آخر الأخبار :

أنــا طفلة من أقصى الصويرة المنسية


أنــا طفلة من أقصى الصويرة المنسية، عمري لم يتجاوز بعد إحدى عشرة سنة، إبنة امرأة شهيدة لم يغتالها الرصاص، ولم تستشهد في غارة جوية فجائية، أنا إبنة شهيدة الخبز الحافي..
أكتب رسالتي هاته، وآمل صداها أن يصل، و غالبا أعتقد أنها لن تصل، ولن يحرك صداها أي ريح، المهم سأكتب، سأدون بعض المعاناة اليومية آلتي نحظى بها، الحروف أحيانا بلسم شافي، وفي بعض الأحيان مجرد قوافي...
أخـي الصغير يبكي كثيرا، أصبح البكاء لا يفارقه جفنيه، حتى أن عينيه احمرتا.. يظل يردد.. خبز...! خبز...! أحاول أن الهيه عن فكرة الخبز، أن امحي كلمة خبز من دماغه الطري، يعضني في يـدي بقوة وهو حانـق، يهيج ككلب مسعور، أريد خبز...! أريد خبز...! أخبرت إمرأة أمي من الـدوار بأن أحد المحسنين سيأتي في الغد، سيأتي حاملا معه خبز كثير، سنأكل الخبز إذا، ستملأ البطون حتى تشبع، سيتوقف أخي عن البكاء، لن يبكي بعد اليوم لأجل الخبز.. 
-ماذا لو لم يأتي بخبز كثير..؟؟ تقول أمي أنه سيأتي بخبز وافر..سيكفي جميع أهل البلدة..
-وإن لم يكـفي...؟؟
سيزورنا محسنين آخرين كثر يحملون خبزا معهم..
-من أين يأتوا بالخبز..؟؟
من المدينة...
-ما هي المدينة...؟؟؟
أرض فيها أناس كثيرون و فيها خبز كثير..
-لما لا نعيش بالمدينة كباقي الناس...؟؟
لأننا فقراء جدا، الفقراء أمثالنا لا يعيشون في المدن..
-أليس في المدينة فقراء...؟؟
بلى، إلا أن فقراء المدن يختلفون عن فقراء قريتنا...
- فيما يختلفون..؟؟
فقراء المدينة يحصلون على الخبز بسهولة وفقراءنا لا يحصلون عليه بالسهولة ذاتها...
-لما نحن فقراء...؟؟ لما..؟؟ ألم يكن ممكنا أن نكون أغنياء..؟؟
لأن الله يريد ذلك...
-هل يريد الله أن نعيش فقراء جوعى..؟؟ هل يسعد الله هذا...؟؟
هذه أسئلة الكفر بنيتي، حين تكبرين ستفهمين كل شيء..تذكري أن الله يحبنا، تذكري ذلك أيما احسستي بالجوع...
نام أخي أخيرا من شدة البكاء، تدثر ببطانية محشوة بالبرغوث، قالت أمي أن جارتها أخبرتها بعد أن سمعت على أمواج جهاز المذياع أنه ربما الليلة تهطل الأمطار، أبي رجل عجوز شارف عمره السبعين، يجلس على كرسيه الخشبي المعهود بجانب الـدار، يلوح بعكازه في الهواء دون أن يقوى على النهوض، لن ينهض دون مساعدة أمي، أخبره الطبيب الذي زار قريتنا مطلع الصيف الماضي أن السرطان نهش رئته وأنه لا شك سيموت عن ما قريب، في أكثر تقدير لم يبقى في عمره أقل من شهر هكذا قال الطبيب، مضت شهرين وها هو مزال حي يرزق..
العشاء أرز فـاسد، اختلط مذاق الأرز بمذاق الحشرات، الجوع إبن الكلبة يجعلك لا تبالي، نمت بجانب أخي، عانقته في حضني، البرغوث يحوم حول عنقه، حملت أمي أبي إلى فراشه، تحمله كريشة الحمام، المسكين أخف وزنا من خبزة كاملة، الشمعة تتراقص في الظلام، حين تنطفئ يتوقف الكلام...
-أمي هل حقا يملك الملك مدن كثيره، لقد أخبرتني صالحة بذلك..هل صحيح..؟؟ أم كلام خيال...؟؟
نعم يا ابنتي صحيح...
-وأين يعيش...؟؟
في القصر...
-ما هو القصر كيف يبدو شكله..؟؟
دار شاسعة لا حد لها..شبيهة بالجنة..
-هل فيها خبز كثير..
نعم فيها خبز كثير..
-هل صحيح ما يشاع عنه أنه مسؤول عنا..؟؟
طبعا ابنتي بما أنه ملك فهو مسؤول..
-هل يعلم بأحوالنا هل يسمع بها..؟؟
بالطبع...
-هل يحبنا كما هو الشأن مع الله..؟؟
نعم يحبنا..
-لم لا يرسل لنا خبزنا إذا..؟؟ لما بحوزته خبز كثير ونحن خاوية امعاءنا...؟؟ 
لآ أعرف...؟؟
-هل يحبنا...؟؟
لا أعرف..
ستنطفئ الشمعة قريبا، بل لقد أوشكت أن تنطفئ، لربما تهطل الأمطار الليلة، سأذهب في الصباح باكرا لأجلب الخبز لكم، قد أتأخر بعض الشيء اهتمي بأخيك، وصيتي الأخيرة لك اهتمي بأخيك...
ذهبت أمي على رجلها ماشيه، وعادت محملة فوق الأكتاف، لقد ماتت، زهقت روحها، هكذا اخبرونا، عاشت تصارع لأجل الخبز، وماتت وهي تصارع لأجل الخبز كذلك، لقد أخبرت أخي الصغير أن أمنا ماتت، أخبرته بدون رحمة أو شفقة، أريد خبز..! هكذا أجابني..
أرسل لنا الملك أخيرا شيء، أرسل لنا كفن، ألم يكن حري به أن يرسل لنا خبز، أم هو ينعي موتنا مسبقا، سأخبر الله أنه أرسل لنا كفن بدل الخبز، سأخبر الله بكل شيء...




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.