آخر الأخبار :

الاسلام و جدلية السلطة و الحكم


هذا حديث عن الفكر والسياسة والتاريخ، وليس عن الدين والإيمان والعقيدة، وحديث عن المسلمين وليس عن الإسلام. أستبق قولي هذا قبل أن  يفغر القارئ فاكه مندهشا ويرفع يده معترضا، وحسبه أني أتهكم على دينه. لكني أبادر فأطمئنك بأن مقالي يأتي من عباءة التاريخ الإسلامي. 
إن مقاربتنا لهذا الموضوع تتأسس على كون الإسلام هو دين وليس دولة، هو مصحف وليس سيف، ومجاله هو المجال الخاص وليس المجال العام. والشواهد على ذلك كثيرة في التاريخ. بدءا بكون أن دولة الخلافة الإسلامية التي يدعي الإسلاميون بأنها دليلهم  فيما يزعمون، هي دولة مدنية أكثر منها دينية. فهذا أبو بكر الصديق، لما إمتنع المسلمون عن أداء الزكاة له ولبيت المال، وحجتهم في ذلك الأية الكريمة {{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم}} التوبة : 103. منصرمة إلى الرسول وموجهة إليه، ولا يجوز أن تنصرف لغيره، حتى لو كان هذا الغير أبو بكر الصديق. إلى أن هذا الأخير محتاج لأموال الزكاة كي يقيم دولة ثابتة الأركان، متينة البنيان، تفتح البلدان، فوقع إقتتال أفضى بإجبار المسلمون على أداء الزكاة لبيت المال . وفعلة أبوبكر الصديق في هذه الحالة تخالف القرآن والميزان وأصول الذكر، لأن المسلم لا يقتل إلا لثلاث: من زنى بعد إحصان، ومن إرتد بعد إيمان، أو قصاص لقتل النفس بغير حق. إلا أن ذلك في مجال السياسة هو صائب، لأنه بدون أموال وضرائب لا يمكن أن تقيم دولة ( أنظر : فرج فودة، الحقيقة الغائبة، ص: 40) .
ويمكن كذلك أن نرصد تمضهرات و تجليات للعلمانية أو فصل الدين عن السياسة في سيرة خليفة المسلمين الثالث وهو عثمان ابن عفان ابن العاص ابن أمية، وذلك في قضية " عبيد الله ابن عمر ابن الخطاب " وتتلخص هذه القضية في أن عبيد الله إبن عمر إبن الخطاب قد قتل الهرمزان (وهو من الفرس) و جفينة ( وهو من النصارى) وإبنت لؤلؤة المجوسي بدون بينة أو وجه حق، فعرضت قضيته على الخليفة عثمان، فكان رأي أهل البصيرة والفقه  هو القود ( القتل)  أما رأي عامة المسلمين ممن أخذتهم رأفة وعطف على  " عبيد الله ابن عمر ابن الخطاب" فقد قالوا " أيقتل عمر إبن الخطاب بالأمس، ويقتل إبنه عبيد الله باليوم، ألا يكفي آل عمر قتل عمر، أيفجعون فيه ثم في ولده قبل أن تجف دموعهم عليه"  فوضع هذا الخليفة عثمان بين سندان الدين ومطرقة السياسة، فإذا طبق الدين سيوجه غضب شعبي قد يزحف به من كرسي الحكم، وإذا لم يطبق الدين سيتهم بأنه قد عطل حدود الله. فطلب من " عمرو إبن العاص" أن يجد له مخرجا لهذه  القضية، فجمع إبن العاص جموع المسلمين، وقال لهم " أقتل الهرمزان وجفينة وإبنت لؤلؤة في ولاية عمر ابن الخطاب، فقالوا : لا، لقد قتلوا بعد موته. فقال لهم : أقتلوا في ولاية عثمان ابن عفان ، فقالوا : لا، لقد قتلوا قبل توليته، فقال : إذن يتولاهم الله ...وهكذا قام عثمان إبن عفان بتعطيل حدود الله، لأن قوعد الدين وقواعد السياسة ليسوا دائما صنوان، بل في كثير من أحيان ما يصبحان خطان متوازيان لا يلتقيان. ويخبرنا التاريخ بأن علي بن أبي طالب رفض تعطيل  عثمان لحدود الله، وتوعد عبيد الله ابن عمر بالقتل يوم يتولى الحكم، وما إن تولاه حتى هرب عبيد الله إلى الشام كي يحميه معاوية بن إبي سفيان ( أنظر : طه حسين، الفتنة الكبرى، ج 1، ص: 65 وما بعدها) 
وأخبرك أيها القارئ بأن التاريخ الإسلامي غاص بالوقائع التي تم فيها الفصل بين الدين والسياسة وخصوصا في صدر الخليفة عمر ابن الخطاب وعلي ابن أبي طالب، وكي لا أتيه بكم في متاهات التاريخ، أنتقل للحديث عن كون أن التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية لن يترتب عنه بالضرورة حل فوري لمشاكل الناس .
فهذا أبوبكر الصديق، فرغم أنه يعلم، ونحن نعلم، والجميع يعلم، بأن الله قد جعل أمرنا شورى بيننا، وفي جميع المجالات، سواء تعلق الأمر بالحكم أو السياسة أو ....أو....، إلا أن أبوبكر الصديق لم يصل للحكم من خلال الشورى أو البيعة أو رضى المسلمين، بل بالمكيدة والدسيسة، و بالنصب و التغليط، فبعد أن مات الرسول (ص) إجتمع  الأنصار في سقيفة بني ساعدة وأجتمعت كلمتهم على تنصيب " سعد إبن عبادة" خليفة للمسلمين، ورغم أنه كان مريضا لا تؤتيه حركة النفس التي لا غنى عنها للأنسان كي يعيش، إلا أن المسلمون قد ألحوا عليه، فحملوه من بيته إلى السقيفة وهو لا يملك زمام عزمه ولا يقدر على الكلام، كعربون على كفايته وحسن بلائه. لكن بمجرد أن بلغت أخبار السقيفة إلى أبوبكر الصديق، حتى هرع في الحين، رفقة عمر إبن الخطاب وعبيدة إبن الجراح إلى السقيفة، ووجدوا أن الأنصار قد إستقرت كلمتهم على تنصيب " سعد ابن عبادة" فحاول أبو بكر الصديق أن يشعل الخلاف والشقاق بين قبائل الأنصار، فقال لهم {{ إن هذا الأمر إن تولته قبيلة الأوس نفسته عليهم قبيلة الخزرج، وإن تولته قبيلة الخزرج نفسته عليهم قبيلة الأوس}} فحاول بذلك أن يشعل الخلاف بين قبائل الأنصار كي يستحوذ هو على الحكم، إلا أن الأنصار لم يأبهوا لذلك، فحاول أبوبكر أن يجرب حيلة أخرى، فقام بالتنصيص، أي الإتيان بأحاديث تخدم مصلحته وربط مصدرها بالرسول ، فروى عن الرسول أنه قال {{ الأئمة من قريش}}  أي أن الخليفة يجب أن يكون من قبيلة قريش، وتلاه عمر إبن الخطاب قائلا {{ إن العرب لا تمنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولى أمورهم منهم }} بمعنى أنه على جميع القبائل العربية أن لا تمنع في تولية خليفة  قرشي، لأن النبي بعث  من قريش ولم يبعث في الأنصار. ( أنظر محمود عباس العقاد، عبقرية الصديق، ص: 21 وما بعدها_ ينظر كذلك طه حسين، ج.1،ص: 35 )
وهذا أمر في متنه ومضمونه مخالف للدين الإسلامي الذي لا يمانع أن يحكم المسلمين عبد حبشي أسود حتى لو كان رأسه زبيبة، و لأن الإسلام يصور المسلمين كأنهم أسنان مشط لا فرق بين قرشي وبين خزرجي أو أوسي  إلا بالتقوى والكفاية وحسن البلاء. وقد إنطلت على الأنصار حيلة القرشي أبو بكر الصديق، فقال زعيم قبيلة الأوس وهو البشير إبن سعد : {{ إني كرهت أن أنازع قوما على حق جعله الله لهم}}  ويعني بالقوم هنا قريش، ويعني بالحق هنا  الحكم. وهذا ما جعل العلامة إبن خلدون يقول في مقدمته {{   إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة....ص: 169}} وما إستغله أبو بكر هنا هو النبوة التي كانت من قريش. وهكذا أوضح لك أيها القارئ أنه رغم تطبيق الشريعة الإسلامية، إلا أن ذلك لم يخلص العرب من تعصبهم للإنتماء القبلي، وجعل ذلك كمطية لإستفراد قريش وحدها بالحكم، فكيف تحل لهم مشاكل السكنى والتعمير والصحة والبطالة ...
وما لا يفوتني أن أبينه، وأنا بصدد تأكيد أن تطبيق الشريعة الإسلامية لن يترتب عنه بالضرورة حل فوري لمشاكل الناس، وهو أن نموذج الحكم الإسلامي قد إنتهى بالخلفاء بالتنكيل  و التعذيب والقتل. فهذا عمر إبن الخطاب، ترصده أبو لؤلؤة المجوسي إلى المسجد، فسحب سيفا بتارا من غمده، والسيف ذو رأسين، فقال له {{ يا عمر إن الحكم لله وليس لك}} فنزل عليه بطعنات أردته قتيل ( أنظر طه حسين، نفسه،ص: 65) 
 
وهذا عثمان إبن عفان، يحاصره المسلمون في بيته لزهاء أربعون يوما، ويمنعون عنه الطعام والماء، وتطور الأمر إلى إقتحام بيته وقتله، وبعد ذلك حصب المسلمون جثمانه بالحجارة، وبعد ذلك دخل عليه أحد المسلمون يتفحص جثثه بحثا عن ضلع سليم حتى وجده وقام بكسره، وبعد ذلك يمنع أن يدفن جثمانه إلا في اليوم الثالث بعد أن تعفنت جثثته، ويرفض المسلمون أن تقام عليه الصلاة، وينتهي به الأمر إلى دفنه في مقبرة لليهود إسمها حش كوكب ( أنظر : الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج.3، ص : 439 ) 
 
وهذا علي بن أبي طالب، ترصده أحد المعتزلة، إسمه عبد الرحمان إبن ملجم إلى بيته حتى خرج لصلاة الصبح، فوجه له بسيفه ضربة بلغت مخه، ومن بعده قطع يديه ثم رجليه ثم سمل عينيه بملمول ( قطعة حديدية ساخنة وحارة ) ثم أمره بإخراج لسانه قصد قطعه، فتوسله علي بن أبي طالب أن لا يفعل ذلك، فقال له عبد الرحمان إبن ملجم {{ قطعت يديك ورجليك وسملت عينيك، فلم تجزع، فكيف تجزع من قطع لسانك }} فرد عليه علي بن أبي طالب قائلا {{ إني ما جزعت من ذلك خوفا من الموت، ولكني جزعت أن أكون حيا في الدنيا ساعة لا أذكر الله فيها}}، وبعد ذلك أضرم النار في جسده.  (أنظر : ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج.3، ص39) 
 
وأعتقد  أيها القارئ بأنك قد ترى هذا المقال طويلا، وما أراه إلا قصيرا، مسرفا في القصر. حيت ما يزال  السواد الأعظم من التاريخ الإسلامي مطمورا في الطباقات الجوفية للتاريخ، وقابعا في الطابو الغير المفكر فيه، ويكمن دورنا نحن  في التنقيب عنه، وإزالة الركام من حوله. وعلى أي، أتمنى أن يكون ما قدمت قد شفى غليلكم، وأن أكون على حسن ظنكم.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.