آخر الأخبار :

مــامــعـنى الإنـسـانـيـة الـشـاحـبـة فـي فـلسفـة "إميل سـيـوران"


بقلم الكرومي عبد الرحمان
بعد اطلاعي على شذرات ثلاثة مؤلفات تركها الفيلسوف العدمي الروماني الراحل "إميل سيوران" و هي:
ـــ المياه كلها بلون الغرق.
ـــ مثالب الولادة.
ـــ لو كان آدم سعيدا.
ـــ مقالة عن كتابه:"اللامعنى و اللاجدوى"
 
أكتشفت أن ما يروجه معظم القراء المغاربة و العرب عن الرجل بكونه فيلسوف "التعاسة" و"اليأس" ليس سوى تسطيح "للنص السيوراني"، هي أحكام توجه تهمة الياس إلى النص ليس بمعايير المنظومة النظرية والسياق التاريخي الذي انتج شذرات سيوران و إنما بواسطة معايير شعبوية تمتاز بها ثقافتنا النقدية في غالب الأحيان إلا ناذرا.
إن الرجل كان يجاهد فلسفيا لآنتشال مفهوم السعادة والإنسان من الدمار والخراب الذي عم العالم المعاصر، يناضل بحدسه الفسلفي ووجدانه الفكري والروحي ليكشف على مرآة الثقافة الغربية وجه بشاعة التاريخ المعاصر،إن فلسفة سيوران هي بيان ضد كل الانساق المحافظة التي تملكت الحقيقة بالعنف وسلطة القوة و "المنطق الطوطولوجي" فسحقت كل ابعاد الإنسانية وغطت عن جريمتها بمشاهد ناطحات السحاب وألوان الإشهارات والأضواء المختلطة في الشوارع والرقصات الشكلية داخل الحانات وهتافات السخط الكاذب من داخل ملاعب كرة القدم، لقد كان الرجل فائق القدرة على رصد كل شيء سيء في الحضارة و نظام الثقافة و السياسة المعاصرة و عبره تاريخ البشرية،إن سيوران يبذل كل هذا الجهد المضني ليس لكي يؤكد بأن الشر واليأس أبدي، و إنما لكي يشير بالسبابة إلى اسباب انبعاث اليأس وفقدان الامل في مشروع النزعة الإنسانية بصيغتها المعاصرة.
 
إن شذرات "سيوران" تضمر أهم شيء وهو "النقد الطلق" الذي يؤسس لفلسفة الخلاص الروحي والإجتماعي والفردانية الحقيقة الفاعلة في حركة التاريخ، يؤسس لفردانية ليس لا تلغي منطق التاريخ و تقفز على شرطيته الإنسانية بل لكي تخلصه من كل حركات العربذة الرخيصة التي تقوم بها الإرادات المريضة التي حولته الى مسرح للحروب و الجوع والمرض والتلوث واحتكرت العلم والملذات في "حوجلة" بداخل "حصن حصين" تحرصه الاسلحة النووية و الخرافة والاساطير المرعبة.
إن الرجل كان فيلسوفا حساسا جدا لأخطاء تم إلصاقها بمعنى من المعاني بالعقل ممارسة و تأويلا،إنه فيلسوف يمتلك إحساسا دسما أكثر من دسم "بيرغسون" عندما كان يبشر الفرنسيين والعالم باكتشاف جديد عن مفهوم وجداني باطني هو "الديمومة والشعور، ديمومة الإحساس في كل شيء حتى في المعرفة"، "سيوران "هو فيلسوف الاخلاق الحقيقي في المرحلة المعاصرة لأنه يزود الإنسان بأسلحة تمكنه من مواجه واقع البؤس واليأس وليس كما يفعل الوعاظ الدينيون عندما يطالبون الناس بالزهد و الهروب عن الواقع طلبا للذة والسعادة اليوتوبية.
 
هكذا فالفيلسوف "سيوران" إذن يقول لنا ببساطة إذا كان واقعنا بشعا فإننا سنغيره عندما نعترف بأنه بشع، عندها سنتسلح بالقوة و الوعي الكافيين لتغييره حتى يطابق مفاهيم مثل الامل والحب وإنسانية الإنسان و المجد كما يسميه.
لنأخذ مثلا شذرتين على سبيل المثال -لا الحصر- و نحاور سيوران من خلالهما:
ـــ يقول:" المحضوضون هو اولئك الذين لم يصلوا الى البويضة"
هذه الشذرة العبثية مثلا( العبث هنا شيء ما يشبه المعرفة او الاستيعاب الشبه المطلق للواقع في ماديته المعقدة بواسطة العلوم الإنسانية و المنطقية و اللغوية و الطبيعية... )، لا يجب ان تفهم بكونها دعوة لرفض الحياة او بكونها تنم عن سيكولوجيا مهزومة يائسة أو إرادة منكسرة غير فاعلة في التاريخ.
العكس تماما، هو الصحيح في منطق و نسق إميل سيوران،إذ يجب ان تفهم باعتبارها دعوة صريحة الى رفض هذا الواقع و نظامه الذي يسير عليه، هذا النظام الذي يدعي العقلانية ونهاية التاريخ، فالشذرة تخبرنا بأن من وصلوا الى البويضة خرجوا الى عالم لا يليق بالحياة لا يليق بالكينونة و "الوجود الإنساني الحق"، وبالتالي حسب منطق السوق القائم فالذين لم يصلوا ربحوا اكثر من الذين خسروا فرصة افضل عندما تحملوا نتائج التجربة و المغامرة الإخصابية.
هذا من جهة، أما من جهة ثانية فإن هذه الشذرة لا تشير الى التجربة البيولوجية للإخصاب بالضرورة بل توحي الى شيء أعمق بكثير،لأن عبارة الذين لم يصلوا الى البويضة تشير الى أولئك الذين لم يتملكوا بعد وعيا بالحياة وبذلك فهم سعداء،لأنهم يعيشون الحياة ليس "بما يجب ان يكون" بل بلاشيء منذ البداية، أما الذين وصلوا الى البويضة أي امتلكوا الوعي العميق بماهية الحياة فقد اصبحوا تعساء لأنهم أدركوا كل هذا العبث وهذا الدمار واصبحوا ملزمين و مسؤولين من الناحية الأخلاقية بالتبشير بحياة جديدة أكثر ملاءمة وأكثر إنسانية.
 
ـــ يقول أيضا في كتابه"المياه كلها بلون الغرق": "المياه كلها بلون الغرق".
إن هذه الشذرة جعلها سيوران عنوانا لكتابه، وهي شذرة مجازية بالاساس، مجازية بدقة عالية تكثف كل حركة التاريخ إلى حدود اليوم، فسطح المياه تشير الى مسرح التاريخ ومشهد العالم وواقع الإنسانية المقلوب والبئيس اليوم،مشهد لإنسانية كلها بلون الغرق، ولفظ "لون الغرق" هنا عبارة تحيل تماما إلى الخسارة الكبرى للإنسان أمام منطق الربح و"الإختزال المادوي الرأسمالي" لماهيته إذا صح المفهوم الذي اقترحه عليكم في الوصف.
 
إنها إنسانية شاحبة، طيف ألوانها اختفى تماما، الألوان هنا التي اختفت تبشر في فلسفة سيوران بسيادة هوية واحدة ومنطق دوغمائي واحد، فأحداث التاريخ في صراع القطبية التي عاصرها سيوران(توفي سيوران سنة 1994) ونظام القطبية الذي عاصر منه اربع سنوات كنس كل الوان البشرية و بدأ يلون كل شيء بلون رمادي قاتم هو لون واحد، هو لون السوق والربح والشركات المجهولة الإسم و شركات الإشهار و شركات الاسلحة.
 
إن هذه الشذرة كانت تبشر أو تجرد فلسفيا مستقبل القرن الواحد والعشرين باعتباره قرن بدايته كانت عبارة عن حروب رمادية بلون واحد رمادي هي حروب الهوية الوحيدة و منطق الهوية الواحدة، واليوم نشاهد هذا المشهد أمامنا، مشهد يؤثثته الصراع الديني والثقافي والهوياتي "الأخرق" حول من هي الهوية الصحيحة و من هي الديانة الصحيحة؟؟ 
حياتنا المعاصرة "مياه بلون الغرق" اي عبارة عن مشهد يتضمن الإختلاف في وجوهره لكن الشحابة تبدا عندما تنفيه هوية واحدة، فتحوله الى بركة تغرق معها باقي الهويات أي الكينونات الأخرى و يضمحل و يشحب هذا الإنسان.
إن المياه كلها بلون الغرق هي "توصيف" لغوي و فلسفي و شعري لفساد الإنسانية اليوم وهروبها الدائم من الإنسانية الفعلية، فهي إنسانية لا تبشر بخير ما دام أنها مرتع للرغبة الشخصية وليس الفردانية، ما دام أنها نظام تاريخي متحقق يعمل فيه الصدرالأعظم لصالح ملذات حسية يتمتع بها القلة القليلة.
إن الإنسانية اليوم " عدم في عدم" لأنها لا تراكم لشيء على الإطلاق، سيوران العدمي المطلق استطاع لوحده أن يتحدث كطفل وسطنا جميعا ليخبرنا برمادية تاريخنا المعاصر وبآنزياحنا الكبير و التام عن الوجود الفعلي للكينونة والشروط الضرورية لاكتمال انسانية الإنسان في التاريخ، إن الواقع اليائس و العدمي الذي ينتقده سيوران هو واقع الٍرأسمالية المتوحشة والصراع الهوياتي والتجويع والتفقير وصراع الشرق مع الغرب والإحتباس الحراري واندثار الغابات وتلوث البحار والمحيطات...
لقد اصبح الإنسان "قـــردا غــبــيــا" يلوث كل شيء و يدمر كل شيء حتى ان دخان مصانعه يدخل اليه من شرفة الغرفة فيستنشقه ويموت اختناقا، هذا هو الجانب اليائس في عالمنا الذي يخبرنا عنه سيوران لكي نواجهه.
ننتهي إلى القول بان فيلسوفنا ليس يائسا أو بائسا في فلسفته ابدا،إنما انتج فلسفة أخلاقية وعدمية مطلقة، بها يعري الواقع المعاصر ويكشف زيف شعاراته، ويصف انحصار أفق الامل فيه.فإذن وهو ينتقد الواقع الذي يعدم الأمل فإنه لا يعلن الحرب على الأمل ابدا، العكس تماما هو الذي يحصل لدى سيوران، إنه ينتقد واقعا يسلب الأمل وبالتالي يحرر"الامل" من هذا الواقع الرخيص الذي قتل الامل وعدم "الحياة العذراء" في نظر سيوران.
إذن،العدمية هي فلسفة تهيئ الإنسان لكي يواجه هذا الواقع البئيس بكل الوسائل الممكنة من اجل حياة ممكنة أكثر رحابة و اكثر ارتباطا بعمق التجربة الإنسانية في الوجدان والإحساس و الحياة المادية التقنية و الجسدية ايضا.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.