آخر الأخبار :

فلاسفة قريش


فلاسفة قُرَيْش.
بَنَتْ قُرَيْش أمجادها على الوثوقية والعنف وأَرْسَتْ عُروشَها بِحَدِّ السَّيْفِ، وَصَنَعَت تاريخًا مَأْساويًّا بالمَعْنى العامِّي، دَمَوِيًّا حَزينًا وَمُؤْلِمًا. اختارَت قُرَيْشُ اخْيارًا لا رِجْعَةَ فيهِ الماضي عَوَضًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ، الوَهْمَ عَوَضا الواقِع، التَّقَوْقُع والانغلاق على الذات بدل الانفتاح على الغير. وحتى عندما الْتَقى فلاسفة قُرَيْش بحكمة الإغريق انصرفوا للحديث على "ما بين الشريعة والحِكمة من اتصال" ولم يتداولوا مفهوم الشَّعْب والديموقراطية والمدينة والمواطن والدستور والحرية وغيرها من المفاهيم التي بُثِرت من ميتافيزقا المعلم الأول بثْرًا، ولازال الحال على حاله، فلاسفة اليوم منهمكون ومشغولون برواتبهم وترقياتهم وبيوتهم، وهمومهم الصغيرة، غير مكثرتين بالتاريخ الحي، وأمور مجتمعاتهم، والفلسفة عندهم ليست سوى وسيلة اسْتِرْزاقٍ، مُعَلِّمون (مْرايْقِيَّة) في المدرسة والجامعة، في النَّدْوَةِ والتَّأْليفِ، يُواكبون نهاية قُرَيْش في صَمْتٍ وذهول.
على غَفْلَةٍ من فلاسفة قريش تصير الجامعة المغربية مَرْتَعًا للفِكْر الظلامي التكفيري، للوثوقية والعنف، نقرأ للدكتور فريد الأنصاري أستاذ باحث، ورئيس شعبة الدراسات الإسلامية، وصاحب مؤلَّفات ودراسات وأبحاث متعددة: أن المغرب مجتمع فاسد "من خلال نوافذ الإعلام، والثقافة، والسينما، والأغنية المصورة والمسموعة، ومن خلال الشارع، و(الموضة) وكل أشكال التّقيين، والعري الفاحش الراكض بحوافزه في اتجاه محاصرة كل أشكال التدين بالبلاد!... إن الحزب الأكبر بالمغرب اليوم هو حزب (الفجور السياسي)". ورغم وجود المساجد والتظاهرات الدينية.. فليس معنى ذلك "أن اللون المسيطر على الساحة المغربية هو اللون الإسلامي". ما معنى نعت المجتمع المغربي بالفساد والفسق والفجور؟ أليس ذلك شكل من أشكال تكفيره؟
 
هذه الأحكام لا تنطلق من دراسة بل تنطلق من وثوقية وعنف ضد المُخْتَلِف والمُغايِر والآخر فلا يوجد في الكتاب تحليل ولا افتراض ولا اقتراح ولا سؤال بل كله عبارات مثل: "إني لموقن" ص. 14 "إن ما لا يختلف عليه اثنان ولا يتناطح عليه كبشان" ص. 46 "لا أشك لحظة واحدة" ص. 50. "الحقيقة التي قدمناها على أنها استقرائية قطعية واقعية" ص. 60. "فإنا نقرر أن.." ص. 61... بالإضافة لذلك يعج الكتاب بالعموميات التى تتنافى مع العمل الأكاديمي: "كتب أحد الفرنسيين" ص. 56، ويستشهد بأحد أصدقائه! ص.54 إلخ...
الكتاب يَعْتَبر تعلم اللغة الفرنسية والإنجليزية مظهرا من مظاهر "الفجور السياسي بالمغرب" يقول الدكتور الأنصاري: "إن اللغة الفرنسية يا سادتي ليست لغة وكفى. إنها ثقافة، بل إنها نوع خاص من الثقافة إنها ثقافة العهارة! ص. 48 "إن الأدب الفرنسي في عمومه أدب العُرْي، وأدب العهارة!" ص. 49. "المراكز الثقافية الفرنسية بالمغرب ما تزال تتزعم حركة الإفساد الخلقي" نفس الصفحة.
متى كانت اللغات عهارة وفسادا خلقيا أليست كل الألسنة متساوية عند الله، والقرآن واضح في هذه النقطة: كُلُّ نَبِيٍّ يُبَلِّغُ رسالته بلسان قومه المُنْتَسِب إليهم:
 وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمه لِيُبَيِّن لَهُم (سورة إبراهيم، الآية 4) ومن آيات الله اختلاف ألسنة وألوان البشر، وأن الله عَلَّم آدم الأسماء كلها، أليس هذا جهل بالدين من موقع الشهادات الجامعية الكبرى؟ (كتب مقدمة هذا الكتاب الدكتور سعد الدين العثماني)
إن الدفاع عن المجتمع من هول الفكر الظلامي ودرء مخاطره وفتح آفاق الانخراط في الكوني والإنساني والعالمي هو من أبرز مهمات الفلسفة اليوم، غير أن فلاسفة قُرَيْش يفهمون الفلسفة على أنها مذاهب وتيارات وأفكار معروضة كما تُعْرضُ البضائع في السوق الأسبوعي الذي يرتادونه، إلا أن المعاني والأفكار والتّقييمات مرتبطة بطرق الوجود وأساليب الحياة، فهي ليست صُدفَة أو هبة، بل إنّها تُكتسب بالاستحقاق. فكما أنه لا بدّ للشَّعْب من جنودٍ ينتجون الأمن والسّلام وجنود ينتجون المأكل والمسكن.. فلابدّ له أيضاً من جنود ينتجون المعنى والقيمة والفكرة.
 
لقد نظر هيغل إلى الثورة الفرنسية بإعجاب وشغف ولهفة. الفلسفة بالنسبة له مدعوة إلى أن تتعقل زمنها Penser son temps وأن تترجم عصرها وزمنها إلى أفكار، بل إن هيجل يذهب إلى حد القول بأنه يستحيل على الفلسفة أن تتوصل إلى إدراك المفهوم الذي تدرك به ذاتها خارج مفهوم الحداثة. وإليه يعود الفضل في محاولة تقديم أول تشخيص فلسفي للحداثة التي هي برأيه الذاتية الإنسانية من حيث هي حرية وإعمال للعقل. الفلسفة.
يمثل نيتشه الفلسفة بالمرأة التي لا تعشق سوى الشهامة والرجولة والفروسية، لا بد إذن من فروسية وشجاعة لممارسة الفلسفة وأكبر دليل على ذلك سقراط مؤسس الفلسفة. الفلسفة عظمة وشموخ، "عند اليونان فقط كان البدء العظيم" (هيدغر)، ومنذ ذلك الحين اتخذت مسارا نحو الحرية.
الفلاسفة المعاصرون لنا مسكونون بهاجس واحد هو مناهضة الاستبداد والتسلط في مواقعه غير المنظورة، والحرص على التخلص النهائي من الأنظمة الفاشية والنازية التي عرفتها أوروبا. (الفلسفة الجنائزية)
ابتدأ البحث عن ميكروفيزياء السلطة منذ مدرسة فرانكفورت في الثلاثينات من القرن الماضي، أبرزت المدرسة أن الدولة القمعية لا يمكن لها أن تعرف الوجود إلا في المجتمع القمعي، ومن ثمة يلزم البحث عن القمع والانقماع -إذا جاز التعبير- في النسيج المجتمعي والكشف عن مظاهر التسلط فيه. وفي فرنسا ظهرت ورشات البحث عن مخابئ السلطة والاستبداد، رولان بارط اعتبر السلطة جرثومة عالقة بجهاز يخترق المجتمع ويرتبط بتاريخ البشرية في مجموعه، وليس بالتاريخ السياسي وحده. هذا الشيء الذي ترتسم فيه السلطة، ومنذ الأزل، هو اللغة، أو بتعبير أدق: اللّسان، ذلك أن كل لغة تتعين، أكثر ما تتعين، لا بما تُخوِّل قوله بل بما تُرغم على قوله، إن اللسان من حيث هو إنجاز كل لغة، ليس بالرِّجْعي ولا بالتَّقَدُّمي. إنه، بكل بساطة فاشِيّ: ذلك لأن الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما هي الإرغام عليه.
يكشف ميشال فوكو عن السلطة وإجراءات الإبعاد والإقصاء والمنع، تتخفى وراء الخطاب، "إن إنتاج الخطاب في كل مجتمع، هو في نفس الوقت إنتاج مراقب، ومنتقى، ومنظم، ومعاد توزيعه من خلال عدد من الإجراءات التي يكون دورها هو الحد من سلطاته ومخاطره، والتحكم في حدوثه المحتمل، وإخفاء ماديته الثقيلة والرهيبة. إننا نعرف طبعا، في مجتمع كمجتمعنا، إجراءات الإستبعاد. أكثر هذه الإجراءات بداهة، وأكثرها تداولاً كذلك هي المنع. إننا نعرف جيدا أنه ليس لدينا الحق في قول كل شيء، وأنه لا يمكن أن نتحدث عن كلّ شيء في كل ظرف، ونعرف أخيرا ألا أحد يمكنه أن يتحدث عن أي شيء كان. هناك الموضوع الذي لا يجوز الحديث عنه وهناك الطقوس الخاصة بكل ظرف، وحق الامتياز أو الخصوصية الممنوح للذات المتحدثة." نظام الخطاب".
أما ديريدا فقد لفت الانتباه إلى أن السلطة تتجلى في بؤر التمركز؛ حول الصوت وحول العقل والقضيب، الشيء الذي يقيد المعنى ويحدده ويجعل منه حقيقة وبداهة في إطار جدلية الحضور والغياب ويرسم أفقا للكتابة باعتبارها تغريبا للمعنى وتحريرًا له.
إن خطر عودة الفاشية والنازية والأنظمة الديكتاتورية هو الشبح المرعب الذي تتصدى له الفلسفة الحديثة بمختلف أطيافها وتلاوينها، يقول دولوز: "ألسنا مهددين بأن نجد على خط من خطوط الانفلات ما نريد أن ننفلت منه؟ أليس من المحتمل أن نجد أمامنا من جديد التشكيلات الأوديبية وأبدية: الأب/أم؟ ألسنا أمام خطر عودة الفاشية وأنظمة السٌّلط القمعية على خط الانفلات نفسه؟ Dialogues, P. 49/50. قد تكون الكتابة على علاقة وطيدة بخط الانفلات. أن نكتب هو أن نرسم خطّا للانفلات، ونكون مضطرين للانخراط فيه، لأن الكتابة تلزمنا به، وتقذفنا في مساره.
نقطة الاتقاء في الفلسفة الحديثة إذن هي مواجهة السلطة والعنف والإقصاء حيث تتخفى وتتستر، غير أن هؤلاء الفلاسفة لم يكونوا يطمحون إلى حرية وعدالة وديموقراطية ترانساندنتالية، في كتاباتهم ومحاضراتهم، لقد كانوا مناضلين، يشاركون في المظاهرات ويؤسسون جمعيات حقوقية كـ  G. I. P. التي كان من روادها فوكو جون جيني وغيرهم. لم ينتصر هؤلاء الفلاسفة لقضايا مجتمعهم فقط بل كان منهم من انحاز إلى الثورة الفلسطينة، ومنهم من انخرط فكريًّا في الثورة الإيرانية التي أطاحت بدكتاتورية شاه إيران رغم أنهم لم يكونوا شيعيين بطبيعة الحال ولا شيوعيين، ولكنهم كانوا فقط حداثيين فالحداثة هي تَعَقُّبٌ للديكتاتوريات أينما حَلَّت وارتحلت. لقد سبق لجيل دولوز أن عَرَّفَ الفلسفة في أحد حواراته بأنها ممارسة المقاومة.
 
الفلسفة أوّلاً هي مقاومة وصراع ضدّ التّفاهة والوضاعة والانحطاط على مستوى الفكر والحياة معاً. تاريخ الفلسفة هو تاريخ المقاومة. فَمِن سقراط الذي ضحّى بحياته من أجل معرفة الحقيقة، وقول الحقيقة عن الذّات، ومقاومة خطر نسيان الذّات، إلى أرسطو الذي قسّم القضايا إلى: صادقة وكاذبة، فتلخّص منطقه في مقاومة الكذب، إلى ديكارت الذي قاوم الخطأ ووضع قواعد بسيطة، واضحة ومتميّزة للعقل، ثمّ كانط الذي قاوم القُصُور والوِصَايَة… تمّ تظهر الفلسفة كصراع ضدّ الوهم وبعد ذلك ضدّ الإيديولوجيا...الخ
مقاومة النّسيان والكذب والخطأ والوهم والقصور والإيديولوجيا وغير ذلك هي محاولات تحصين الفكر والحياة من التّفاهة والوضاعة والانحطاط.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.