آخر الأخبار :

المجتمع و الديمقراطية و الليبرالية التقدمية


ملاحظة قبل البدء : ما هو مكتوب هنا ليس ورقة بحثية علمية تعتمد منهجية ، وليس الهدف منها أن تكون كذلك . إنها رأي إنسان مغربي تابع بدقة شديدة تطور الأحداث الوطنية كما الدولية ، منذ الوعي السياسي الاجتماعي والثقافي الأول ، لنقل منذ أواخر الثمانينات وبداية التسعينات إلى يوم كتابة هذا النص . لهذا لا يجب أخذ هذه الورقة على أنها ورقة بحث وفي نفس الوقت قد تكون شديدة الأهمية بالنسبة لمجتمعنا المغربي المعاصر .                                                                     شكرا جزيلا
--- --- ---
عندما يتكلم الرسميون المغاربة عن المغرب يعتمدون أساسا سياسة "جدران الأدخنة" والذين يعرفون هذه التقنية العسكرية القديمة يدركون أن إطلاق الأدخنة يكون بهدف إعاقة رؤية الطيارين في الحرب ، هذا عندما كانت الطائرات قديمة الطراز ، أما اليوم فالطائرات من التطور بحيث أن شيء مماثل لا يؤثر فيها البتة . 
المصطلح تقريبا انقرض من المجال العسكري ، لكنه باق مجازا في مجالات أخرى على رأسها السياسة . 
لماذا نقول هذا ؟ 
يكفي أن تحدث رسميا عالي المنصب مغربيا ، كي يبدأ عن وعي أو عن غير وعي في ذكر المشاكل التي يتخبط فيها المغرب من وجهة نظره . فالاقتصاد هش ، والدولة فقيرة ، والميزان التجاري فيه عجز ، والعقليات تحتاج عملا ، والمنافسة شديدة ، والاعتماد لا يزال على الفلاحة التي بدورها تعتمد على الأمطار ، والأمطار قد تأتي أو لا تأتي ، ورغم ذلك قمنا بـ ... ، وحققنا ما ... ، ونخطط لـ ... وهلم جرا .     يمكن لمسؤول مغربي ، - أو مسؤول أي دولة متخلفة - أن يستمر في سرد هذه المشاكل الوهمية ، ثلاثة أيام متتالية . يعني أن هؤلاء الأشخاص لديهم زاد يكفيهم لملء وقت أي برنامج تلفزيوني أو إذاعي ، يكفيهم لأي جلسة في ذلك المكان المسمى برلمان ، ويكفيهم لأي حوار صحفي . 
وأي موضوع من هذه المواضيع يمكن أن يتناول تفصيلا من تفاصيله ، ويستمر نقاشا وهميا ، أعواما وأعواما في محاولات وهمية لحله ، مستعينا بخبراء وعارفين وأناس متخصصين في المجال ، منهم الوطني والدولي ، يكلفوننا ميزانيات ضخمة ، وفي أحيان نقترض بالعملات الصعبة لنصرف رواتبهم ما فوق السمينة . 
الواقع أبسط من هذا بكثير ، الواقع يتكلم عن نفسه بنفسه ، الواقع إذا وضعت جانبا الأدخنة التي تعمي الأبصار ، هو حقيقة يمكن أن يفهمها طفل ذي عشر سنوات . 
الحق والحقيقة والواقع ، هو أنه في مغربنا هذا هناك مشكلة واحدة رئيسية فقط ، إنها مشكلة الديمقراطية ، إنها "المسألة الديمقراطية" ، إنها "التحول الديمقراطي" الذي قريبا ربما سنتم قرنا من الزمن ونحن نتحدث عنه. 
إذا حللنا مشكلة الديموقراطية ، نظريا وعمليا باقي المشاكل ستحل من تلقاء نفسها . 
صحيح وحتى نكون موضوعيين ، لا يمكن القول إن الديموقراطية تكون كاملة أو تغيب كاملة . الديموقراطية كما باقي المفاهيم المجردة ، نسبية ونسبية جدا ، وهناك درجات من الديموقراطية ، وما يعتبر ديموقراطية هنا ، ليس بالضرورة ديموقراطية هناك ، وما هو ديموقراطية في الماضي ليس بالضرورة ديموقراطية في الحاضر والمستقبل ، وما يفسر كديموقراطية من طرف البعض ، قد يفسر من طرف البعض الآخر على أنه شيء آخر ليس بديموقراطية . 
إذن الواجب الأخلاقي الأول للمغاربة الديمقراطيين في هذه الفترة ، هو إبطال كل أعمدة الدخان ، ونسيان المشاكل الفرعية ، والاستخفاف بمن يتحدث ممثلا المعرفة والخبرة والعلم ناسيا أو متناسيا مشكلتنا الرئيسية . ناسيا أو متناسيا تحدينا الأول . ناسيا أو متناسيا الهدف الذي يجب أن يكون لدينا كأولوية الأولويات والذي هو الديمقراطية تحقيقها تطبيقها والوصول إليها . 
لماذا الاستهلال بالحديث عن الديموقراطية ، بينما الورقة مخصصة لليبرالية و لليبرالية الاجتماعية بالضبط ، أو ما صار يسمى أكثر بالليبيرالية التقدمية ؟ 
ببساطة لأنه إذا تحدثنا عن الليبرالية ، وعن الليبرالية الاجتماعية أو عن أي شيء أو مفهوم أو فكرة أخرى دون الإشارة إلى المشكل الحقيقي ، لن يكون ما هو مكتوب هنا صادقا وبالتالي سيكون نصا آخر والسلام ، ينضاف إلى مئات أو ألاف أو ملايين النصوص التي تكتب يوميا . 
الليبرالية ، أو الليبرالية الاجتماعية و الاشتراكية الحقة ، باعتبارهما النظامين الإنسانيين الوحيدين اللذين يحترمان الإنسان ، لا يمكن أن تنجح تنمو وتزدهر دون حل المشكل الأساسي الذي هو الديمقراطية كأسلوب تسيير جماعات ومجموعات ومجتمعات أثبت نجاعته وفعاليته ومردوديته العالية . 
شخصيا وكفرد لا أؤمن بالليبرالية الاجتماعية ، بل بالليبيرالية وكفى ، لكن شخصيا وكإنسان ليبرالي لا يمكن إلا أن أؤمن بالإنسان بالإنسانية وبسمو هذا الإنسان ، وحيثما رأيت الإنسان مظلوما ، محتقرا ، مهضومة حقوقه أنحاز لذلك الإنسان وأعتبر ذلك الانحياز أسمى من أفكاري السياسية والاقتصادية والثقافية . إذ لا يهمني كثيرا أن أغير من مفهوم إلى مفهوم ، إذا ارتأيت أن المفهوم الجديد يخدم أكثر الإنسان ، سعادة الإنسان ، وازدهار الإنسان . 
بالنسبة لي الأمور واضحة ، كل المفاهيم يجب أن تكون في خدمة الإنسان ، ليس لأنه إنسان ، بل لأنه إذا استطعنا خلق إنسان راق متحضر سام ، فإن باقي الوجود سيكون هو أيضا بحال جيد . ازدهار الحياة فوق هذا الكوكب مرتبط بسمو هذا الإنسان ثقافيا أخلاقيا وإبداعيا . 
ففي هذا الوجود عنصر إن صح ، صح الوجود كله ، وإن فسد فسد الوجود كله ، طبعا هذا العنصر هو الإنسان ولا يمكن أن يكون إلا الإنسان . 
كيف يمكننا أن نخدم الإنسان ، بأعلى درجات الخدمة ، وبأقل تكلفة ممكنة . 
بلا شك في العالم حاليا ، يوجد نظريا نظامان اثنان يمكن أن يتم اعتبارهما ، نظامين إنسانيين نسبيين عقليين منطقيين لهما قابلية تطبيق نظري على الأقل . 
هناك الاشتراكية وهناك الليبيرالية . 
طبعا لا يمكن اعتبار الشيوعية نظاما نسبيا ، فهو على حد علمي المتواضع ، قطعي الطرح ، ولا أريد الدخول هنا في تبيان أسباب اعتباري لها كذلك ، لكن وحتى إذا اعتبرنا أنها نظريا غير قطعية الطرح ، فإن تطبيقاتها كلها كانت قطعية الطرح ، وحتى إذا في البداية حاولت الحفاظ على سمة الديموقراطية ، فإن الطروحات الشيوعية كلها تحولت إلى ديكتاتوريات خلال أعوام قليلة إن لم نقل أشهر . طبعا المبررات دائما موجودة وجاهزة ومعلبة ، لإقناع المساكين أن ذلك بسبب وجود عدو خارجي أو داخلي أو كلاهما .
الاشتراكية التي هي ابنة شرعية للشيوعية ، ربما هي مقبولة نظريا لأنها ليست سوى شيوعية ليبرالية .  
أما الرؤية الأصولية الإسلامية سواء السنية منها أو الشيعية ، فلا تستحق حتى عناء المناقشة في نظري . وليس هي وحدها فقط ، بل أي نظام تسيير جماعات يستند إلى رسائل ميتافيزيقية ، من أجل إقرار نظم وقوانين ومساطر لتنظيم حياة الإنسان . ببساطة هذه النماذج كانت لها فائدتها كنظم تسيير مجتمعات في زمن سحيق مضى ، الحالي هو أن دور هذه الأمور لا يمكن أن يتجاوز بأي حال من الأحوال ، طموح الفرد للإحساس بالطمأنينة والسلم والثقة ، بمعنى أنها في أفضل الأحوال في الوقت الراهن صالحة لتنظيم علاقة الإنسان بذاته . النماذج التي تعتمد رسائل غيبية وتحاول تقديم نفسها على أنها نماذج لتسيير المجتمعات ، إذا طبقنا عليها معايير الأنظمة الاجتماعية ، فستكون في أفضل الحالات أنظمة اجتماعية بدائية في نظري المتواضع.
ماذا بقي لنا في الساحة الفكرية العالمية ، لم يبق لنا إلا الأنظمة الليبيرالية بتفتحها وتألقها ونجاحها ، وتأقلمها ومرونتها وقوتها ، وجمالها وجاذبيتها واتساعها ، وتنوعها وانتشارها وبريقها ، وفاعليتها ومرد وديتها العالية وثقتها في نفسها . طبعا وبعيوبها ونواقصها وأخطائها ... كل ما هو مذكور آنفا هو مميزات منها الإيجابي ومنها السلبي ، والخصم الموضوعي يجد نفسه مضطرا للاعتراف بالإيجابيات ، والليبرالي الموضوعي يجد نفسه مضطرا للاعتراف بالسلبيات . 
إذن الليبيرالية بعلمانيتها ورأسمالها ومنافستها الحرة ، وتنافسيتها ودعمها المبادرة الفردية والفرد والفردانية ، لكن بعدم تحريمها للجماعة والتجمع والاجتماع والتعاون والتعاونيات . بتفضيلها انسحاب الدولة من الاقتصاد والثقافة والأخلاق ، لكن بعدم تحريمها لبعض التوجيه الاقتصادي أو الثقافي أو الأخلاقي إذا كان ذلك ضروريا لإحداث التوازنات الضرورية لخلق البيئة المناسبة لسعادة ورفاه ومصلحة الإنسان . الليبيرالية بإيمانها الذكي جدا ، أو الغبي جدا بمفهوم "اليد الخفية" والذي يكاد يظهر كما لو أنه إيمان بغيبية ما ، داخل إطار فكري سياسي وثقافي يقدم نفسه على أنه عقلاني بارد وموضوعي إلى أقصى الحدود ، لكن في نفس الوقت بدعمها للشركات ودعمها للأبناك ودعمها للمؤسسات التي تعتبر عصب المال ، إي عصب الحياة الاقتصادية ، وبالتالي عصب راحة الإنسان في النمط المجتمعي الحالي . فالكل مجمع على أن المال عصب الحياة الاقتصادية ، والحياة الاقتصادية عصب من الأعصاب جد المهمة للإنسان رفاهه رقيه وسعادته . 
إذا كانت الليبيرالية تحقق كل هذا ، فما حاجتنا إلى الليبيرالية الاجتماعية ؟ 
سؤال مهم جدا ، فنظريا الليبرالية كمفهوم كافية وزيادة . 
المشكلة أن الليبيرالية لا تطبق في شكلها الصحيح تماما ، هناك أخطاء في التطبيقات ، هناك استغلال لمرونتها ، هناك عبث بالحرية التي هي مميزة من مميزاتها . 
هذه الأخطاء وهذا العبث وهذا الاستغلال غير الأخلاقي ، لنقاط قوتها وضعفها في نفس الوقت ، ينتج لنا في الواقع المعاش مشاكل كثيرة . فقر مذقع ، فوارق طبقية أكثر مما يجب ، تدمير للبيئة ، ... وأشياء أخرى كثيرة . 
الأبناك كما الشركات كما الأفراد ، في خضم الحياة والسوق والسعي لتحقيق الربح -وليس لأنهم أشرار أو أخيار - بل فقط لأنهم إنسان بما له وما عليه ، يستغلون الثغرات والهفوات والمناطق الرمادية من أجل تحقيق ربح أكثر ، رأس مال أضخم ، نفوذ أشد ... 
لحسن حظ الليبيرالية أنها لا تدعي أن الذي اخترعها إله ، وإلا لكانت هذه النواقص كافية لضربها في الصميم . 
ولحسن حظ الليبيرالية أنها لا تدعي أنها مطلقة كاملة تامة ، وإلا لكانت هذه الأخطاء كفيلة بإنهائها وانتهائها ونفور الناس منها . 
فبما أنها تقول أنها نتاج بشري ، نتاج تجارب ، نتاج تراكم تاريخي ، فإن وجود أخطاء شيء عادي جدا . وبما أنها تؤمن بالنسبية فإن وجود نسبة من المجتمع لا تتحقق فيه الأهداف النبيلة للبيرالية ، يعتبر أمرا عاديا متوقعا ونسبيا مقدورا عليه . ما دام أقلية ، ما دام استثناء ، وما دام الشاذ الذي لا حكم عليه . 
إذن نرى هنا كيف أن عناصر القوة هي نفسها عناصر ضعف ، وكيف أن ما قد يبدو عناصر ضعف ، نعم تعطينا مشاكل ، لكن تعطينا أيضا تأكيد المصداقية الذي يسمح بالاستمرارية والتجديد والإبداع . 
في رأيي الخاص جدا والمتواضع جدا ، إذا كانت هناك ديمقراطية كاملة ، تكفي الليبرالية لتحقيق سعادة الإنسان الكاملة . لكن كلما كانت هناك ديموقراطية أقل ، كلما كانت أخطاء أكثر ، كلما كانت هناك سلبيات أكثر ، كلما اضطررت للتدخل لتطعيم تلك الليبيرالية بكل ما هو اجتماعي وتساعدي وتضامني . 
ما الحالة الراهنة في المغرب ؟ وهل الليبرالية التقدمية ضرورة حاليا ؟ 
في المغرب في هذه المرحلة ، طبعا يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو كيفية الوصول إلى الديموقراطية ، وثاني أهم سؤال هو ، ما موقع العمل من أجل إرساء ليبيرالية تقدمية من الوضع العام المُطالب بالديمقراطية ؟ 
بمعنى آخر ... 
نحن عندما نبذل الجهد من أجل ، نشر الفكر الليبيرالي في صيغته التقدمية ، هل نحن نخدم الأجندة الديموقراطية ، أم نكون بصدد خدمة الأجندة المعادية للديموقراطية ؟ 
الجواب لا يمكن إلا أن يكون الثاني ، فطبعا الليبرالية الحقة ، - وفي الحالة المغربية نحتاج الليبرالية الاجتماعية الحقة - ، تخدم الأجندة الديمقراطية خدمة من الطراز الرفيع ، شرط أن تكون أولا مع الأناس المناسبين ، بالطريقة المناسبة ، و في المستوى المناسب . 
مع الأناس المناسبين بمعنى مع أناس ديمقراطيين فعليين ، ليبراليين مقتنعين ، ومغاربة أقحاح ومواطني العالم في نفس الوقت ... ليس ضروريا أن يكونوا من المطالبين بإرساء الديموقراطية في المجتمع ، بل يكفي أن يكونوا من الممارسين لها على المستوى الشخصي ... هذا كاف جدا لأن الاشتغال سيكون في المجال الثقافي ، من أجل إحداث ديناميكية إيجابية ونقاش مجتمعي حول مفهوم الليبرالية عموما ، والليبرالية التقدمية خصوصا ، وعلاقة هذين المفهومين بالمجتمع المغربي . 
أما بالنسبة للسؤال الثاني ، فهذا المفهوم الأخلاقي الثقافي السياسي الاجتماعي الفلسفي الإبداعي ، هو المفهوم الفكري الوحيد في نظرنا الذي يمكنه الاستجابة لحاجيات وآمال وتطلعات المغاربة في المرحلة الحالية . 
لقد عانى الشعب المغربي من سياسات خاطئة أدت إلى تراكم ظواهر غير مشرفة ، هذه الظواهر استغلها التيار الأصولي القطعي الإقصائي من أجل إرساء أسسه الوجودية على أساس كاذب هو أنه الحل المجتمعي ، لكل موبقات السياسات الخاطئة الغبية و الفاشلة التي نهجتها ثلة من المصلحيين والبيروقراطيين والمافيوزيين . 
التيار الأصولي يعترف ، أنه استغل الأوضاع البئيسة لفئات عريضة ، من أجل البروز كقوة مستبدة أخرى ، ليس من أجل الصالح العام ، بل من أجل مصلحته الذاتية والشخصية ومن أجل منافع ضيقة . 
أي محلل للأوضاع المجتمعية المغربية ، سيخرج بخلاصة مفادها أن المجتمع المغربي مختل اختلالا شديدا ، وأن هذا الاختلال يسبب يأس الطبقات الفقيرة ، تيه الطبقات المتوسطة الشبه منعدمة ، كما يسبب نوعا من ضيق الأفق للفئات الميسورة . 
ليس هناك من فئة اجتماعية في المغرب منسجمة مع ذاتها . الفقير غارق في الفقر ، والمنتمي للطبقة المتوسطة يرى أن احتمال تفقيره أعلى من احتمال تحسين مستواه ، ورجال الأعمال والأغنياء والأذكياء ماليا يخجلون لأنهم من ناحية يرون من يتقاسمون معهم نفس الجنسية في بؤس كبير ، ومن ناحية أخرى يرون الاحتكار والتسيب وعدم احترام قوانين المنافسة التي كانت لتخدم مصالحهم ومصالح باقي الفئات بشدة في حال تطبيقها كما يجب . 
اليوم المغرب محتاج لتمييز إيجابي لصالح الفئات المتوسطة والفقيرة ، ومحتاج شفافية وتطبيق قانون وعدالة لصالح الفئات التي عملها هو خلق الرواج التجاري والنمو الاقتصادي والطفرات المجتمعية . 
من ناحية أخرى ، المغرب محتاج لما يصاحب هذه النقلات من قيم فكرية متعلقة بالمساواة والقيم التقدمية والفكر الحر . إذ أن عقودا من التركيز على نهب الثروات ترك في العقول والنفوس والأذهان بالضرورة هفوات . يكفي أن تصل المعلومات بحرية للناس كي يدركوا مدى الخداع والتضليل والتلاعب الذي تعرضوا له ، سواء من الذين كانوا يتكلفون بصياغة السياسات العامة ، أو بالنسبة للذين كانوا يروجون لخطاب مغلف بقشرة من الفضيلة والزهد والورع . بالمناسبة نسبة كبيرة من هذا الفضح الصحي حدثت بالفعل بفضل الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والاحتجاجات السياسية والاجتماعية والثقافية .  
من ناحية ثالثة ، اندماج المغرب إقليميا ودوليا ، يمر فقط عبر نجاح الليبيرالية التقدمية في مهمتها التنويرية المجتمعية ، وفي مهمتها التطويرية الاقتصادية . 
إن الليبيراليين التقدميين ، بما لهم من خبرات مجتمعية ، وتراكمات ثقافية ، وبما لهم من قدرة على الحصول واستعمال المعلومة ، لَهُم المؤهلون الوحيدون في الوقت الراهن ، لتحليل وفهم وإيجاد الحلول المناسبة لمغرب اليوم . لا توجد فئة في المغرب لديها ما لدى الليبراليين من بنية سواء نظرية أو لوجيستيكية . فاليسار الجذري منعزل عن المجتمع وأقلية . الاشتراكيون فوتوا فرصتهم التاريخية منذ عقد ونصف من الزمن ببشاعة منقطعة النظير مع تجربة "عبد الرحمن اليوسفي" والأصوليون يرون مشروعهم العنصري الخرافي المتخلف ينهار في كل مكان ، تارة ينهار بالطرق الديمقراطية كما حدث في تونس ، وتارة ينهار بالطرق الديكتاتورية كما سوريا والسعودية ومصر ، و مع إدانتنا للديكتاتوريات كيفما كانت ، إلا أننا نشدد على أن هذا شيء عادي جدا ، لأن حركة التاريخ تتقدم ولا يمكن أن تتراجع إلى الوراء .  
إن التمييز الإيجابي لصالح الفئات التي عانت وتعاني اليوم ، إنما هو تمييز محدود في الزمن ، وبمجرد تصحيح الاختلالات العميقة التي تراكمت خلال نصف قرن أو أكثر ، لن تعود هناك حاجة لليبيرالية في صيغتها التقدمية في نظري المتواضع جدا ، ويمكن عندها العودة إلى الليبيرالية الكلاسيكية ، أو إلى الصيغة التي قد تفرض نفسها لمواجهة الواقع المستقبلي بعد عشر سنين أو عشرين سنة . 
إن دعوتنا اليوم جميع المغاربة المثقفين الواعيين الراقيين فكريا ، للانضمام لهذا المشروع ، ليست سوى محاولة للانخراط في عملية الانتقال من مغرب قديم إلى مغرب جديد حان وقتها . 
إن دعوتنا اليوم ، لجميع الفئات ، الانخراط والمشاركة والتعبئة ليست سوى دعوة لاستعادة الروح المغربية ، الحرة الحقيقية والصريحة والمنطلقة والمقدامة والمستقلة والمنفتحة والمبدعة والشريفة والمتسامحة والمرحة والمعطاء والجميلة . 
إن دعوتنا اليوم ، للانتظام والاستعداد والتهيؤ ، ليس سوى محاولة بعث أمل حقيقي ، في نفوس المغاربة . 
المغرب الذي كان دائما يجد طريقه للخروج من الأزمات ... 
المغرب الذي كان دائما يسير قدما لبناء اللبنات الأخرى من الحضارة المغربية ... 
المغرب الذي كان دائما حاضرا ، حاضرا في المنتظم الدولي بمساهماته، اقتراحاته ونماذجه العملية التي تفاجئ البعض ، وتفرح البعض الآخر لأنها يمكن أن تكون ذلك النموذج والمثل والمبتغى ، الذي يمكن السعي لتحقيقه من أجل تحقق السعادة والرفاه والعيش الكفيل بصون الحق والعدل والمساواة لكل الشعوب الطامحة للتحرر والرقي والتطور والاندماج مع باقي المجتمعات والإقبال على المستقبل بروح من التفاؤل والإيجابية والأمل العقلاني الموضوعي النبيل . 
مدينة الدار البيضاء ، بتاريخ 28 نونبر 2017 . 




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.