمنا اليوم: هل كل كائن بشري/اجتماعي بالضرورة هو كائن مدني/سياسي؟ الجواب " لا"؛ ليس كل كائن اجتماعي هو كائن مدني، لأننا نجد العديد من الأشخاص يمشون ويأكلون كالأنعام ولكن هل يحملون همّ المدينة؟ هل يفكرون في المصير المشترك؟ هل يحملون همّ العالم؟ "لا"، بنظري لا يحملونه مطلقا، وياحسرتاه على أوطاننا حينما نسيء فهم الفردانية ونتمثلها بوصفها نرسيسة مقيتة ! .
من هنا يجب أن نستوعب أن هناك تمييز معاصر بين الكائنات البشرية/الإجتماعية والكائنات السياسية/المدنية، لكن عند اليونان لم يكن ذلك ممكنا لشروط وظروف ثقافية وحضارية؛ ورغم ذلك تعتبر اللحظة اليونانية لحظة متميزة، فمع أرسطو  تحددت الشروط التي تسمح بنظره إذا توافرت لجماعة بشرية ما أن تنتقل من مستوى البربرية والتوحش إلى المستوى المدني/السياسي، و حصرها في  أربعة شروط أساسية:
1- الشرط الأول:كل كائن اجتماعي لكي يصير مدنيا يحتاج إلى الذكاء، الذكاء هنا ليس كما نعرّفه اليوم أو نعرفه في العلوم العصبية الحديثة، بل يقصد بالذكاء في هذا السياق الحضاري القدرة على استخدام العقل، والقدرة على النظر العقلي، فالعامل اليدوي لايستطيع أن يكون مدنيا، فالطبيعة أقصته من ذلك والتراتب الأرسطي معروف في هذا الباب، الطبيعة لا تفعل باطلا.
2- الشرط الثاني: لكي يكون هناك مجتمع مدني-أي ليتم الانتقال من البربرية والتوحش إلى الحالة  المدنية/السياسية- نحتاج إلى المهارة التقنية؛ يقتضي الإنتقال هنا من مستوى الكائنات الإجتماعية إلى مستوى الكائنات المدنية أن يمتلكوا الحد الأدنى من المهارات التقنية.
3- الشرط الثالث: وهو شرط يقوم على "الشجاعة" باعتبارها  مطلبا أساسيا، لايمكنك أن تكون كائنا مدنيا وسياسيا، ما لم تكن لك "الشجاعة"؛ هنا تجدر الإشارة والتذكير بنص كتبه في القرن 18 الفيلسوف "إيمانويل كانط" عرّف فيه التنوير:"بأنه جرأة  وشجاعة في استخدام العقل"، وهنا يجب أن نعرف أن هذا المفهوم -الشجاعة- يونانيّ الأصول، فكانط نفسه كان يفترض أن الشجاعة هي المدخل للتنوير/الحداثة، فالإنخراط في المدنيّة والإنتقال إليها يقتضي الشجاعة بنظره، والشجاعة هنا لا تعني القدرة على استعراض العضلات وتنميّتها،  فلو كانت الشجاعة  ترتبط باستعراض العضلات لكان الحمار الوحشي و وحيد القرن سياسيان في مملكة الطبيعة !؛ المقصود بالشجاعة في هذا المقام:"شجاعة الرأي وشجاعة الموقف"، يجب أن تكون لك القدرة على قول "لا" حينما يقول الجميع "نعم"، إذا كان الموقف يقتضي قول "لا"، الشجاعة هي القدرة على مواجهة الموت بالمعنى اليوناني العميق، ماذا فعل سقراط حينما فضّل أن يشرب السم على أن يهربه تلامذته ليلا؟؛ الشيء الذي فعله  هو كونه  كان شجاعا في مواجهة  الموت، لأنه كان يدرك بأنه لكي يكون كائنا مدنيّا، أي حيوانا سياسيا  بلغة "أرسطو"، عليه أن يقوم بواجبه تجاه أثينا، هذا ما فعله سقراط  وحتى وإن كان الأمر مكلّفا فقد مات ميتة جميلة !.
4- الشرط الرابع والأخير: وهو الفضيلة، فلكي يحصل لمجتمع  ما الإنتقال من مستوى الكائنات البشرية/الإجتماعية، إلى مستوى الكائنات المدنية/السياسية، يجب أن تتوفر فيهم الفضيلة، وخاصة في الذين يقودونهم وينيرون طرقهم، لذلك كان كل سياسي حتى وإن  توفر  فيه شرط  الذكاء والمهارات التقنية والشجاعة وغابت الفضيلة فمصيره أن يكون سياسيا فاشلا لايخدم غير مصالحه والمنتفعين معه، وهو ما يعتبر لدى اليونان ضد قيم المدينة وخيانة كبرى لروح المدينة/الدولة POLIS   وكان الثمن هو الحكم عليه بالموت.
فحينما أقرأ مثلا حول التكنوقراط وأرى ما يفعلونه، كونوا على يقين: أن الاسترشاد بتاريخ الفلسفة والعلوم الإنسانية ينير الرؤية والتصور في هذا الباب حتى  نؤطر وندرك عمق وماهية ممارساتهم، فمثلا على مستوى المغرب: تحصيل حاصل أن ندخل في مقارنات بين السياسي الأستاذ "عبد الرحمان اليوسفي"، الوزير الأول في حكومة التناوب وبين التكنوقراطي "إدريس جطو" الذي وظفته السلطة في إيقاف مسار الديمقراطية آنئذ -على علاته- في المغرب، فالملاحظ أن التكنوقراطي "جطو" مثلا حتى وإن توفر فيه شرط الذكاء والمهارة، أي الخبرة التقنية بالتدبير والشجاعة في تنفيذ قراراته فقد عازته الفضيلة، والفضيلة هنا ليست سوى القدرة على الإلتزام الأخلاقي تجاه روح الأمة والإرادة العامة -الشعب- حتى وإن كان في ذلك ما يغضب السلطان، لكن الجميع كان يعرف أن الوزير التكنوقراطي "جطو" لم تكن له القدرة نهائيا لينازع "دار السلطان" في بعض القرارات والملفات، لأن الفضيلة التي قد تدفعه ليضحيّ في سبيل ذلك منعدمة لديه، ومشكل الشكوى من التكنوقراط ليس خاصا بنا فقط في المغرب، بل حتى في ألمانيا –أضف أوروبا والولايات المتحدة- سبق لفيلسوف مثل "يورغن هابرماس" أن حذر منهم في كتاب خاص عنونه ب"المعرفة والمصلحة" ولقد وصف "هابرماس" التصور التكنوقراطي (العلموي) حسب الباحث كود لوك في كتابه:"هابرماس: الديمقراطية والفضاء العمومي"  بالقصور الذاتي في مجال العملية السياسية، ورغم قدرته على تقديم معرفة مفيدة وتقييم سياسي ناجع، لكنه عاجز على بلورة عقلنة سياسية  لسيرورة الخيارات السياسية المتنافسة، لذلك دعا  للحذر من الجمع في كفة واحدة بين السياسيين الراغبين في الدفاع عن قيم المجتمع وأهدافه، وبين علموية الخبراء اللاعقلانية في عمقها لأنها تخضع المجال السياسي الذي هو مجال مجموع المواطنين لشرعية أخرى تستمد من التأثير الذي تمارسه هذه الفئة داخل المجتمع(الشواهد/المدارس العليا والعالمية التي تخرجوا منها/الجوائز التي حصلوا عليها)، فهابرماس يؤكد على أنه في المجال السياسي يجب أن تكون القرارات محط نقاش وتشاور بين مجموع المواطنين، لذلك وجب  التذكير بنظره  بأن الشرعية السياسية كانت مع بداية إدماج الجمهور في شرعنة القرارات السياسية وأن تلافي دورها في بنائها سيؤدي إلى العجز .
 على سبيل المقارنة يلمح هابرماس إلى الدور الذي قام به التكنوقراط في ترشيد العملية السياسية، ولم يستبعد دورهم في ترشيد السلطة السياسية أيضا، لكنه يلح على محدودة العقلانية التكنوقراطية لأنها أداتية و لاتنظر للمآلات التي قد تنجم على هذا التدخل لهم في المجال السياسي، لأن فهمهم قائم على تقييم الوسائل، وهو ماكان له تأثير على النسق المعرفي، فقد أصبحوا يراقبون التفكير النقدي لممارساتهم مما يؤدي في نهاية المطاف إلى استنساخ نفس السياق دون تغييره.
يطالب النموذج التكنوقراطي، بإعادة تقييم جذري للعلاقة بين الخبراء والسياسيين سيتكلف في إطارها الخبير بوضع الآليات اللازمة لتحقيق مجموعة من الأهداف، يؤكد هابرماس أن العلاقة بين الخبير والسياسي في النموذج التكنوقراطي معكوسة، فالخبير يضع الأهداف ويحددها والسياسي ينفذ تلك الأهداف، وهو ما يجب تجاوزه، صحيح أن هذا النموذج يحضر في صيغته الروتينية مع البرغماتية في النقاشات المعاصرة، لكنه أدى إلى أزمته الذاتية باتباعه لهذا النهج، فلم تعد السياسيىة إلا تعبيرا إنتهازيا لمجموعة من السياسيين نتيجة هيمنة الخبراء، ومن الواضح أن ادعاء السياسيين لنهج التصور الميكيافلي في السياسة لتبرير تعاملهم مع الخبراء كتكتيك أو إستراتيجية، يبقى ضربا من اللغو، أو كما يسميه الباحث "كود لوك" نوع من المثالية الساذجة التي يرى من خلالها الساسة بنوع من التبرير الأخلاقي أن الخبراء قادرون على تقنين السياسة بقدرتهم الفائقة على تنمية المعارف اللازمة لتطوير المجتمع، بينما يترك للساسة العلاقات العامة وهو دليل على الكارثة" .
ورغم الأهمية التقنية التي يلعبونها في النظام الرأسمالي، يبقى السؤال ما الذي  ينقص التكنوقراط الذين يحكمون دواليب الدولة هنا في المغرب وفي العالم؟؛ تنقصهم بنظري الفضيلة، فمن المؤسف أن تأتيّ أحيانا بمهندس خبير، ولكن تنقصه الفضيلة، وإذا غابت الفضيلة غابت الغايات كلها، فهي شرط السياسة، و شرط أن تكون حيوانا سياسيا.
ما يمكن أن نخلص إليه من  هذه الأفكار حتى تترسخ في الذهن هو أن :
• المجتمع المدني ظهر بوصفه نقيضا للعشيرة والقبيلة والأسرة.
• المجتمع المدني هو شكل من أشكال التنظيم الإجتماعي الراقية، فالمجتمع المدني هنا بالمعنى النقدي وليس بالمعنى الهيجيلي الذي سيصبح مجتمعا للحاجات الخاصة، أنا هنا أتحدث  عن الفكرة قبل "هيغل"، كان المجتمع المدني آنذاك غايته ووظيفته الأساسية هي التفكير في مواجهة الشر الذي قد يواجهنا جميعا، هو التفكير في مصير المدينة/الدولةPOLIS ، فمثلا حينما نتحدث اليوم عن الوضع البيئي، عن الفساد، عن التطرف، عن الإسلام السياسي، عن الإرهاب...، هذه المشاكل لا تواجه الأصوليين ولا تواجه الحداثيين فقط، حذار أن نعتقد أن دعاة الحداثة ومن يطالبون بالدخول إلى مجتمع حديث هم المهددّون بهذا الشر، كلنا مهددّون، انظروا لما وقع في العديد من الدول اليوم: في سوريا وما وقع في ليبيا والعراق...حذار أن تغتروا بالقول، والتشجيع في الحياة اليومية والوسائط بمن يروّجون أن هؤلاء الحداثيين يهددوننا، من يهددكم ويهددنا  هو الشر، الشر الأعظم يهدد الحداثي والمسلم والمسيحي واليهودي، ويهدد البوذي والكونفوشيوسي...، يهدد الإنسانية جمعاء.
فحينما كنت أدافع في بداية مقالتي على ضرورة أن يقوم  لدينا مجتمع مدني نقدي يدافع على ضرورة تكريس خيار الحداثة داخل المجتمع المغربي خصوصا -المجتمع المغاربي يبقى أفقا أيضا- على جميع المستويات، فأنا أدافع عن ذلك من منطلق أن المصير مشترك، وأعظم ما يواجهنا اليوم هو تأخرنا التاريخي، نحن بكل صدق نوجد خارج التاريخ، نحن فقط مستهلكين كبار، ومشاهدين لعرض ينجزه ويفعّله ويفعل فيه مؤسسوا الحداثة الغربية، هذا لايعني أنه يجب أن يكون لنا موقف عدائي من الغرب أو من الحضارة الغربية، وحذار أن نسقط في النزعة الأصولية المبخسة للغرب؛ الغرب سيظل دائما وحدة استراتيجية كبيرة وقوية، يمتلك العلم ويمتلك التقنية؛ ويمتلك كذلك كل أسباب  القوة التي ستضمن له الإستمرار والسيادة والقيادة في المستقبل القريب والبعيد إذا لم نتصرف.
بالإضافة إلى ذلك،  يجب أن نحذر أيضا من الخطاب الأصولي المندس في خطاب دعاة الأصولية والإجتهاد أو دعاة الحداثة غير المؤصلة -لا أقصد بالتأصيل هنا ما ذهب إليه المفكر المغربي طه عبد الرحمان-  بل أقصد بالحداثة المؤصلة: الحداثة التي يكون الداعي إليها واعيا بشروط قيامها وسياقها التاريخي، وليست الحداثة التي تختزل في الشعارات السياسية مع الإهمال الشامل للأسس العلمية التي بنيت على قاعدتها الحداثة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض الدعوات إلى الحداثة كانت مفصولة عن جذورها العلمية، وهو ما أنتج شروخا وفصامات؛ بحيث إذا ما كان الشعار المرفوع سياسيا شرطه إيجاد صيغة للتعاقد بين الحاكم والمحكوم لنتمكن من دخول الحداثة -حتى وإن قلدنا ذلك- من خلال كتابة الوثيقة الدستورية، كان التطبيق للدستور فاضحا؛  وذلك لأننا أخذنا  شعار التعاقد باعتباره جزئا معزولا، وليس جزئا من كلّ ثقافي واقتصادي وسياسي وعلمي وتربوي شامل ومتكامل يقوم على تربية وإعداد خاصّين للمواطن الحداثي،  وهو ما جعل حداثتنا موقوفة التنفيذ، صعبة التحصيل، ضبابية التمثل، فأنتج "سلفيين" من داخل الحداثيين يكررون دعواهم دون العودة للأصول الكلية-علمية وأدبية وثقافية وإقتصادية وسياسية...-  كي يتحقق الوعي الشامل بالحداثة.
 في ثنايا هذا النكوص نحن مطالبون بأن نحذر من الموقف المهووس بالدعوة إلى نقد الغرب وتقويم الفكر الغربي، علينا الإعتراف بأن الغرب ينتقد ذاته باستمرار، ويكفي أن ندخل إلى المواقع الإلكترونية لكبار دور النشر الأروبية لنرى ما ينشره الغرب حول ذاته، الغرب -بصراحة- ليس بحاجة إلينا لنصحح له فكره ونمط وجوده !، نحن مطالبون هنا والآن: بأن نؤسس وعينا بذواتنا ويجب أن نؤسس وعينا بلحظتنا، ويجب أن نؤسس وعينا بالزمن الراهن، بمعنى أننا جميعنا مسؤولون عن تحقيق هذا المطلب.
وعليه، أعتقد أن هذه العودة لليونان والرومان مهمة منهجيا ومعرفيا، حيث وضّحت لنا حمولة ودلالة المجتمع المدني النقدي، وذلك حتى لايخدعنا ذلك الرجل الذي أسس:"تعاونية للحليب أو جمعية للإحسان في رمضان أو غيره..."، ويقول لك لقد نظم المجتمع المدني:"حفل إفطار وتوزيع  للحريرة أو للملابس المستعملة"، هذا مجتمع: خيري، إحساني وخدماتي، وليس مجتمعا مدنيا، إنه يقوم بوظيفة موكولة لمؤسسات الدولة، وهي المطالبة بأن تؤدي هذا الدور.
المجتمع المدني النقدي: هو مجتمع يبني أفكارا تقدمية وكونية وإنسية، و يؤسس "قيّما مشتركة" تكون على خطي نقيض بين "الفولغير" عند اليونان أي عامة الشعب (السوقة)؛ وبين رجال الدولة؛ لأن عامة الشعب تحركهم المصالح ويفكرون فقط في  أنفسهم وحاجاتهم البسيطة واليومية الضيقة مثلا: -أرجوك سيدي الوالي نريد الربط بالكهرباء...-، هذا الذي يحصر مطالبه وأفقه في الربط بالكهرباء ليس مجتمعا مدنيا، ومن العبث والسخف والجهل أن نختزل عمق  "المجتمع المدني النقدي" في بضعة أشخاص غايتهم تحصيل الكهرباء أو توزيع بعض الملابس المستعملة أو تنظيف زقاق الحي !، المجتمع المدني لا تحركه بالأساس رغبات هؤلاء، فمطالبه فوقهم، وتتعالى على حياتهم الخاصة والضيقة، وهو أيضا لا يوالي ولا يساير الدولة في خطاباتها، المجتمع المدني يطور وعيا نقديا منهما معا، ويرسم معالم طريق، فهو الذي يهندس ويرسم لنا خرائط الطريق لنخرج من هيمنة الدولة ومن عنف وحاجات العامة الضيقة، فهو يفكر في الجميع أي في المشترك .
4. المجتمع المدني النقدي يتأنسن في فلورنسا
لذلك سيتجدد إحياء مفهوم المجتمع المدني مع حركة الإحياء العظيم في فلورنسا حينما تمت أنسنته -ربطه بالبعد الإنساني الكوني أي الإنتماء لوحدة النوع البشري باعتباره المشترك الوحيد بيننا في العالم-، سيقول لي البعض المجتمع المدني بدأ مع الأغورا -لكن هناك ملاحظة يمكن أن أسجلها- الأغورا بنظري لا تجسد المجتمع المدني النقدي الذي نحن في حاجة إليه، أي ذلك المجتمع المدني الذي ساهم في تعميق وتجذير الوعي بالحداثة الغربية وتعميمها، لسبب بسيط: ففي هذا الوقت كان العبيد مقصيون من الكلام وهو ما نلمسه لدى (إميل برييه وجان بيير فرنان وبرتراند راسل...) الوحيد المسموح له بالكلام في الأغورا هم الأسياد والأحرار.
 إذن، المجتمع المدني النقدي الذي أتحدث لكم عنه ليس هو "المجتمع المدني" الذي عرفه اليونان مجسدا في الأغورا؛ صحيح أن الأصول والأفكار والأسس توجد عندهم، لكن المجتمع المدني بفلورنسا سيتأنسن، أي  صار إنسانيا ومفتوحا أمام الجميع، فللجميع الحق في الكلام والنقاش وإبداء الرأي، وهنا مع مفكر من قبيل برينو ليوناردو داريزو أروتينيس (Leonardus Brunus Aretinus Arezzo 1379-1444) -مؤرخ لهذه الحقبة-، وقع تحول في تصورنا للمجتمع المدني، وذلك حينما كانت مملكة  فلورنسا معرضة للهجوم من طرف مملكة ميلانو؛ كان ليوناردو لايستطيع  أن يفعل شيئا؛ فماذا فعل؟.
إنكب ليوناردو على  ترجمة  كتابي "السياسي" و"الأخلاق إلى نيقوماخوس" لأرسطو، سيقول البعض كان عليه أن يذهب للحرب، أكيد سيشارك فيها  بعد ذلك، لكن المجتمع الفلورنسي كان في حاجة ماسة إلى أسس  نظرية تجعله يسترشد و يعرف ما يمكن لأي فرد من أفراد المدينة/الدولة أن يفعله في اللحظات الحرجة التي تصبح فيها وحدة المدينة/الدولة مهددة؛ وكذلك ما يمكنه القيام به ليحافظ على وحدتها وتماسكها وقوتها وسيادتها. كان  ليوناردو مؤمنا  بأنه على الفرد أن يقوم بواجبه السياسي تجاه مدينته، وهو ما دفعه لترجمة كتابين هامين في السياسة النظرية والعملية، وترجمته –في رأيي الخاص-كانت بمثابة مقاومة لهذا الهجوم.
يتضح إذن أن المجتمع المدني النقدي تأسس واكتمل  حينما صار مؤنسنا، وصارت غايته وهدفه في نهاية المطاف هو أن يعطي الحق لجميع الناس للقيام بواجبهم في بناء مدينتهم و دولتهم، وفي الدفاع عن مصيرهم المشترك؛ فهل تبيئة هذا المفهوم وترويجه في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة في المغرب في السنوات الأخيرة -التي عرفت مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية- ساهم في ترسيخ تصور عميق وسياسي بمفهوم المجتمع المدني أم فقط عمل على تحريفه وتشويهه وتحويله إلى وسيط خدماتي وإحساني لتصريف مشاريع الدولة من خلال  وزارة الداخلية وذلك من أجل خلق آليات جديدة لصناعة الموّالين والموالي؟. وهل تم ترويج المفهوم  بنفس الأفق والمضمون الذي ناقشناه فلسفيا وسياسيا؟.
و جذير بالذكر أن هذه المبادرة بنظري  ساهمت في تشويه هذا المفهوم بشكل جذري نظرا لهيمنة التسلط والسلطة في تدبير مشاريعها وتوجيهها، وذلك  لخدمة الغايات الإستراتيجية للمؤسسة:"الملكية/الدولة" الساعية للهيمنة والإنتشار كفاعل مدني وسياسي جديد من خلال بوابة:"الإحسان والخدمة الإجتماعية".
5. الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة  و تجسيد المجتمع المدني النقدي
وفي نظري المتواضع لم يتم على مستوى المغرب التأسيس لمجتمع مدني بعمقه الفلسفي والسياسي والثقافي لحد اليوم؛  بل  تم تشويه مفهوم المجتمع المدني النقدي، لدرجة أن كل من أسس "جميعة" داخل الحي الذي يقطنه يقول عن نفسه وجمعيته أنهم ينتمون للمجتمع المدني ويمثلونه ويساهمون بواسطته في القيام بواجبهم السياسي والوطني تجاه بلدهم !، لذلك أعتقد أن سنة 2016 كانت حاسمة في تاريخ المغرب المعاصر، لعب مجموعة من الشباب على مستوى المغرب دورا في  إحياء "الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة"، والتي لعبت دورا أساسيا في مواجهة شر عظيم كان المغاربة عرضة إليه، وحينما أعطى رئيس الدولة توجيهاته بأن تراجع مناهج التربية الإسلامية، لجان  التأليف طلعت بكتب مدرسية أقل ما يقال عنها أنها تخدم إيديولوجية وهابية، وهو ما نبهت إليه الجمعية وناضلت ضده بكل الوسائل القانونية المتاحة؛ وخاصة الدرس المعنون في الكتاب المدرسي منار للتربية الإسلامية ب"الإيمان والفلسفة"، و الموجه للسنة الأولى من التعليم الثانوي التأهيلي والخاص بمسالك:"الآداب والعلوم الإنسانية والرياضية والتجريبية والتكنولوجية والإقتصادية والفنون التطبيقية". وفي مطلع هذا الدرس  حدد المؤلفون  في درسهم:"الإيمان والفلسفة" الغايات  المتوخاة منه في الأهداف الآتية:
• "أن يتعرف المتعلم قضية الإيمان والفلسفة
• أن يدرك المتعلم أوجه التعارض والإختلاف بين الإيمان والفلسفة
• أن يستخدم المتعلم "نعمة العقل!" لترسيخ إيمانه واقتناعه بصدق رسالة الإسلام ونبوة الرسول محمد" .
 
في بنائهم للدرس وضعوا توطئة للإنطلاق؛ دار الحديث فيها حول قانون المراحل الثلاث عند أوغست من منظور القرآن، واضعين  قانون المراحل الثلاث موضع تفنيد وهرطقة موعزين للقارئ بذلك، نافين أن تكون البدايات الأولى للبشرية بدون معرفة أو علم، بل العلم بنظرهم نزل كاملا؛  وهو علم قبلي وهب من الله لآدم، وهنا أطرح سؤالا: لماذا انتظرنا حوالي مليون ونصف عام لنصل إلى معرفة علمية بالظواهر الطبيعية؟.
   بعد ذلك: أورد المؤلفون نصين قرآنيين، يتضمنان بعض الآيات، النص القرآني الأول من سورة يوسف الآيتان 39-40، والثاني من نفس السورة الآيتان 108-109، وكلاهما يتحدثان عن "الحاكمية والتوحيد"، وتم إنهاؤه بنص لآبن تيمية يزكي فيه النقل تزكية مطلقة على حساب العقل، وذلك وارد في الصفحة 80 من الكتاب المدرسي؛  ونحن هنا ننقل حرفيا بنائهم للدرس؛ لأن العديد من المغالطات مرّرها أعضاء اللجنة المؤلفة للكتاب في وسائل الإعلام حينما فتحت "الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة" هذا النقاش الوطني الحقيقي حول مستقبل المغاربة الذي كان يتعرض للتدمير الممنهج، ومن بين الحجج التي ساقها الأستاذ: "الحسن بوقسيمي" -أستاذ التعليم العالي و أحد أعظاء اللجنة المؤلفة للكتاب- حينما حضر لمناقشة الموضوع في إحدى الإذاعات المغربية :أن غايتهم كانت هي فتح نقاش بين العقل والنقل؛ لكن تبين لي بعد قراءة درسهم، أنه يستحيل إقامة نقاش بصوت واحد؛ حيث غابت النصوص الفلسفية وهيمنت بشكل مطلق وقطعي المواقف الفقهية المحرمة للفلسفة!، ثم انتهى المؤلفون إلى أسئلة الفهم والمعجم والمضامين و تثبيت واستنباط القيم التي يهدف إليها الدرس، وكلها تدعوا إلى توحيد لله و الإيمان بالرسالات السماوية وإلى جعل العلم في خدمة اللاهوت(ص81 كتاب منار التربية الإسلامية).
الخطير في الأمر أن هذا الدرس المندس  في المقرر المدرسي كان عنوانه "الإيمان والفلسفة"، لكن ما يثير الاستغراب والريبة هو أنه لم  يحضر أي نص فلسفي في بنائهم للدرس!، فكل النصوص كانت أصولية ونصية دينية؛ تحاجج من منطق واحد يتلخص في  ضرورة الإبتعاد عن الفلسفة وعن الإشتغال بها؛ مع العلم أن تبريرات المؤلفين بعد أن فضحت "الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة" هذه الأخطاء الإبستمولوجية القاتلة في بناء درس موجه لتلاميذ المدرسة العمومية المسيّجة بالدستور؛ وبالأطر المرجعية التي تستلهم قيمها و مبادئها منه.
 برّر المؤلفون هذه الأخطاء الفادحة بالقول أن غايتهم كانت : خلق نقاش بين قناعات المتعلم الراسخة والمعارف الفلسفية حول العقيدة، لكن في كل الصفحات من الصفحة  80  إلى الصفحة 84 من الكتاب المدرسي منار التربية الإسلامية لم يحضر أي نص فلسفي بالمطلق !، بل أكثر من ذلك نجد في الصفحة 82 وضمن أنشطة "التحصيل والإكتساب" وهو نشاط تعليمي وتعلمي من بين أنشطة أخرى في  بناء الدرس وتحقيق أهدافه؛ وقد حددت غايات هذا النشاط  بشكل واضح  وصريح في الصفحة 3 من نفس الكتاب، حيث حددوا غايته في كونه :"نشاط لتحصيل المضامين والمعارف والمحتويات التي تساعد المتعلم (ة) على اكتساب المفاهيم والحقائق والقواعد والأحكام والقيم والعبر القابلة لإدماجها في منظومة التعلّمات، وتوطينها في الذاكرة والحافظة لتوظيفها في الحياة، واستثمارها في مختلف المواقف''. 
وعليه؛ فإن الغاية من هذا النشاط واضحة ولا لبس فيها، وهي  تحويل مضامينه ومعارفه إلى قناعات راسخة توجه سلوك المتعلم، فما هي طبيعة هذه المضامين التي سعوا إلى ترسيخها: هل هي ذات طبيعة إنسانية أم ذات طبيعة وهابية ونكوصية غايتها تعطيل العقل؟
بالعودة إلى درسهم مرة أخرى، نجد أن عبقرية المؤلفين تفتقت على إخبار المتعلمين بأن الأسئلة الوجودية التي تواجههم، هي في عمقها أسئلة غيبية -وهنا لا نختلف معهم- رغم بعض الملاحظات الابستمولوجية على مثل هذا الكلام من داخل المدرسة، فالخطير هو أن يخبر المتعلم من قلب كتابه المدرسي أن هناك مصدران فقط للإجابة عن هذه الأسئلة الوجودية  التي حددها المؤلفون في  الكتاب المدرسي قيد النقاش وحصروها في: من أنا؟ من خلقني؟ ما الغاية من الحياة؟ هل أنا مسير أم مخير...؟، وهذان المصدران هما: 
• المصدر الأول للمعرفة بنظرهم هو : "الإسلام".
• المصدر الثاني للمعرفة بنظرهم هو : "الفكر الإنساني"؛ وقد وصموا هذا المصدر بوصم  قدحي؛ موظفين خطابا دينيا متهافتا،  حيث قال المؤلفون حرفيا :"ثانيهما: هو إنتاج الفكر الإنساني المخالف لما جاء به الإسلام. وهذا الإنتاج له أشكال وأسماء كثيرة منها الفلسفة، وهو يجيب عن نفس الأسئلة الوجودية التي تعالج العقيدة الإسلامية؛ لكن بالإعتماد على إعمال العقل بعيدا عن النصوص الشرعية مما يقود إلى افتراضات وتأملات تختلف باختلاف أصحابها زمانا ومكانا".
خلص بعدها المؤلفون إلى القول :"إذا استثنينا علم المنطق وعلم الجمال فإن الوحي قد عالج القضايا التي تتناولها مباحث الفلسفة بشكل دقيق، الشيء الذي يجعل الإنسان المؤمن أمام منظومتين: الأولى منزلة من عند الله سبحانه وتعالى وتدعوه إلى الإيمان بها إيمانا لاشك فيه ولا ارتياب، والثانية وضعية هي عبارة عن افتراضات حول قضايا ليس للإنسان الوسائل الكفيلة بإرشاده إلى الصواب فيها". والداعي حسب المؤلفين الى رفض الفكر الفلسفي -وهو المعني بالهجوم بالدرجة الأولى في درسهم الإيديولوجي- من جهة هو كونه غير منزل من عند الله، ومن جهة أخرى كونه يقوم على افتراضات ليست يقينية، وكأن الأصولية الفقهية أنتجت من اليقينيات ما أوصل المسلمين اليوم إلى حافة المريخ وحقق بينهم إجماعا لاتطاله الشروخ!.
 لقد كان بنائهم للدرس غريبا عن روح التأليف المدرسي وعن المعرفة المدرسية ومقتضياتها، وكذا شروط إنتاجها الإبستمولوجية؛ ومنافيا أيضا للأطر المرجعية وكافة الوثائق المؤطرة للتأليف المدرسي ولدفاتر التحملات والوثائق الإطار في هذا الباب، فما المبرر مثلا لإقحام  نص لآبن الصلاح  الشهرورزي والتذكير به بشكل سافر وفج؟ إن كانت الغاية – كما إدعوا- هي خلق نقاش لدى المتعلم بين قناعاته الراسخة حول الفكر الفلسفي و الإيمان الغيبي  فلماذا لم يتم استحضار ولو نصا فلسفيا واحدا –والنصوص كثيرة في هذا الباب- ليناقش ابن الصلاح؟ أليس الإكتفاء بنص واحد ووحيد لابن الصلاح في الدرس مبرر كاف وحجة دامغة على أن لجنة التأليف تكن  العداء للفكر الفلسفي وتهاجمه من قلب مقرر مدرسي عمومي يجب أن يخدم التقدم والتنمية وليس النكوص والتخلف؟.
 الغاية بنظري للمؤلفين من هذا الدرس  قد تجلّت واضحة وجلية في:"تدمير العقل وتعطيله ورهنه لفكر وهابي أصولي أرثدوكسي جامد"؛ وترسيخ أن الفلسفة والتفلسف لاقيمة لهما نهائيا ،والنص واضح بصريح القول والعبارة والبيان في الكتاب المدرسي وقد ورد فيه أن: "الفلسفة أسُّ السّفَة والإنحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبّس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان وأظلم قلبه عن نبوة محمد". (كتاب منار للتربية الإسلامية ص 83).
وانتهوا في النشاط الخاص ب"تزكية النفس" داعين المتعلم إلى توظيف تعلماته بإيراد نص قرآني آخر بدون أي مبرر من سورة البقرة الآية 11 ،وهي الآية التي يوصي فيها الله رسوله بأن اليهود والنصارى لن ترضى عليه حتى يتبع ملتهم، وقد تم تهييئ المتعلم مسبقا ليقبل في النهاية ضمنيا ولا شعوريا أن الفلسفة مادامت إبداعا يونانيّ الأصل، غربي النشأة، غايته تضليل المسلم وجعله مطابقا، تابعا لليهود والنصارى، فإن الحل بنظرهم يكمن في  اجتناب كل ما يأتي من الغرب، وخاصة الفلسفة وهي المقصودة في هذا الباب.
ثم يسترسلون في نشاط تعلمي آخر مخصص "للتقويم" حيث بدأ الضحك على الذقون والتلاعب بالمتعلم، وذلك حينما وضعه المؤلفون أمام تصور واحد، تصور فقهي وأصولي حول الفلسفة، ثم بدؤوا يطالبونه في الصفحة الرابعة والثمانون (ص84 منار التربية الإسلامية) بالإجابة مثلا على سؤال صيغ كما يلي وأنقله لكم حرفيا: "مارأيك في موقف علماء الإسلام من الفلسفة؟ ثم يتابع المؤلف في نفس الصفحة قائلا: "مارأيك في موقف الفلاسفة من الدين؟
لاحظوا معي؛ رغم أنه لم يحضر في بناء الدرس أي نص فلسفي؛ بل فقط تعليقات ذاتية للمؤلفين، لكننا نجدهم  يطلبون من المتعلمين رأيهم في موقف الفلاسفة من الدين، مع العلم أنهم لم  يدرجوا في بناء الدرس المعنون "بالفلسفة والإيمان"؟؛ أي نص يتضمن موقفا لفيلسوف من الدين!؛ وهو ما يبين أن ما فعلوه خيانة وجريمة في حق الرسالة التربوية التي يحملونها، وفي حق المغاربة في مجتمع حداثي وديمقراطي؛ فالغاية كانت رهن المدرسة المغربية لإيديولوجية أصولية ونكوصية نعرف جميعا ما أنتجت من عنف في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا والعالم.
بالله عليكم وهنا سأبسط للقراء، حينما نقول لتلميذ في الأولى أو الثانية باكالوريا، أن الإقتصاد والرياضيات والعلوم الطبيعية والفلسفة علوم غير شرعية، وهذه تصنيفات موجودة في الكتاب المدرسي ويكفي أن تعودوا إليه، إذن الغاية واضحة؛ هم سيرسلون أبنائهم للمدارس العليا والبعثات التي تدرس العلوم الفائقة التخصص في التجارة والسياسة والقانون والحديثة...، وأبنائنا فقط يجب إعدادهم لكي يكونوا مجرد مؤذنين وموظفين بسطاء ومرشدين ديننيين وفقهاء، مع العلم أن الدين يدعوا إلى العلم كما قالوا لنا دائما وهو ما نلاحظ نقيضه هنا.
 بعملية بسيطة لنفترض  أنه لدينا فقط عشر أساتذة للتربية الإسلامية، ولنفترض أنه تم تمرير فتوى ابن الصلاح التي تحرم العمل بالفلسفة والنظر العقلي كما هو في الكتاب المدرسي بدون نقاش يحضر فيه الإختلاف، وهي الفتوى القائلة بأن الفلسفة في نهاية المطاف هي زندقة وإلحاد وخروج عن الدين، ولنضع أن متوسط عدد التلاميذ عند هؤلاء الأساتذة هو 40 تلميذا،  ولنضع بعين الحسبان أن هذا الأستاذ درس هذا المقرر لعشرين سنة مثلا،  فلنضرب معدل 40 تلميذا في 20 سنة سيكون الخارج هو  8000 متعلم،  أما إذا افترضنا أنه لدينا  مئتي أستاذ قد مرروا هذه الفكرة لمدة 20 سنة لأقسامهم، و التي تتكون من متوسط أربعين تلميذا وتلميذة في هذا المدى الزمني الذي حددناه في عشرين سنة، فقد صرنا هنا أمام جيش يخيف داخل المجتمع من المتطرفين أو الميّالين للتطرف أو الحاملين لاستعدادات نظرية مسيّجة بالدين تبرر  للتطرف.
 بالله عليكم؛  في هذا العالم الذي ينتشر فيه الشر وصارت فيه الجماعات الإرهابية تحرض المراهقين وتشحنهم عن طريق الشبكات، وصار تلامذتنا عرضة لخطر الإستقطاب، بقيت لنا وسيلة واحدة نحصن بها العقل وهي الفلسفة والعلوم الإنسانية، وها نحن نعمل على تدميرها.
إذن، الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة حينما انخرطت في هذه المعركة المصيرية وانتصرت نسبيا  في الأخير، بحيث وصلنا في الأخير إلى أن مدير المناهج أعطى أمره لتراجع هذه المقررات، لم تكن تدافع على مصلحة خاصة بل كانت تناضل و تفكر في المصير المشترك لأبنائكم وبناتكم .
 ولأن المغرب يجب أن يظل بلدا متعددا ومختلفا؛ كما يجب أن نطور هذا الاختلاف والتنوع، هذا الإنفتاح الذي يحتاج إلى الديمقراطية، ديمقراطية يجب أن يؤصل لها ويفكر لها  وفيها "المجتمع المدني النقدي" الذي قيمه وعاداته وتقاليده وتصرفاته تقطع مع قيم القبيلة؛ فلا وجود للشخصي داخل المجتمع المدني. ونظرا لضيق المقام  سأختصر وأركز على:
1. التفكير في خلق مجتمع مدني حقيقي لا يفكر في الإحسان والخدمات (مثلا توزيع الحريرة، وتوزيع الملابس والحاجات الخاصة البسيطة)، رغم أخلاقية هذا الفعل النبيل لكنه يعيق مأسسة الدولة ومأسسة المشاكل السياسية، نحن نحتاج إلى مجتمع مدني يفكر في رسم معالم طريق لكي نخرج من وضع التخلف والتبعية والإستبداد السياسي  الذي نحن فيه. فمجتمع الإحسان يعمل على تخليق المشاكل السياسية وتحويل الإدانة من الدولة إلى الأفراد، وكأن المشاكل السياسية هي مشاكل تعود إلى عجز الفرد على الفعل، وليس إلى عجز الدولة على تأهيل جميع الأفراد لكي يكونون قادرين على الفعل.
2. نحتاج إلى شرط أساسي لكي يكون هذا المجتمع المدني النقدي ممكنا، وهو عصرنة المدرسة المغربية واستعادتها من هيمنة الاستبداد من  داخل الدولة، وعصرنة الوعي الجماعي، هذا الوعي الجماعي لكي نعصرنه وجب أن ندفع كل شخص لكي يفكر بنفسه، لأن المجتمع المدني النقدي حينما ظهر في فلورنسا إلى حدود القرن الثامن عشر كان يقول لكل إنسان: "استخدم ذلك النور الذي وهبته لك الطبيعة وهو العقل للتفكير دون أية وصاية سواء من الأرض أو باسم السماء"، وكانت غاية المجتمع المدني مساعدة الإنسانية على الترقي لتصبح قادرة على استخدام عقلها، وتقرير مصيرها، وتملك إرادتها.
أنهي هذه المقالة وأنا محبط الأمال بعد أن ألقى رئيس الدولة خطاب العرش يمتعض فيه من جميع الفاعلين: موظفين وفاعلين حزبيين وسياسيين وترابيين .... وفي الغد حضروا جميعهم  لتقديم فروض الولاء والطاعة في قصر المرشان بمدينة طنجة !؛ مغرب المفارقات يجعلنا في حاجة ماسة إلى مجتمع مدني نقدي يهندس لنا الطريق ويطرح الأسئلة الحقيقية التي تجعل كل مواطن قادر على فهم واجبه تجاه وطنه  وسط هذه الهمينة الكليانية للنظام على الحياة السياسية، بحيث لم يعد يكتفي النظام  بالتوجيه، بل صار معارضا  سياسيا أيضا، يوجد في قلب كل الحياة السياسية !! .
 توجد هناك حقيقة قديمة تقوم عليها كل الأديان وتتلخص في كون : الله  قادر على أن يوجد في كل الأماكن،  لكن  في السياسة يكون الأمر مستحيلا على أي فاعل سياسي أن يملأ كل الأماكن في الدولة،  فبين الدولة والمجتمع يجب أن  يوجد مجتمع مدني نقدي؛ ير<



نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.