آخر الأخبار :

العنف تلميذ-أستاذ ...فهم،تحليل و مقترحات حلول


إنه لأمر في غاية الصعوبة أن تعيش في مجتمع العنف تأصل فيه كالمجتمع المغربي. 
كل أنواع العنف موجودة في هذا المجتمع ، وقلة قليلة تتأفف وتتعفف و تسمو بنفسها عن العنف عندما تجد الفرصة لممارسة هذا السلوك المقيت. العنف مرتبط في مخيلتنا الجماعية المريضة ، بالقوة والسيطرة و التسيُّد وهو في الحقيقة ليس سوى مظهر واضح جدا للضعف ، والتردد إن لم نقل لانعدام الثقة في الذات . 
طبعا ، عندما نحاول فهم العنف الذي صار الأساتذة يتعرضون له من طرف التلاميذ لا يمكننا إلا أن نضعه في هذا السياق المجتمعي العام ، الذي وددنا لو نستطع أن نناقشه ونحلله ونتناوله عسى نساهم في القضاء عليه . لكن العنف كمظهر مجتمعي عام ، أمر في غاية التعقيد ، وسنكتفي هنا بتناول جزئية صغيرة ، والتي هي العنف الممارس ضد الأساتذة من طرف التلاميذ ، فلن نتطرق لكافة أنواع العنف المرتبطة بالتربية ، ولا لكافة أنواع العنف الممارس على الأساتذة من أطراف أخرى ، ليست بالضرورة تلاميذ يُفترض فيهم أن يظهروا أسمى وأرقى وأعلى درجات الاحترام والتوقير والإجلال لمن يربيهم ويدرسهم . 
الملاحظ أن العنف الممارس من طرف التلاميذ على الأساتذة ، يظهر خصوصا في المرحلة الثانوية . فمن الواضح جدا ، أن شروط بروز هذا العنف لا تجتمع كاملة إلا في هذه المرحلة . قد تظهر في المرحلة الثانوية الإعدادية وحتى قبل ذلك ، لكن لحد اللحظة الثانويات هي المَرْتَع الرئيسي هذا الداء الخطير . 
لماذا الثانويات هي من تعاني من هذا النوع من العنف ؟ 
علينا أن نسلم بأمر محزن جدا ، هو أن بعض تلاميذ المستويات الأخرى الدنيا ، تمنوا لو مارسوا هذا العنف على أساتذتهم ، لكنهم غير متوفرين على شروط ذلك ، فهذه تظهر فقط على ما يبدو في تلامذة المرحلة الثانوية . 
لتُمارس العنف على ولِيِّ أمرك أو ولي أمرك التربوي ، لا بد لك من أمور عديدة : 
أولا : معرفة ماهية العنف . 
ثانيا : رؤية العنف مُمارسا . 
ثالثا : الوقوع ضحية للعنف . 
رابعا : تجريب أن تكون ناجحا في ممارسة العنف ، بمعنى أن يكون لديك ضحايا . 
خامسا : قياس ردة فعل المحيط حيال العنف الممارس ، ومدى شجبه له ، أو تقبله أو التشجيع عليه . 
سادسا : إيجاد "مبررات أخلاقية" للعنف - أخلاقية من وجهة نظر مُمارس العنف - . فالعنيف لا يمارس عنفه إلا إذا برر ذلك ، ولا يهم أن تكون التبريرات واهية تافهة أو غبية ، المهم أن يحس بينه وبين نفسه أو جماعته أنه عادل ، و أنه يقوم بفعل شرعي مبرر ، وربما ينتظر ويتوقع أن يجازى على ذلك .  
سابعا : الوصول إلى مرحلة من الشحن النفسي ، غاية في الارتفاع في الخطورة وفي الشدة . تبدأ بالأفكار ، وتمر إلى الألفاظ ، لتصل أخيرا إلى التخطيط والتنفيذ .  
ثامنا : التوفر على القوة الجسدية والأدوات والوسائل المادية لممارسة هذا العنف . وهذا الشرط ربما هو ما يجعل التلاميذ المنتسبين إلى الثانويات أكثر ممارسة لهذا السلوك المشين . فإذا كانت الشروط السبعة الفارطة سهلة التحقق في مجتمع عنيف مثل مجتمعنا ، فإن الشرط الثامن لا يتحقق إلا ببلوغ الإنسان المغربي السن الذي عادة يكون فيه في المرحلة الثانوية .  
العناصر السالفة الذكر ، ربما هي فقط بعض العناصر التي في حال عدم التوافر ، أو عدم توفر أحدها أو بعضها ، فإنها في الغالب لن تعطينا ذلك الإنسان القاصر الذي يمارس العنف على أساتذته . 
هذه العناصر - وربما عناصر أخرى- تكون موجودة في تلاميذ المرحلة الثانوية بالخصوص . 
من أين يأتي العنف الممارس من طرف التلاميذ على الأساتذة ؟ 
للأسف الشديد ، هذا العنف آت منا في الأصل ، وهو بضاعتنا التي ردت إلينا ، عنفنا رد إلينا ، ولو كنا غرسنا محبة وتفهما وحنانا لكان عاد إلينا ، لكن الحالة ليست كذلك على الإطلاق في الوضعية الراهنة التي نحن بصددها . هذا النوع من العنف يأتي من أماكن وروافد ومغذيات كثيرة : 
أولا : الأسرة . 
تعتبر الأسرة المنتج الأول للعنف في المجتمع المغربي ، فالأسرة المغربية تمارس العنف باعتباره أمرا شرعيا جدا ، عاديا وجيدا . فالأب يمارس العنف على الجميع ، والأم تمارس على الجميع باستثناء الأب ، والأخ الأكبر يسمح لنفسه بتعنيف الأخوة الأصغر سنا ، ويستثني الأب والأم . الكل يُسلم "مشعل العنف" لمن يليه مرتبة ، بشرط أن لا يمارسه عليه هو . 
ثانيا : المدرسة . 
عندما يأتي الأطفال إلى التعليم الأولي بين الثالثة والسادسة ، يكونون قد تشبعوا بـ "منطق العنف" في أسرهم . قلة قليلة من المربين في رياض الأطفال ، تستطيع أن تتعامل مع هؤلاء الأطفال دون عنف ، الأغلبية تستمر في تكريس العنف كقيمة ، كأسلوب تواصل ، وكآلية تدبير وضعيات معينة . هنا نلاحظ أن المجتمع يعتبر أن أفضل مربي مثلا ليس هو الذي يربي تربية مسالمة ، بل الذي يستعمل قدرا أقل من العنف . فتخيل وجود تربية مسالمة تماما ، بعيد عن مخيلتنا الجماعية تماما ، علما أنه يمكن الوصول إليه حتى إنطلاقا من وضعية مريرة كالتي نعيش حاليا . 
طبعا ، المدرسة الابتدائية تكرس العنف أكثر وأكثر ، خصوصا مع ضغط المقرر ورغبة الأساتذة في إعطاء الدروس بأي ثمن كان ، فهم يعتبرون الأطفال ذوي السلوك غير المقبول ، عوائق ديداكتيكية ، وليس حالات تستوجب المساعدة والفهم والاكتشاف . 
طبعا ، أساتذة المرحلة الإعدادية ، لا يكون لديهم - في نظرهم - أي حل آخر سوى الاستمرار في ممارسة العنف الرمزي ، والعنف اللفظي ، والعنف الجسدي لضبط القسم ، لتخويف التلاميذ ، للحصول على لحظات سلم قليلة يستغلونها للشرح ولكتابة الملخصات ، والقيام بالتمارين ، منتظرين بفارغ الصبر أن يرن الجرس . 
ثالثا : روافد أخرى للعنف . 
مؤكد أن هناك العديد من الروافد الأخرى كالسلطة الحاكمة ، والشارع ، والتلفزة ، والألعاب الإلكترونية ، والأنترنت ، والأغاني ، والأمثال الشعبية ، وربما بعض القصص والروايات والنصوص ... هذا باختصار شديد ، فليس الهدف من هذه الورقة هو فهم من أين ياتي العنف ، وإن تطرقنا إلى ذلك ، بل الهدف هو أن نعرف بم يمكننا الرد كمجتمع مغربي على العنف الممارس على الأساتذة ؟ هذا ما قد يكون القيمة المضافة لهذا المقال التربوي المتواضع . 
لماذا العنف أصلا ، وأين يمارس ؟ 
صحيح أن العنف يمارس في جميع طبقات المجتمع المغربي ، لكن كلما كان الجهل أكثر ، الفقر أكثر ، انسداد الأفق أكثر ، كلما كان العنف أشد . العنف ببساطة هو الفشل التام لقيمة سامية جدا هي الحوار الإنساني والتفاهم و التواصل . 
عندما يقوم طفل مثلا بسلوكات مرفوضة تُدخُل الأم في حالة من العصبية الـشديدة ، تفقد الأمهات -أو الآباء أو الأساتذة - في كثير من الأحيان القدرة على التخاطب والتحدث و تكوين جمل تتضمن المرغوب و المطلوب والمراد من الطفل . 
نلاحظ أن كثيرا من ممارسي العنف على الأطفال خصوصا في حال سبب هذا العنف آثارا و أضرارا و علامات ، يتحججون بأنهم ماكانوا يريدون ذلك ، وأن حالة العصبية التي سببها الطفل بسلوكه المرفوض هي السبب في هذا الضرر الذي حصل ، والمشكلة أن المجتمع والمحيط والآخرين يقبلون هذا التبرير ربما لأنهم هم أنفسهم قد يكونوا تعرضوا لنفس الموقف ، أو يظنون أنه من المحتمل جدا أن يتعرضوا له . 
وفي مجتمعات للأسف الشديد ارتبط فيها التعليم بالمستوى المادي ، نجد أسرا فقيرة جاهلة مستواها التواصلي - أصلا وبدون غضب - متدني جدا . أي أن طريقة التواصل لديها في الحالات العادية ، غير صحيحة ، مرتبكة ، وسلبية جدا ، فما بالك عندما تحدث أشياء مثل وضعيات توتر وغضب ونرفزة، عندها العادي هو أن يتحول الحوار اللفظي ، لجمل قصيرة عبارة عن سب ، والحوار الجسدي إلى عنف عبارة عن صفعات ولكمات وركلات و ضرب بالعصي والآلات الحادة ، وأي شيء آخر . 
لذلك ننصح أي مربي ، أن لا يقع أصلا في حالة الغضب ، أما إذا وقع فيها فعليه التوقف عن ممارسة مهامه كمربي إلى أن تزول هذه الحالة . فمؤكد أنه لو خرج من حالة الغضب وعاد إلى حالة الهدوء والسكينة والسلم الداخلي ، سيفكر بطريقة مختلفة تماما ، وسيجد طرقا وأساليبا ووسائلا يصل بها إلى ما يريد دون أن يكون آلة عنف تحركها نار الغضب . 
باختصار، الغرض من هذه الفقرة هو إرسال رسالة بسيطة لكن عميقة ، مفادها أنه كلما حسَّنت مستوى تواصلك ، كلما كان احتمال لجوئك إلى العنف أقل . 
طبعا ، هذا عامل واحد وليس العامل المتحكم الوحيد ، فمثلا شخصية المربي لها دور كبير في النجاح أو عدم النجاح في اجتذاب و جلب انتباه وتركيز واهتمام التلميذ ، فعندما يكون التلميذ بصدد التعامل مع أستاذ ذو شخصية جذابة ، مرحة ، وعميقة يحس لاشعوريا أنه بحاجة إلى التعامل والاحتكاك واكتشاف هذا الشخص المربي ، وبطريقة لا واعية يسلم له مقاليد نفسه . 
المشكلة أن الأساتذة ، - الذين أغلبهم ينسى كم كان هو أيضا مشاغبا- ، هم نتاج منظومة كئيبة سيئة ومتخلفة ، وباستثناء قلة نزلت عليها رحمة من الله ، البقية تريد أن ينتبه التلاميذ الى دروس هي الملل والكآبة و القرف بذاته ، دون تجديد ، دون إبداع ودون طابع خاص يضعه المربي عليها . 
وسط هذه المعمعة الهائلة من العنف والتخلف والعلاقات المتشنجة ، تجد قلة قليلة استطاعت رغم كل شيء إيجاد توازنات عجيبة في أقسامها . هم أساتذة حكماء ، بعمق في التفكير ، وتجارب كثيرة ، وتكوين ذاتي مستمر ، وأسلوب حديث جد راق ، جد جذاب ، وجد فعال . و لا ندري لماذا لا تتم الاستفادة من هؤلاء ، أقله ليأخذ منهم الأساتذة الذين يريدون تطوير أنفسهم . 
عموما ، إذا كانت التربية والتعليم مهمة تتطلب أداء خاصا جدا . فإن العمل في الوضعية الصعبة الحالية ، يتطلب أناسا من مستوى أعلى ، وأرقى ، وبخبرات أكثر . و شخصيا و أنا أراقب منذ قرابة العقدين كيف تم عمليا تدمير المدرسة العمومية على مر عقود كثيرة ، وأنا أرى هذا الدمار ، وأرى تهافت القطاعات الأخرى - والدول الأخرى- على النخب المثقفة الواعية المكوَّنة ، أتساءل من أين يمكن للدولة أو المجتمع أو المغرب أن يأتي بهؤلاء الأكفاء جدا ؟ فأشخاص بهؤلاء الكفاءات يتوجهون إلى كل القطاعات باستثناء التربية والتعليم ببساطة لتدني مستوى الأجور المقدمة مقارنة بصعوبة المهمة . فالأجور المقدمة حاليا في مجتمعنا لممتهني هذا القطاع ، ليست سوى مظهر من مظاهر العنف الممارس على الأساتذة من الدولة هذه المرة ، والذي يساهم كثيرا في خلق نوع من النفور النفسي لدى الأساتذة ، يؤدي بدوره إلى تدني جودة المنتوج التربوي الذي يقدمونه . 
الحلول ومستوياتها :
من الصعب جدا الحديث عن حلول لهذه الظاهرة ، خصوصا وأن من بيدهم فعلا القدرة على إيجاد الحلول وتطبيقها وتفعيلها ، لا تبدو عليهم مبالاة كبيرة بهذه الظاهرة ، ربما لأنهم لا يعتبرون أنها مُهمة ، أو لأنهم ليست لديهم أدنى فكرة عن طريقة إبداع حلول رغم أنهم يتقاضون أجورا ضخمة تحديدا من أجل إيجاد هذه الحلول ، أو لأن لديهم مشاغل أخرى أهم . 
عموما ، الأمر يهددنا جميعا ، وعندما يكون التهديد شاملا ، على الجميع التعبئة للتدخل والمساهمة والمساعدة لتجاوز الخطر المحدق . 
إن نظرة بسيطة للأمر ستجعلك تدرك أمرين منطقيين جدا . 
- الأمر المنطقي الأول هو أنه لا يوجد في العالم حاليا تقنية أو خطة أو منهجية عمل ، يمكنها أن تحل هذا المشكل جذريا في فترة زمنية قصيرة ، تمتد بين السنة والخمس سنوات . بمعنى أن العمل يجب أن يكون على المستوى والمدى والتفكير البعيدين . 
- الأمر المنطقي الثاني ، هو أن فداحة الوضعية الحالية لا تسمح لا بالتأجيل ولا بالتسويف و لا بالبطء في العمل ، بل تتطلب تدابير فورية سريعة وحاسمة . 
قد تبدو الفكرتان متناقضتان ، لكنهما في الحقيقة متكاملتان . 
المطلوب إجراءات زجرية ، كتشديد العقوبات ، وتطبيقها الفوري على هؤلاء المعتدين القاصرين-المساكين ، نعم فهم إلى جانب كونهم معتدين هم ضحايا ، وضحايانا نحن تحديدا ، وعليه فإننا نعاقبهم فقط لأن معاقبتهم هي أخف الضررين ، ولأن عدم معاقبتهم سيسبب كارثة أشد ، ولأنه ما من حل آخر على المدى القصير سوى معاقبتهم ، وأتمنى أن يجد أحد حلا غير زجري لاعتماده ، أتمنى ذلك لكن لا أظن أنه موجود . 
ماذا سنربح من الحل الزجري ، الذي هو حل مطبق على المدى القصير؟ 
سنربح أهم وأفضل وأغلى شيء في الوجود ، سنربح الوقت للبدء بتدابير على المستوى المتوسط ، يعني بين الخمس والعشر سنوات . و التي هي أيضا ستسمح لنا بالعمل على حلول جذرية حقيقة طويلة المدى ، أي ما فوق العشر سنوات إلى حدود العشرين أو الثلاثين سنة . 
جيل كامل يجب مراوغته ، إلى أن يرحل بأقل الضرر ، وأثناء ذلك العمل الجدي على بناء جيل جديد . 
ما هي الحلول المحتمل القيام بها على المدى القريب ؟ 
- تطبيق القانون بشدة على المعتدين .
- تغريم العائلات مبالغ مالية ، على اعتبار أن من وصل هذه الدرجة تكون الأسرة أيضا مسؤولة عبر تساهلها و لا مبالاتها و لا مسؤولياتها ، فعوض مشاهدة المسلسلات التركية كان حريا بهذه الأسر أن تنتبه إلى الأفكار التي انزرعت وتغلغلت وتسربت إلى عقول أطفالها . وطبعا إقرارعقوبة مماثلة ، سيجعل كثيرين يعودون للاهتمام بدور الأمومة والأبوة الذي تخلى عنه نسبة كبيرة من الناس . 
- وضع لائحة سلوكات موجبة للعقوبات ، بمقابلها وضع لائحة العقوبات الإيجابية التربوية المقابلة لها . فالتأخر له عقوبته ، والغياب له عقوبته ، ورفع الصوت عند مخاطبة الأستاذ له عقوبته ، وعدم تبني خطاب محترم له عقوبته ، وسب الأستاذ له عقوبته ، والتهديد له عقوبته ، واستعمال العنف اتجاه الأستاذ له عقوبته . الغرض من هذا هو الخروج من الارتجالية الحالية ، بحيث يمكن لتلميذين قاما بنفس الفعل أن تتم معاقبتهما بطريقتين مختلفتين فقط لأنهما في مدرستين مختلفتين مثلا . كما أن هذه الطريقة ستجعل التلميذ العنيف في مواجهة القانون ، بينما التلميذ العنيف حاليا في مواجهة شخص الأستاذ ، لأن الأستاذ -عبر المجلس التأديبي - ، وليس القانون هو من يقرر العقوبات ، والأمر الأول كما الأمر الثاني مهمين جدا . 
- العقوبات يجب أن تكون من قبيل كتابة رسائل الاعتذار يوميا لمدة معينة مصحوبة بتنظيف مساحات واسعة مع تجيير الجدران لساعات طويلة ، كل هذا في وقت يكون فيه الأقران يلعبون و يرفهون عن أنفسهم و يتمتعون . هذه العقوبات البديلة هي عقوبات قاسية القسوة المناسبة ، و تكون مشروطة بإظهار الندم ، وطلب العفو الصادق ، والامتثال التام للأوامر والتعليمات والتوجيهات ، ومجرد التأمل في اسمها الذي هو "العقوبات البديلة" يعني أن الذي لا يمتثل لها ، أو لا يأخذها على محمل الجد ، أو في حال ثبوت عدم نجاحها في تعديل حقيقي إيجابي وفعال لسلوك التلميذ ، في هذه الحالات نعود بسرعة إلى العقوبات الكلاسيكية ، والتي تعني بكل بساطة قضاء مدة في الإصلاحية مهما كان هذا الحل سيئا . 
- الحرمان من التواصل مع الزملاء والأقران والأصدقاء ، بحيث يصير اليومي لدى التلميذ هو البيت المدرسة ، والمدرسة البيت . هذا طبعا في حال وجود أسرة واعية وعيا حقيقيا لأهمية الجدية في اتخاذ القرارات الضرورية في حق ابنها ، حفظا حفظا لمصلحته ، ومصلحة المدرسة ، ومصلحة المجتمع . 
إجراءات على المدى المتوسط : 
على المدى المتوسط يمكن القيام بما يلي : 
- أولا ، مطالبة الوزارة والآكاديميات والنيابات ، المديرين والأساتذة والأسر ، الإبلاغ عن حالات يشكون أنه في حال تطورها ستصير حالات عنيفة . بحيث وبطريقة استباقية يتم تجميع هؤلاء التلاميذ و تنبيههم و توعيتهم بحقوقهم وواجباتهم و بالتخوفات الموجودة بخصوصهم ، فهذا من شأنه إقناع نسبة منهم على الأقل ، بسلك طريق آخر غير الذي هم ماضون فيه . 
- ثانيا ، وضع بروتوكولات تدخل واضحة للأساتذة ، عن كيفية التعامل مع فئة التلاميذ التي بدأت فعلا معها مشاكل علائقية ، توترات ومشادات . بحيث يمنع على الأستاذ منعا باتا ، سب التلميذ ، أو إهانته ، أو دفعه أو تعنيفه ، أو مخاطبته خارج الزمن والفضاء المدرسيين ، كل هذا مع الحفاظ على برودة الدم ، وعلى الخطاب الدبلوماسي وعلى ترك أثر كتابي للحالة ، وعلى الابتسامة أيضا . لكن مع أخذ الإجراءات والتدابير والخطوات القانونية اللازمة لوقف تصرفات هذا التلميذ . والغرض من هذا من ناحية أن يكون الأستاذ من ناحية قدوة للآخرين في كيفية التصرف في حالات متوترة مشابهة ، ومن ناحية أخرى حتى يكون موقفه قويا في حال تدخلت أطراف أخرى بحثا ومساءلة وتمحيصا . سواء أكان هذا الطرف الثالث ، مفتشا أو لجنة أو سلطات عامة أو جمعيات أو منظمات ارتأت أن سماع الطرف الآخر أيضا مهم . 
- إشراك جمعية الآباء ، وجمعيات أخرى و فاعلين تربويين في حل المشاكل قبل تطورها . 
- خلق مجموعات تربوية تتكون من أساتذة و آباء و فاعلين جمعويين ، تكون مهمتها رصد استباقي لهذه الحالات ، والتدخل لفك النزاعات في المهد ، ومتابعة تطور الأمور ومجرياتها . 
- إشراك الإعلام ، بفتح المجال لمن لديه حلولا عملية ، وليس بأشخاص يأتون لاستعراض عضلاتهم النظرية التنظيرية الفكرية ، دون تقديم إجراء عملي واحد . أو باقتراح إجراءات مكلفة صعبة وغير عملية . أو يتكلمون كلاما عاما ، الغرض منه إرضاء الجميع ، وتلميع صورتهم الشخصية . فثمانون بالمائة ممن تتم استضافتهم في الإعلام هم من هذه النوعية . 
- الإشادة ومدح و تشجيع التلاميذ الذين يسلكون سلوكا قويما سلميا رصينا ، وعدم الاكتفاء بمعاقبة المخالفين . 
 
إجراءات محتملة على المدى البعيد : 
 
على المدى البعيد قد يكون من الضروري جدا ما يلي :  
- خلق جيل جديد من الأساتذة ذي تكوين جيد ، أو استيراده من دول أخرى ، يكون مكونا تكوينا جيدا ، ويتلقى أجورا جيدة ، بحيث أن الذين يشتغلون في الطب والهندسة والمحاماة يبدأون بالتوجه رويدا رويدا للتربية على اعتبار أن من يمارس هذه المهمة شخص يُدفع له مال محترم ، ولديه تقدير مجتمعي محترم ، وآفاق التطور المهني الخاصة به محترمة أيضا . 
تكليف هذه الكفاءات العالية الجودة ، بالمستويات الدنيا ، وقلب المعادلة رأسا على عقب ، بحيث كلما اهتممت بأطفال أصغر سنا كلما كان الأجر أعلى والتحفيز أكبر والمحاسبة أعظم . 
- منع العنف الممارس على الأطفال في المدارس منعا كليا ، و تربيتهم على الحوار والتسامح والتفاهم و تساوي قيمة الجنسين وتقبل الآخر ، وتقبل الاختلاف ، وتقبل آراء الآخرين ، وعلى الصدق وقول الحقيقة وتحمل المسؤلية ، تكوينا عمليا لا نظريا ، والتكوين العملي بسيط جدا وصعب جدا في نفس الوقت ، ولا يكون إلا بتصرف المربين تصرفات حقيقية واقعية ملموسة ، بما يتوافق مع هذه القيم ، فالتلاميذ يعطون أهمية قصوى لما نفعل ، وليس لما نقول ، وهذا دليل على نباهتهم وذكائهم وقدراتهم العقلية العالية . 
- تصنيف العنف الأسري الى درجات ، والبدء بمحاربة الحالات الأخطر عبر مساعدين اجتماعيين ، ثم الأقل خطورة ، وصولا الى تخفيض مستويات هذا العنف ، إذ تقريبا ما من جدوى إذا كانت المدرسة تربي على قيم السلام والحب والإخاء ، بينما الأسرة تربي بالعنف والاستبداد والتغول على الآخرين . 
- تجريم إنتاج الألعاب العنيفة للأطفال ، وفرض رقابة أعلى على الرسوم المتحركة والقصص المصورة ، وعلى المضمون المروج في الأنتنرنت . 
- نشر ثقافة استهجان المواد العنيفة حتى عند الكبار ، فأفلام العنف والهلع والمشاهد التي تستهين بالموت ، كلها تساهم في تكوين شخصيات آباء وأمهات عنيفة وتُمرر هذه الأفكار الفيروسية لصغارها وأطفالها و المحيطين بها عن غير وعي . 
 
في الأخير لا بد للتنبيه لثلاثة أفكار رئيسية : 
أولا ، العنف الذي تطرقنا له ، مشكلة كسائر المشاكل ، إذا عالجناه بقوة سنتغلب عليه بسهولة ، وإذا رفضنا رؤية الحقيقة فإنه قد يلتهمنا أو يوصلنا إلى حالات سيكون من المؤسف حقا أن نصلها . المشكلة أنه كمجتمع مغربي ، للأسف عموما ننهج النهج الثاني وليس الأول . 
ثانيا ، لا ندعي أبدا في هذه الورقة المتواضعة الإلمام بالموضوع في شموليته ، أو أننا قدمنا جميع الحلول أو أننا فهمنا الموضوع فهما عاما شاملا تاما ، بالعكس تماما ، المقترحات هنا لأسباب عديدة قليلة ، ويمكن إضافة الكثير الكثير في كل باب من أبواب هذا المقال المتواضع . ربما أهم شيء هنا ، هو الدعوة لطريقة جديدة في التناول والتحليل والاستنتاج ، يعني قد يستفيد أساتذة أو آباء أو طلبة بالأفكار الواردة ، طريقة تسلسلها و المقاصد التي تريد أن تخدم . 
ثالثا ، لقد سبق أن قلنا أن الخطر محدق بنا جميعا ، وأن على الجميع أن يساهم أساتذة وأسرا وباحثين وإعلاما وسلطات وفنانين وكتابا ، وناشطين فايسبوكيين ، وصناع قرار ، وسياسيين وجمعيات مجتمع مدني . إذن على الجميع أن يسأل نفسه ، عن ما يمكن أن يقدم ، وهل قدمه فعلا أم لا ، لأنه في موضوع مماثل الخلاص إما أن يكون جماعيا أو لا يكون .  
 
توقيع : هشام الدراز 
أستاذ وكاتب مغربي




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.