آخر الأخبار :

حسن الحافة : سيدي المسؤول الغير المحترم جداً جداً..


من عادتي أني لا أحضر لتلك الحفلات التي ينتقي فيها الحضور ملابسهم بعناية فائقة قبل مجيئهم؛ ويرشون عطورا رائحتها نفاثة على صدور أنهكها سعال برد شهر يناير القارس؛ وتكثر فيها الابتسامات الباهثة والمغشوشة، وتحضر فيها كاميرات الهواتف أكثر من كاميرا الضمير.. من عادتي؛ أن لا أجلس لكرسي أكثر من دقيقتين أو ثلاث، مستمعا لحديث محاضر يبحث بعينيه الذئبية عن فريسة يكمل بها سهرة السبت، مع كأسين من نبيذ فاخر أهداه له رجل سلطة كي يردد جملة " العام زين" كثيرا.. يرددها أكثر مما يردد أنفاسه المتصاعدة. فأنا شاب كثير الحركة، ويوم أطيل الجلوس في مكان ما لساعة؛ فليس من باب حب المكان أو الشخص الجالس أمامي، بل لأن عجلة الزمن توقفت عندي وقتها وتحولت الأماكن، والوجوه، "لكورميطراج" مسلسل مغربي تافه.. من عادتي أن لا أنتظر وقت أن يفتحوا ممر "البوفيه" للركض نحو عصير الأفوكا، وصحن الحلوى، وعلب الشكولاطة؛ فأنا لست من محبي العصائر، وأفضل عليها شرب الماحيا، والخلود للنوم ثملا بقشور عباد شمس عالقة بين فجوات أسناني المسوسة، حتى أن "السوسة" تجد نفسها غير قادرة على التمييز بين ضرس مكسورة سوداء، وقشرة عباد شمس سوداء أيضاً..
 
سيدي المسؤول الغير المحترم جداً جداً. .
أمس، عاندت عادة التزمت بها لسنوات طويلة، وحضرت لحفلة بقاعة البلدية المكيفة ذات الكراسي الزرقاء الوثيرة والرطبة، حفلة أقامتها جمعية بمناسبة السنة الأمازيغية.. ذهبت رفقة صديقين أخبراني بأن شاعرا تونسيا جميلا سيلقي قصائده، الفواحة بعبق كلمة الاحتجاج، فوق خشبة مزينة بالأعلام الأمازيغية.. ذاك الشاعر لا أعرفه شخصيا؛ فأنا لا أفهم في القصيدة النثرية شيئاً، وعدا أني كنت مجبرا على حفظ قافية أبيات قصائد باردة أيام الدراسة، ما كنت سأضيع وقتي في حفظها وترديدها مغمض العينين لأقيس درجة رسوخها بالذاكرة.. كنت سأمزق الكراسة وحرق فتات أوراقها وفعل شيء آخر مفيد؛ كسرقة شفرة حلاقة والدي وجرح ذقني كي أكبر قبل الأوان؛ ولكي أوهم زميلاتي في الفصل بأني صرت قادراً على التقبيل ببراعة..
لا يهم كل هذا الآن.. لقد فات الأوان..
عرفت أنيس شوشان، وهذا اسم الشاعر، كما عرفه الجميع بعد ثورة الياسمين بتونس.. شاعر يشبه مغني جاز إفريقي طلب اللجوء لأمريكا، سحنة وجهه السوداء، طوله الفارع، جدائل شعره المتدلية للخلف كذيل حصان، لا تعطي الانطباع على أنه شاعر يلقي قصائده عن آمال شعب خرج من بين ضلوع ثورته الخضراء، بل، ولوهلة، وحين لن تكون على معرفة مسبقة به، ستظن بأنه شاب حشاش يحب أغاني بوب مارلي، ويفتل شعره متشبها به.. لكنه شاعر جميل بكلمته الهادفة، كسر نمطية شكل شعراء البلاط؛ ممن يتركون العنان لشواربهم؛ ويعتمرون قبعات روسية، ولا يبتسمون كي يوهموننا بتميزهم عن بقية الناس.. ومن حسنات الثورات أنها ولدت لنا شعراء منا، يئنون لأنيننا، وينقلون صرخاتنا، يبتسمون غير مبالين بأسنانهم التي اسودت بفعل دخان السجائر الرخيصة..
 
سيدي المسؤول الغير المحترم جداً جداً. .
لقد جلست لثلاث عشرة دقيقة مستمعا له.. كان الحضور باهثا، وأغلب الذين حضروا كانوا ينتظرون فقط انتهائه ليلتقطوا معه صورة. لم يتحسسوا عمق قصائده، لم تزعجهم طبول الحرب التي قرعت، ولم ينتشوا بإنسانية قصيدته عن اللون والعرق والدين.. انتظر الجميع نزوله من فوق الخشبة ليقتربوا منه مطالبينه بصورة، وعيونهم تترقب إشارة حارس عملاق يقف أمام طاولات صفت فوقها الحلويات، والعصائر، وصحون أخرى لأكلات لا أعرف اسمها.. ولحظة فتح الباب، وأعطى الحارس إشارته، تسابق الجميع راكضين نحو الطاولات.. حتى أن شخصاً صدمني دون أن يعتذر، وتعالت الأصوات مطالبة بالمزيد من عصير "المانك" الذي يشبه صلصة طماطم. ظننت لوهلة أن الحضور من الصومال، أو من مدينة تعيش أزمة حرب وأزمة غذاء.. تلقفت الأيادي الحلوى، ونسى الجميع صرخة أنيس، كن إنسان..
 
سيدي المسؤول الغير المحترم جداً جداً..
لقد تأخرت لما يزيد عن الساعة والنصف تقريباً، لكن دعني، وقبل أن أعاتبك، أن أبدي لك عن إعجابي بطريقة ركن السائق للسيارة السوداء الفارهة أمام البوابة.. تشبه الطريقة ركن بطل فيلم أمريكي لسيارته أمام باب فندق سيموت كل من فيه بعد ساعة.. لقد تأخرت، ودعني مجدداً بعد إذنك، أسرد عليك واقعة وقعت في مصر بعد الثورة.. حدث ذلك بأسيوط وفعاليات تحتفل بمرور أربع سنوات على الثورة، ودعي المحافظ الجديد لحضورها، ونسى المحافظ الجديد أن الناس في مصر لم يعودوا يقدسون المسؤولين؛ فتأخر معتقدا أن موقعه في السلطة يسمح له بالحضور وقت شاء. لكن، وحين حضر، وكان برنامج الاحتفال يمضي دون الالتفات له، منع من الدخول، وخاطبه شاب من آخر الصف:
- الثورة أكبر من شخص..
لقد شاهدت سيدي المسؤول الغير المحترم جداً جداً، كيف جرى الحضور لاستقبالك عند البوابة رغم تأخيرك المستفز ذاك، مع أن عمر الأمازيغية أكبر بكثير من طول معطفك الصوفي الأسود الثقيل.. تخلى الجميع عن كؤوسهم واستقبلوك عند البوابة، وتصاعد وميض ضوء الكاميرات، والتقط لك الجميع صورة وأنت مبتسم.. سرقت نظرة لوجه أنيس شوشان. كان ممتعظا ومندهش؛ للتو ألقى قصيدة عن الكرامة..
صدقني سيدي المسؤول الغير المحترم جداً جداً. .
نحن من نصنع الطواغيت..
تقبل مروري الثقيل هذا. .




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.