آخر الأخبار :

عام البون.. قصة جوع لازالت تروى


يحتفظ التاريخ القريب للمغرب بأزمات اقتصادية عاش عليها المغاربة سنين عددا، كان لها انعكاس على حياتهم المعاشية، وكما أثرت على عاداتهم الغذائية فإنها أغنت رصيدهم من الثقافة الشفهية، ويبقى الجوع أهم هاجس أرق وإن بنسب متفاوتة يوميات العامة من الشعب وقرارات الخاصة من الحكومات وأهل الحل العقد.
 
في التأريخ لأزمة العيش بالمغرب الأقصى يبرز تاريخ 1944 الأقسى، أو ما عرف ب"عام البون"، يومها تحالفت الطبيعة بإضراب السماء عن الأمطار مع البشر ممثلا في فرنسا الحاكمة بأمرها انذاك التي سلبت مستعمرة المغرب مخزونها الاحتياطي من المواد الغذائية قصد تأمينه لفيالقها العسكرية الغارقة في أتون الحرب العالمية الثانية، عاملا الطبيعة والبشر أدخلا البلاد عنق الزجاجة ولم تخرج منها إلا بكثير أوبئة وقحط وندوب على الذاكرة لا تمحى.
 
بعد الاستقلال انتفى مفهوم "المجاعة" وحلت محله توصيفات ناعمة أرادت منح انطباع مضمونه: "الجوع ليس صناعة بشرية، والسلطة غير مسؤولة عنه بأي حال من الأحوال، المجاعة كانت نتيجة استعمار و وبفضل الحكومات الوطنية انتزع الاستقلال واقبرت مع حلوله حقبة الجوع الى غير رجعة!!".
 
لكن الواقع شيء آخر، المجاعة أيها السادة حاضرة في أيامنا، وشبحها لايزال مقاوما الغياب عن هذه البلاد، لعل آخر تجلياتها، ما حدث أخيرا بمدينة الراشدية عاصمة المغرب غير النافع، عندما استفاقت الساكنة ذات صباح من الشهر الماضي على خبر انقطاع التموين بقنينات الغاز، وانعدام الغاز في حقبة الألفية الثالثة ليس إلا مقدمة من مقدمات المجاعة.
 
لساكنة المغرب غير النافع حكايات تروى مع الأزمات الاقتصادية، وحده في هذا الجزء من المغرب لايزال الحصول على كيس دقيق امتيازا يقتنى ب"البون"، مع مطلع كل شهر يتجند "الشيوخ" و"المقدمين" لإيصال صك البقاء على قيد الحياة الى الأسر، طبعا مع المحسوبية ومبدأ العقاب عن الاختيارات الانتخابية، أسر كثيرة تحرم ولأشهر متعاقبة من الحصول على تذكرة الانعتاق المؤقت من جحيم الجوع؛ في قريتي مثلا، اتذكر ان أرباب العوائل كانوا لا يتوانون في الاعتصام قبالة مقر القيادة علهم يقابلون من يرأف بحالهم ويمنحهم "بون" كسرة خبز، واذا ما افلحوا في الحصول عليه كم يكون هول المفاجأة عندما تكتشف ربات البيوت أثناء فتح الكيس أن الدقيق فاسد بسبب انتهاء صلاحيته، انها راوية البؤساء لفيكتور هيغو في نسخة مغربية.
 
نموذج اخر للمجاعة في وطني، من منا لا يذكر أزمة السكر إبان الأيام الأولى لحكومة التناوب، لقد كان الحصول على قالب سكر بمثابة الفوز في اللوطو، وكم من الأعراس والولائم أُجِّلت لأن وقودها نفذ في الأسواق، فقط الوضائم وليالي العزاء ما كان متاحا تأجيلها...
 
نموذج ثالث مازال حاضرا بكثير مرارة في مخيال المغاربة، صندوق الاكتتاب 111 الذي كان قد أعلن عنه الملك الراحل الحسن الثاني عام 1995، بسبب تواتر اعوام الجفاف؛ أُقفل الصندوق من دون تقديم كشف حساب وجاء عهد الأسبوع الوطني للتضامن والمبادرة الوطنية للتنمية البشريّة، إنهما أكبر دليل على أن المجاعة سحابة سوداء لا تفارق سماء المغرب. 
 
عام البون، ليس عهدا ممنوعا من الصرف إلى الزمننين الراهن والمستقبل ، إنه ظرف كل الأزمنة، هو دائم الحضور حتى ونحن نجتاز العقد الأول من الألفية الثالثة، يكفي زيارة مدن وقرى المغرب العميق لرصد يوميات البون في الدقيق والسكر والزيت وفي قنينات الغاز عما قريب
 
انها المجاعة حاضرة بقوة ولو اختلفت وتعددت حولها التسميات مرة باسم الهشاشة، ومرة باسم الانكماش وثأتير الازمة الاقتصادية العالمية ومرات باسم الجفاف، هي لدى المواطن إن لم تكن مجاعة فهي في أحسن الأحوال جوع، والجوع ليس كافرا فحسب، هو بركان خامد عندما يثور، قد لا تجدي معه قراءة اللطيف وسوف لن تنفع معه مبادرات التنمية وأسابيع التضامن.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.