آخر الأخبار :

احتجاجات الريف وسؤال العدالة المجالية


erramimane.jpgتؤكد بعض الدراسات التي اشتغلت على موضوع الحركات الاحتجاجية الحضرية، أن اندلاع هذا النوع من الحركات يتزامن في غالبية الأحيان مع وجود اختلالات داخل المجتمع، وهو ما يعبر عن وجود أزمة بنيوية التي تمهد لانبناء علاقة واضحة بين ظهور الحركات الاحتجاجية وبين توافر وعي جمعي بأن المجتمع يواجه أوضاعا سلبية كبيرة، وهو ما جعل (غياب المرافق الصحية أو البنيات التعليمية أو فرص التشغيل أو ندرة الموارد الطبيعية (الماء، زاكورة) أو غلاء المعيشة لاسيما فيما يرتبط ببعض المواد الاستهلاكية (الكهرباء، طنجة)، أو تحسين أداء المرفق العمومي...) كفيلا بتفجير احتجاجات متفرقة ترابيا ومتسقة مطلبيا. إذ يستظهر التمعن في الحركة الاحتجاجية عموما أنها »تتطلب وجود سياق اجتماعي وسياسي واقتصادي يتسم بدرجة كبيرة من الظلم والتفاوت الذي يخلق الإحساس بعدم الرضا وتوفر الشعور بالتوتر والسخط العام  «.
وبالرغم من كون هذه الحركات لا يمكن أن تفسر بناء على معطيات اقتصادية أو اجتماعية محضة، نظرا لأنها تعرف تداخل عدة عوامل، فإنه من الضروري مع ذلك، التأكيد على أهمية المعطيات التي تهم السياق العام الذي أطر موضوعيا احتجاجات ساكنة الريف.
فمن خلال العديد من التقارير والنتائج الاقتصادية والمخرجات التنموية والملف المطلبي للساكنة، يلاحظ الحضور القوي للعامل الاجتماعي في تفسير الفعل الاحتجاجي الذي يعيشه المجتمع الريفي اليوم ، فمثلا أكدت الاحتجاجات الأخيرة بمنطقة الريف طبيعة العلاقة بين أزمة الشباب العاطل والجمود الاقتصادي، من هذا المنظور، يمكن القول بأن صيرورة الاحتجاج في المغرب لا تزال حبيسة  الجانب المادي وهو ما يؤكد أننا أمام زمن " الطلب الاجتماعي" بامتياز. وبالتالي فالاحتجاجات ستظل قائمة بالمغرب ومستمرة ما دامت السياسات العمومية لم تصغ ولم تستجب لمنظومة القيم المادية المرفوعة من لدن المواطنين والساكنة المحلية، و هو ما يحيل على أننا سنكون أمام سلسلة ممتدة من الاحتجاجات المتعددة مجاليا والموحدة مطلبيا (الحقوق الاجتماعية والاقتصادية) أي أننا سنكون أمام مجالات لتصريف القلق.
مؤشرات الصراعات الجديدة :
- اندحار قنوات التأطير :
إن الاحتجاج، في حد ذاته ، ليست ظاهرة جديدة ، إذ لم يكن ظهورها بمعزل عن حركية المجال المغربي، في مختلف مراحله وتحولاته ، في ارتباط بالسياق الدولي والإقليمي ،وكل ما هناك أنها في السابق كانت تفتقر للإشعاع اللازم الذي يجعلها تحظى باهتمام " الرأي العام" داخليا وخارجيا، احتسابا لعدة عوامل منها ما يرتبط بوسائل الاعلام ، ومنها ما يهم الحقل السياسي.
وبداية لابد من الاقرار بالخطأ في مختلف ضروب التأويل والتفسير الذي خضعت له هذه الأحداث التي عرفها المغرب مؤخرا، لأن وجودها يدل على أن الدولة بمختلف قنواتها الايديولوجية والوسائطية غير قادرة على تأطير المجتمع والإجابة عن أسئلته الأساسية ، ولذلك تأتي في شكل تعبير عنيف عن تعاظم الخيبة وفقدان الأمل والمتمثلة أساسا في التفكك الناجم عن انسداد آفاق المستقبل أمام شرائح عريضة من أفراد المجتمع وبخاصة الشباب ( بالمعنى البيولوجي - والمعنى الوظيفي) . نتأدى من معطيات هذا التحليل إلى تسجيل عناصر محددة في موضوع احتجاجات الريف : أولها أن هذه الفئة المتذمرة التي يخرج من جوفها الاحتجاج لا توجد كمعطى أساسي في حسابات المسؤولين الرسميين عن تدبير الشأن العام أو صناع القرار التي يتبنى خطابها طروحات بديلة للسياسات المتبعة، فضلا على أنها تعيش نوعا من الاغتراب الدائم النابع من الشعور بالعجز وفقدان الإحساس بالوجود المنتج.
وبما أن أساس المشروعية يرتهن بمنسوب القدرة على حل المشاكل المادية كالشغل ، توفير البنيات التعليمية ، توفير التطبيب كما هو الحال في حالة الريف ، فإن خيبة الأمل تكبر عندما يتبين أن الدولة بمختلف أجهزتها الإيديولوجية والاقتصادية وآليات الوساطة المرتبطة بها، لا تؤدي دورها لتحريك عجلة التنمية المحلية، وهذا ما دفع بالمحتجين إلى التكتل في حركة احتجاجية تدعم حقهم الذي عجزت مختلف المؤسسات الرسمية عن الدفاع عنه. فالاحتجاج في وجه من أوجهه عنوان لفشل الدولة والأجهزة المرتبطة بها في تدبير ملفاتها. 
إن هذا التجافي وغياب بنيات التفاوض بين الدولة والمجتمع، هي التي تحدث عنها الباحث عزيز خمليش فيما يخص حركتي مارس 1965 ويونيو 1981، وعبر عنها " بالفراغات السياسية" التي ساهمت الاحتجاجات في تعريتها وإثارة حول دينامية عدد من البدائل التأطيرية والتنظيمية لها كالحركة الماركسية اللينينية المغربية التي تبلورت بعد أحداث 1965، والحركة الإسلامية التي أخذت في الظهور إبان وبعد اضطرابات يناير 1984 من جهة، أو تعزيز حركة الاحتجاج من خلال خلق آليات جديدة للفعل داخل المجتمع، تماما كما هو الحال بالنسبة لميلاد الجمعية الوطنية للمعطلين حاملي الشهادات، بعد أحداث 1990. والمثال الأكثر تعبيرا عن هذه الفراغات هو الطريقة التي تجابه بها  الاحتجاجات عموما ، إذ لازالت الدولة، رغم التمكين لنزر قليل من التهوية الحاصلة في مجال الحريات وحقوق الإنسان التي يقدمها الخطاب السياسي العالمي، تظهر في تجليات متضاربة: فهي ضعيفة في الجانب الخدماتي، ومحدودة العطاء في ميادين الصحة، التعليم، التشغيل، الخ ...، ولكنها أكثر سخاء في استعمال العنف الذي ترمي من ورائه لنزع شوكة المد الاحتجاجي ضد الضغوطات الاجتماعية، الشيء الذي لا ينفي فرضية عبد الرحمان رشيق  في استمرارية التعايش بين  البنى السياسية التقليدية جنبا إلى جنب مع البنى السياسية الحديثة، تم التعايش بينهما دون أن تهدده لحظات الصدام  الذي جرى في أكثر من مناسبة. ويترتب عن ذلك، توجه سياسي يجمع بين منطق حديث تفرضه - موضوعيا على سبيل المثال- الثورة المعلوماتية، حركة التمدن الواسعة، تعاظم قاعدة المتعلمين في المجتمع، فضلا عن اندماج الاقتصاد الوطني في النظام الاقتصادي العالمي...، وبين منطق تقليدي تتماهى فيه القيادة والإمامة ، ولابد لهذا البناء التأسيسي للنظام السياسي في المغرب من مؤسسات خاصة به وقيم سياسية تلائم منطقه يعمل عبرها على تأكيد حضوره ويعيد إنتاج نفسه من خلالها، ممارسا بذلك ممانعة حيوية لعزل فضاء السياسة والسلطة من ممكنات تبني الحداثة، ومواصلة حشد سبل التأقلم مع متغيرات الداخل وتحولات المشهد العالمي، وهكذا تكر سبحة الازدواجية. الأمر الذي لا يمنع من أن يظل المشهد المغربي فضاء لحصول ممكنات متناقضة، وهو ما يفسر حضور الدولة الناعمة والدولة القمعية في ذات الحقل، و يسمح بالقول بأزمة مشروعية الدولة. 
وما يزيد من تعميق الهوة، هو غياب دولة اجتماعية état social تمس سياساتها وبرامجها مصالح المواطنين بشكل جماعي، وتعبر عن نبض المجتمع، وتتوفر على مشاريع واضحة، هدفها توجيه الحركية الاجتماعية وتوسيع نطاقها .إذ لا يمكن فهم تذمر الفئات المتوسطة والفقيرة من "برامج التنمية" إلا من خلال ربطها بتراجع ايديولوجية دولة الرعاية الاجتماعية، وفي اتصال بهذا السياق تشير الباحثة الفرنسية سيلفيا شيفولو في كتابها "المجتمعات العربية في حركة : ثلاث سنوات من التغيير " أن أغلب المجتمعات  العربية - المغاربية قد شهدت فك التزامات الدولة والدعم المتزايد للقطاع الخاص، وهو ما أدى الى تآكل الأنظمة العمومية الموجودة بشكل كبير ضمن سياق محلي يتسم بتزايد عدم المساواة وتسارع وتيرة التحولات، حيث يمكن لفئات قليلة من المجتمع الاتجاه إلى قطاع خاص بصدد التوسع، بينما تظل الفئات الهشة تابعة لقطاع عام في وضعية سيئة، وخاصة في الميدانين الاجتماعي والاقتصادي ،مما يوحي ببروز مجتمع يسير بسرعتين.  ما يحيل على أننا أصبحنا نعيش" تهاوي دور الدولة ومؤسساتها" وهو ما يعبر عنه ايمانويل كاستل "بالمعطوبية الاجتماعية"، وفي هذا الصدد يعتبر دانيلو مارتوشيلي  أن الوهن المتوقع للمؤسسة كما تعبر عنه كلمة تحلل المؤسسة يعني أن كل ما كان بالأمس يعهد للتكفل الجماعي أصبح متروكا للفرد نفسه، هذا الأخير الذي عليه أن يتحمل مصيره الخاص لوحده  بهذا المعنى يعاد اليوم في المجتمع المغربي رسم  المسألة الاجتماعية المبنية على صراعات جديدة تتأسس أساسا على القدرة على تحقيق الاندماج والخوف من الاقصاء .الشيء الذي يعمل حسب ألان تورين على بلورة فكرة الصراع ضد الخصم كدافع أساسي في تنظيم المحتجين لأنفسهم في حركات.والبحث عن التغيير من مداخل الاحتجاج إنهم بشكل لاشعوري، في حاجة إلى تأكيد وجودهم وإثارة الانتباه إليهم، ومن هذا المنطلق  الاحتجاج بحسبانهم ، آلية تعبيرية للقول: " نحن هنا " مادام هذا الأخير هو ملجؤهم الوحيد للتذكير بضرورة التعامل مع كل أفراد المجتمع، وتلبية حاجيات جميع أعضائه  .
- أمام قيادات عفوية:
 مع احتجاجات الريف يبدو أن تراتبية المركز والهامش تبددت ، فلم يعد الهامش ذلك المتغير التابع لرهانات الضبط والاحتواء التي يعنى بها المركز كفاعل مسيطر،حيث رأينا كيف تحرك المركز في تمثيلية الحكومة – الرباط،  في اتجاه الهامش  الحسيمة، الساكنة المحلية بهدف خلق سبل توافقية في أفق تحقيق الملف المطلبي وهو ما لم يتحقق لعدة أسباب نذكر منها حصرا سببا رئيسيا وهو: استقلالية الفاعلين عن اليات التعبئة و التأطير: بمعنى أن المحتجين غير مؤطرين بهياكل مدنية أو سياسية منظمة، بل ان ما يجمع بينهم هو انتماء تاريخي قبلي هوياتي، وهو ما أنتج قيادات ميدانية عفوية خارج عن الاطارات المؤسساتية سواء التمثيلية أو التشاركية يصعب على المركز التحاور معها، الشيء الذي أسس عوض أرضية توافقية لتفاعل فوقي أسس هو الآخر لمقاربة أمنية أسفرت عن اعتقال النشطاء
( الفاعلين). 
تساءل الكثيرون عن الاجماع حول قادة الحراك ، والفعلي ان الاجماع لم يكن على هذه الاخيرة بقدر ما كان اجماع حول الحاجات الاجتماعية ، والاحساس بالظلم الاجتماعي ، ويعبر هذا الاخير عن تضخم منسوب "الحرمان النسبي" ويقصد به في هذا المستوى ثلاث مظاهر مترابطة أولها الشعور بالظلم و اللاعدالة، وثانيها أن الحرمان ليس انعكاسا بسيطا لظروف العيش الموضوعية ولكنه بناء رمزي سلبي لهذه الظروف يقوم على المقارنات الاجتماعية، وثالثها أنه يعمل على إذكاء استعدادات الأفراد والمجموعات الاجتماعية للاحتجاج والتمرد. ويقول رايمون بودون في هذا الصدد، بأن تمرد الأفراد لا علاقة له بأوضاعهم السوسيو اقتصادية الموضوعية، بقدر ما له علاقة مع الوضع السوسيو اقتصادي الذاتي، أي شعور الأفراد بالحرمان تجاه أمور يزعمون أن لهم الحق فيها، وبالتالي المحرك الاساسي لاحتجاجات الريف هو الاحساس العميق بالتهميش ، ويُفهم تاريخ  التهميش بمنطقة الريف في سياق خصوصية علاقته مع السلطة، والذي يبينه التاريخ السياسي للمنطقة، والذي لم  تستطع اجراءات عهد المصالحة أن تمحوه من الذاكرة الريفية ويعود تاريخ ذلك  إلى حرب الريف والفترة القصيرة لتشكل جمهورية الريف(1921- 1926) ، علاوة على  أن مشاريع التنمية بالريف ليست بمستوى  انتظارات الساكنة. 
فصحيح أن الريفيون اليوم  يعبرون بشكل سلمي  عن رغبتهم في تحقيق مطالب مادية ملموسة. إلا انهم في جزء كبير  يطمحون إلى رفع التهميش عن المنطقة، وهذا واضح في تشبثهم بحضور تاريخ المنطقة ورموزها على مستوى الخطاب والممارسة . 
العصرنة الممركزة ورهانات الجهوية :
ورث المغرب المستقل اقتصادا مفككا، وغير متكافئ داخليا سواء على مستوى إنتاج القطاع الواحد أو بين عدة قطاعات، الشيء الذي أفرز واقعا اجتماعيا معطوبا، وأمام هذا الوضع سارعت الدولة بمختلف أجهزتها إلى سن سلسلة من المخططات التنموية، ابتداء من المخطط الثلاثي وما تلاه من مخططات رباعية ثم خماسية، إضافة إلى ما سمي بالبرامج الخاصة لبعض المناطق التي كانت تعاني من حالات تأخر أكثر من المعدل الوطني، هدفها بناء اقتصاد وطني قوي وتحقيق أهداف التنمية المرجوة .وقد سطرت هذه المخططات والمشاريع مجموعة من الاهداف ابرزها تدعيم اللامركزية لتشمل مختلف مستويات الانشطة الادارية والإنتاجية. غير أن هذه المشاريع لم تمس كامل المجتمع المغربي، أو بالأحرى لم تطبق بالشكل المطلوب، الشيء الذي جعل مناطق عدة من المغرب لا تقع تحت طائلة التنمية المخطط لها، لاسيما أن حاجيات ومتطلبات الساكنة والمواطنين ظلت دون إجابات مقنعة. 
فالإختلالات البنيوية نفسها (سواء المؤسساتية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية)، فضلا عن عجز البعد التدبيري للمركز الذي يشكل الحاضن المؤسساتي للهامش مع عدم نجاعة آليات إدارة القرب، و الحكامة الترابية الجيدة، والمقاربة التشاركية، والعدالة المجالية، والتضامن الترابي، تتسبب في تعميق الفوارق الترابية بين الجهات فيما يخص فرص الشغل  وجودة الخدمات. إذ يتبين من خلال الإحصائيات الأخيرة المقدمة من طرف المندوبية السامية للتخطيط  أن في المغرب نوعين من الجهات، جهات غنية نسبيا، وجهات فقيرة نسبيا، بحيث تفيد المعطيات الاحصائية أن جهة الدار البيضاء- سطات من أغنى الجهات وجهة درعة تافيلالت من أفقرها، وهو ما يجيز الحديث عن إشكالية العصرنة الممركزة ( La modernisation centralisée) المبني أساسا على تمركز البنيات الاقتصادية و الادارية في مناطق معينة، دون غيرها، وخصوصا في الشريط الساحلي للحيز الممتد من القنيطرة إلى الجديدة، مما يشي بأننا إزاء برمجة اقتصادية مرتكزة على نموذج تنموي غير متوازن يعمل على تهميش شرائح اجتماعية مهمة ومناطق جغرافية عدة وتغييبها من المشاركة في البناء التنموي، وتوسيع الفوارق الترابية بين الجهات ( جهات نامية - وجهات غير نامية)  وهو ما يشكل استمرارية  لمقاربة التقسيم الذي ورثته الدولة عن الاستعمار الفرنسي(المغرب النافع والمغرب غير النافع)، من جهة وبين المدن والبوادي من جهة أخرى، وبين مراكز المدن ومحيطاتها من جهة ثالثة   ويساهم في سيادة منطق ثنائي للمجتمع يفرق بين من هم في ( الداخل- المركز)  ومن هم في ( الخارج – الهامش) الشيء الذي يحيل على فشل كل المبادرات التنموية التي تهدف إلى إعادة التوازن للمجتمع عبر إدماج الهامش داخله من خلال إطار الجهوية . 
أمام هذا الوضع يطرح السؤال حول رهانات الجهوية المتقدمة بعد أزيد من سنتين على تفعيلها، ارتباطا بهذا السياق يرى  الباحث في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية سعيد بنيس على أن مشكل الجهوية هو مشكل " ثقافي" بالدرجة الأولى، لأنها اهتمت بالعناصر الوظيفية والاقتصادية فقط دون التركيز على العناصر اللغوية والثقافية والهوياتية والتي كان من الممكن أن تمكن من رسم حدود تراب الجهة بالارتكاز على محددات ثقافية ولغوية وتاريخية تحتضن أقطاب إدارية واقتصادية تمكن من تنمية الجهة وإغناء التنوع والتعدد بها. فالعناصر المادية على الرغم من أهميتها المركزية في التنمية عاجرة وحدها عن لعب الدور الفعال،وفي هذا الصدد يؤكد بنيس على ضرورة "المراهنة على الجهوية في صيغتها الثقافية على معالجة الفوارق الاجتماعية والترابية من خلال آليات قاعدية ترتكز على إشراك الساكنة في بناء رِؤيا وتصور مجالات الحياة العامة على أساس تخلي الدولة على منطق المركزية المحورية من خلال تفعيل واقعي لاستراتيجيات اللامركزية واللاتمركز كحاضنة لجميع المشاريع الاقتصادية، (...) وهو ما يحتم اعتماد حكامة تفويضية ترتكز على منح استقلالية مالية ومسؤولية مباشرة لمجموع الفاعلين المحليين وتكفلهم بالعملية التنموية في جميع جوانبها ليصبحوا بديلا ترابيا للدولة في تدبير الشأن المحلي غايته محو الفوارق الاجتماعية والطبقية والترابية ووقف سيرورة الإقصاء والتفقير وتوزيع عادل للثروة ومنع مراكمتها من لدن فئة ترابية بعينها دون غيرها" . في أفق خلق التوازن الجهوي داخل التراب الوطني والوصول إلى مستوى "العدالة الترابية". وبهذا المعنى تكون التنمية رهينة بالاندماج المحلي  الذي يروم الإجابة عن المطالب المحلية والاعتراف بالخصوصيات الجهوية . 
تصل بنا استنتاجات هذه الورقة إلى التأكيد على أن ما يعيشه المجتمع المغربي اليوم من احتجاجات تدل على أن الوعي بالتنمية المحلية والترابية بالإضافة إلى شروط العيش الكريم أضحى وعيا متقدما عند المغاربة،والخطأ يكمن في الاستهانة بأهمية هذه الحركات الاحتجاجية باعتبارها سحب غائمة عابرة، لأن وجودها دليل على فشل الدولة والأجهزة المرتبطة بها في تدبير ملفاتها التنموية ،و تأطير المجتمع وتدبير شؤونه الملحة، كما أنها مؤشر على أن البنى والمؤسسات القائمة لا توفر امكانية التعبير عن حاجيات فئات مهمة من المجتمع ،فالتعليم مثلا لم يعد يفتح المجال أمام الحركية الاجتماعية بينما الملاحظ  أن سوق الشغل أصبح محاصرا نتيجة لكثير من العوامل من بينها الاكراهات المفروضة على المغرب وعلى نسيجه الاقتصادي كالمديونية و املاءات صندوق النقد الدولي...، ولذلك تأتي الاحتجاجات في شكل تعبير عن فقدان الأمل والاستيلاب .
هذه جملة من العوامل الذاتية والموضوعية التي نعتقد أنها مسؤولة عن بروز احتجاجات الريف والتي يعكس وجودها ما ألت إليه الأوضاع من انسداد للآفاق، وهو ما يحتاج اليوم إلى تصحيح جذري وإلى إعادة نظر شاملة، تستعيد من خلالها القنوات السياسية والاقتصادية والخدماتية وطرائق الحياة المدنية جوهرها الأصلي. حقا، ليست الأجوبة عن الاشكالات التنموية مستحيلة أو عصية، بل هي ممكنة، لكنها بكل تأكيد قد تكون غير مجدية إذا لم تسبقها مراجعة نقدية جريئة تعيد النظر  في المشروع التنموي المتبع بالمغرب بضرورة ملحة غير قابلة للتأجيل، وإعادة التفكير في السياسات الحضرية من خلال ربطها  بالقضية الاجتماعية عبر سياسات ترتكز على أهمية " العدالة المجالية" لأن رمزية الاحتجاج واضحة للعيان على اعتبار أن  المواطن يحتج لأنه لا يرى مستقبلا أمامه .




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.