آخر الأخبار :

"إطلالة على مجتمع روسيا في القرن التاسع عشر: تأملات في رواية:-الفــقــراء- لديــوســتــفســكـــي الاديــب الــروســي الكبــيـــر."


karroumiaberrahmane.jpgحالفني الحظ وصادفت هذه الرواية الجميلة جميلة في إحدى خزاناتي الكارتونية المرفوفة منذ ايام الجامعة، هي أول رواية كتبها هذا العظيم، و كان عمره 20 سنة...أول رواية بعنوان:"الفقراء"، كتبها لوصف معاناة العبيد و الخدم في بيوت الاقطاع و الرأسماليين المتخلفين في اواسط القرن التاسع عشر...وصف فيها انحطاط مجتمع الإقطاع بقيادة القيصر الإقطاعي المتخلف الشهير "رومانوف" الذي انهزم امام جيوش اليابان سنة 1905 واطاحت به الثورتين البورجوازية في أبريل 1917 و ثورة العمال و الفلاحين بقيادة لينين في أكتوبر من نفس السنة.
رواية الفقراء ترجمها للعربية بشكل جيد المترجم المخضرم أجمد اللويزي، نشرها المركز الثقافي العربي ببيروت و الدار البيضاء، الطبعة الاولى،2015،الترقيم الدولي:978 9953 684 0ISBN.
 
يعبتر "الفقراء" العمل الأول لديوستفسكي، وهي رواية تمكنت من إكسابه الشهرة الكبيرة،فقبلها لم يكن إسما معروفا في سماء الثقافة و الادب الروسي و الاوربي و بعدها إلى المسرح الثقافي العالمي.هي الرواية التي التقطها الناقد الروسي الكبير أنذاك المعروف ب"بيلينسكي"،و قال عنها للكاتب الشاب ذو العشرين عاما:"هل تستوعب حقا ايها الشاب(يقصد هنا ديوستفسكي)،كل تلك الحقيقة التي كتبت عنها؟لا،أنت لا تقوى على إدراك ذلك و انت في العشرين من عمرك.إنما الإلهام الفني،تلك الموهبة المستمدة من الاعالي، هي التي ألهمتك،فأحترم فيك هذه الموهبة.ستصبح كاتبا كبيرا".انتهى كلام الناقد بيلينسكي....و بالفعل بعدها سيصبح ديوستفسكي روائيا عظيما و كبيرا أبدع في المقامر،الجريمة و العقاب،الإخوة كارامازوف،حلم رجل مضحك،مذكرات قبو،مذركات من البيت الميت.....وروايات كثيرة ترجمت الى جميع اللغات العالمية.
و من اهم ما تتميز به كتابات هذا الروائي تمكنه من الاسلوب و التصوير الفني و الحكي و السرد و الحبكة،وأيضا سلاسة اللغة و انسياب المعاني و تدفق الأحاسيس و الوجدانيات حتى تكاد تختلط عليك الامور بين وضعية السارد والكاتب ديوستفسكي، فيخيل إليك ان ديستوفسكي يحكي عن تجربته الشخصية المعاشة....و بالفعل فهذا الرجل كان مطلعا جيدا على تاريخ روسيا و اوربا،متمكنا من الثقافة الروسية و عادات و تقاليد وأعراف وأديان الروس والاوربيين...متشبع بالفن في القرن التاسع عشر....وظف كل ثقافته تلك لتصوير معانة الروس الحقيقية، معاناة العبيد، و الكولاك،و الموجيك....و العمال البسطاء الذين بدأت بعض ورشات الراسماليين الروس توظفهم في ظروف صعبة.
 
تحكي رواية الفقراء و تصور مشهدا عبثيا من معاناة فقراء روسيا بمدينة "بيترسبورغ الروسية و احيائها الفقيرة،بشخصياتها و حوارها و جملها و افكارها تغوص في شرايين المجتمع الروسي لتصور واقع الإستبداد و الديكتاتورية الإقطاعية على حياة اغلبية الروس البسطاء، الفقراء الذين يقاتلون يوميا بجهد كبير لتحصيل لقمة عيش هزيلة و بعض الاقمشة لستر العورة و الاحتماء من البرد، هذا فرضا أنهم سلموا من مرض الكوليرا و البرد القارس الذي ميز روسيا في تلك الحقببة التاريخية في منتصف القرن التاسع عشر.
اعتمد العقل الروائي لديوستفسكي على شخصيتين رئيستين،لعبتا دور الناطقان الرسميان باسم معاناة جماهير عريضة من الشعب الروسي التي تتجرع ألم العمل في حقول الاقطاعيين ومنازلهم و في ورشات العمل لدى الرأسماليين المتخلفين اللاهثين وراء المال و الربح المادي. شخصيتين رئيسيتين هما:موظف مسن طاعن في السن و فتاة فقيرة تشتغل باحد البيوت عند احد الاقطاعيين و ستتزوج في الأخير غصبا عنها بغرض الحصول على مسكن و ملابس صوفية تقيها شرد البرد القارس،ستتزوج أحد الإقطاعيين و أحد الرجال لكنه لا تحبه...
الفتاة الفقيرة إسمها الروائي و السردي"فارفارا ألكسييفنا"، و الموظف المسن صديقها الحميم الذي لا تلتقيه ابدا إسمه"ماكار ألكسييفيتش".
تدور احداث الرواية عن طريق رسائل يتبادلانها يوميا للتخفيف عن معاناة عملهما بالمنال في التنظيف و الكنس و غسل الملابس و الطهي،فهي تعمل بمنزل سيدها و هو يعمل بمنزل سيده.ولأن أعراف الإقطاع تمنع لقاء الاصدقاء من جنسين مختلفين، فإن وسيلتهما الوحيدة هي تلك الرسائل المتخفية عن أنظار أرباب وربات البيوت لكي يتمكنا من التفريغ النفسي على بعضمهما البعض وايضا تبادل الاخبار والهدايا والعواطف الجياشة.
وهي طريقة ذكية اعتمدها ديوستفسكي ليحكي ويصور لنا معاناة المرأة في فترة الإقطاع وأيضا معاناة الرجل الذكر الفقير في نفس البنية الإجتماعية. طريقة تمكنت بها أول رواية كتبها من تصوير و نقد البنية السياسية الإقطاعية بروسيا التي احكم القيصر رومانوف و كبار الإقطاعيين القبض عليها فخنقوا بذلك أمال و احلام ملايين الفلاحين الصغار والعبيد والموجيك وعمال وعاملات البيوت. 
 
"فارفارا الكسييفنا" تكتب عن أضرارها للعمل لساعات طوال مقابل قوت يومها وبعض الروبلات القليلة لا تكفيها لشراء ملابس تحبها خصوصا أنها شابة جميلة وصغيرة، و "ماكار الكسييفيتش" يكتب عن كبره في السن حيت تجاوز السبعين ومع ذلك مضطر للعمل(هذه صورة تصور حجم المعااة في روسيا انذاك) لساعات طوال ويعاني من الإجهاد وبدا يفقد بصره و يتعب كثيرا...وأنه لايستطيع بمرتبه الذي لا يتجاوز "ثلاثين روبلا" من توفير مسكن منفرد وطعام جيد وأدوية تساعده على الحياة....كما أنه لشدة حبه لصديقته الصغيرة "فارفارا" و تيقنه من انه يتحمل مسؤولية الاب والام الأخلاقية تجاهها فإنه يوفر القليل من مرتبه الهزيل يشتري به هدايا وطعام شهي لصديقته التي يلقبها "بأميمتي" و "ملهمتي الصغير"...حيث كان يختم رسائله بهذه العبارات دائما...
في أخير الرواية ستضطر فارفارا الى الزواج و الرحيل من مدينة بيترسبورغ و سيختم السارد الرواية برسالة حزينة للشيخ المسن العبد في احد بيوت الاقطاع، رسالة يرثي فيها حالة شابة جميلة بمثابة ابنته اضرت للزواج من احد الاقطاعيين رغم انها تكرهه فقط ليفور لها القوت و الملابس و لكي تغادر واقع العمالة المخزي في بيت تتحكم فيه زوجة رب البيت و رب البيت و يعذب العبيد بالعمل الشاق و فترات راحة قصيرة...
الرواية جميلة جدا و فيها احداث كثيرة...و الاهم انها كانت تقدم لي و للقارئ تصورا و شهادة حية عن تاريخ روسيا القيصرية، روسيا القرن التاسع عشر التي امتلأ افقها بالكآبة و الحزن و المعاناة و الالم الذي تجرعته جماهير عريضة من الفلاحين والجنود والعبيد و العمال البسطاء...قرأت هذه الرواية فوجدت أنها تخدم نفس الأفكار التي ضمنها "فيكتور هوجو" في روايته العظيمة "البؤساء" و هي نفس الافكار و القيم الانسانية و الاجتماعية و الاقتصادية التي انتقدتها رواية كتبت في القرن التاسع عشر بالولايات المتحدة الامريكية بعنوان"إثناعشر سنة من العبودية" و نفس الفكرة التي خدمها فيلم بعنوان نفس الرواية إثنا عشر سنة من العبودية.
قال لينين قائد الثورة البلتشفية عن ديوستفسكي بأنه اعظم عقل فني وروائي عرفته روسيا عبر كل العصور في مقالته الشهير عن آداب الحزب و فنونه المنشورة "بموقع الحوار المتمدن".
أهمية هذه الرواية أنها أول ما كتبه ديوستفسكي و أنها كانت في فترة مهمة من تاريخ روسيا و اوربا و البشرية جمعاء، كما أن اسلوب ديوستفسكي الفني و التصويري و السردي و الحكائي لا يقاوم....




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.