آخر الأخبار :

تامسنا..مدينة الأشباح والنوم الثقيل


بنيت قبل عشر سنوات لتخفيف الضغط عن العاصمة المغربية، المدينة مهجورة وعدد قليل من سكانها يشعرون بأنهم محاصرون داخلها.
ظل الصمت هو سيد الموقف وسط مدينة تامسنا التي تبعد عن صخب الرباط بعشرين كيلومترا.. ليس هناك صوت، ولا حتى رعشة. الطرق الجديدة مهجورة. أين دهب السكان؟ تحت شمس الخريف الحارقة، تنام المدينة بأكملها. نوم عميق، مقلق، لا ينتهي. يكفي أن تمشي على الشارع الطويل الذي يعبر حواجز العمارات التي نبتت كالفطر من الأرض لتكتشف امتداده المأسوف عليه. المباني رتبت مثل صناديق عود الثقاب، ولا شيء يليها غير الفراغ. ثمة مساحات فارغة لايحدها سوى الأفق.
تامسنا، التي أنشئت في عام 2007 عند أبواب الرباط لامتصاص الضغط على العاصمة المغربية، هي مدينة ميتة. على الورق الصقيل للإعلانات التجارية، تجسد مع ذلك حلم مدينة جديدة، مصممة لتوفير بيئة نطيفة لمئتي وخمسين ألف نسمة. أمام ارتفاع أثمنة العقارات في الدار البيضاء والرباط، غذى أفقر الناس الحلم بترك منازلهم في أحياء الصفيح سعيا إلى حياة أكثر كرامة. صدقت الطبقة الوسطى شعار الإعلان: راحة بمواصفات حديثة على مرمى حجر من العاصمة.
بعد عشر سنوات، طلت المدينة الجديدة وفية لظلها.. يقيم فيها أقل من أربعين ألف شخص، منزوين في مساكن بدون روح، بنوافذ مغلقة دوما. لا وجود لفضاءات عامة، لا أثر لتجهيزات تضمن الحد الأدنى من راحة السكان، هناك فقط أراض شاغرة اكتسحتها الأعشاب البرية. لا مقاولات، لا مستشفى، هناك فقط محلات تجارية قليلة العدد. تامسنا عنبر نوم جماعي بلا حياة.
- "جزيرة بدون قارب"
بالنسبة لسكانها، هناك ما هو أسوأ من ذلك بكثير. "محنتنا هي النقل. قاموا ببناء مدينة مهجع بدون منفذ. كل شيء آخر يحدث في الخارج "، يقول أحمد، 56، ميكانيكي يسافر يوميا جيئة وذهابا بين تامسنا والرباط. ثم يضيف قائلا: "بالنسبة لأولئك الذين ليس لديهم سيارة، تامسنا عبارة عن سجن، أو قل: جزيرة بدون قارب. الهياكل القديمة التي تسعمل كحافلات لا تعمل إلا لماما. عليك أن تنتظر ساعات طويلة قبل أن تتمكن من الصعود إلى حافلة مزدحمة وخطيرة، والتي تجبرها أحيانا الأعطاب على الوقوف في منتصف الطريق السريع. وإذا أحس أحد أطفالي بوعكة صحية في كبد الليل، فكيف يمكن لي نقله إلى المستشفى في الرباط؟ "
لقد مضت ستة أعوام على مغادرة أحمد لحيه الصفيحي في الدار البيضاء. ها هو رب أسرة يمتلك الآن سكنا اقتصاديا بقيمة 140،000 درهم. غير أنه ما لبث أن شعر بالانكسار..الدليل على ذلك قوله: "أصبح حلمي واقعا ، ثم ما لبث أن تحول إلى كابوس. غادرت حي الصفيح نحو حياة شبح."
على غرار أحمد، تمكن عشرات الآلاف من المغاربة من الحصول على شقق سكنية في إطار برنامج "مدن بلا صفيح"، ويسمى أيضا "برنامج إعادة الإسكان". وعلى مدى أكثر من عشر سنوات، بدأ المغرب خطة تنمية حضرية واسعة، تنص على إنشاء نحو 15 مدينة جديدة، من أجل الاستجابة للنمو السكاني والقضاء على مدن الصفيح.
"هذا البرنامج ل" إعادة الإسكان "، كما دأبوا على تسميته، هو بمثابة بدعة"، يدين مهندس معماري من الدار البيضاء حبذ عدم الكشف عن هويته. إلى ذلك أضاف: " السلطات العمومية لا تخفي حقيقة أنها قد أنشأت مخيمات حقيقية يتعايش فيها الفقراء جنبا إلى جنب، بعيدا عن المدن الكبرى والناتج المحلي الإجمالي الذي توفره. في المغرب، السعي حثيث لخلق حزام غني ضخم وحزام فقير ضخم. لا توجد قنوات للاتصال بين الحزامين. الوضع قابل بالضرورة لأن ينفجر!"
- "التطويح بالفقراء بعيدا عن المدن الكبرى"
وفي المغرب، تبنى على نطاق واسع المدن التي تنبعث من الأرض ، دون خدمات أو تنوع في الوظائف. وتستمر المدن الكبرى في النمو. على الطريق السريع الذي يربط الدار البيضاء بالرباط، تشوه القضبان الخرسانية المشهد. لفرط ما تعرض الفضاء للقضم ، توشك المدينتان على أن تشكلا مدينة واحدة. على مدار العام، تدور الرافعات الصفراء الكبيرة لتوليد مشاريع عقارية خالية من المنطق الحضري. يجد السكان أنفسهم في شقق في كثير من الأحيان سيئة البناء، على جانب الطريق، معزولة عن بقية العالم.
- بالمزواة والبركار
أين هي المدن المشعة التي وعدت بها الدولة؟ المساكن الواسعة والمشمسة، المساحات الخضراء، شبكات النقل، المدينة الجامعة بين أماكن العمل وفضاءات الترفيه؟ في تامسنا، يعيش السكان مع أنفسهم، متناثرين، بعيدين عن كل شيء. ومع ذلك، لا تزال المباني مستمرة في النمو، تاركة الانطباع بعدم الاكتمال. ومع ذلك، يقال إن المدينة صممت بالمزواة والبركار. ويستنكر بعض المهندسين المعماريين المضاربات العقارية في المغرب، حيث لا تزال خيارات السياسة الحضرية مرتبطة ارتباطا وثيقا بسعر الأرض.
من أجل بعث الحياة في المدينة، تخيل سكان تامسنا السوق الخاص بهم. وفي زاوية صغيرة خلف أحد المساجد، اكتسح سوق عشوائي الرصيف. يتم وضع البضائع على الأرض أو في الصناديق المفتوحة للشاحنات. لأول مرة، نعاين الاضطرابات التقليدية في المناطق الحضرية المغربية الشعبية. في باقي أرجاء المدينة، تكونت بشكل غير قانوني محلات تجارية لتلبية احتياجات الساكنة. حلاقون وخياطون وخبازون يعرضون خدماتهم وسلعهم في أسفل العمارات، في حين عوضت شاحنات صغيرة وسائل النقل العمومي .




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.