آخر الأخبار :

مشكل العلاقة بين السياسة والأخلاق (من خلال نقد الأستاذ محمد سبيلا).


دخل أستاذ الفلسفة، السيد محمد سبيلا، في حرب ضد كل ما هو «نضالي» أو «اشتراكي». وأخذ يُبشِّر باكتشافاته ”الفلسفية“ الجديدة. كأن محمد سبيلا وصل، في آخر حياته، إلى خلاصات ”مُنِيرة“، أو ”حَكيمة“. وخلال أكثر من شهر، فتحت جريدة "المساء" لمحمد سبيلا رُكْنًا متواصلًا على صفحتها الأخيرة، تستجوبه عن فتوحاته ”الفلسفية“ الخارقة.
ويزعم محمد سبيلا أن ”المناضل الاشتراكي“ لا يختلف عن ”الإرهابي الإسلامي“، من زاوية مناهج التَّـفكير، والقِيم، والأهداف، والأساليب. وقد سبق لِي أن اِنْتَـقَدتُ هذه الأطروحة، ولا دَاعيَ هنا لتكرار ذلك. [أنظر مقال رحمان النوضة، "نقد أنصار الرأسمالية"، (https://wordpress.com/read/blogs/19553947/posts/2431
)].
ومعظم تصريحات محمد سبيلا تَصُبّ في نفس الاتجاه. حيث يقول: ”الاشتراكية هي أكبر كذبة“، و”الاشتراكية هي مجرد وهم“. و”المناضل الاشتراكي لا يختلف في جوهره عن الإرهابي الإسلامي“، إلى آخره. ومعظم المناضلين الاشتراكيين عبر العالم يعرفون جيدًا هذه الأطروحات القديمة. لأنها ظهرت منذ ظهور حلم التحرّر من الرأسمالية، أو الانتقال إلى الاشتراكية، خلال القرن الثامن عشر.
أنا احترم السيد محمد سبيلا، وأعتبر أنه من حقّه أن يُدافع عن أفكاره وقناعاته. لكنني أختلف معه، وأعتبر أنه من حقّي، أنا أيضًا، أن أنتـقد أطروحاته.
يتكلّم محمد سبيلا كأنه يُحلّل تجربة ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، أو كأنه ينتـقد أفكاره، وتصوراته، وسلوكياته. لكن عندما يتمعّن القارئ في أطروحات محمد سبيلا، يجد أنها أطروحات يمينية، وأنها تُدَعِّم وتُنَظِّر لمواقف وسلوكيات تيار السيد إدريس لَشْكَر اليميني، الذي يُسيطر حَالِيًّا على هذا الحزب. ومحمد سبيلا يتبرَّأ من سلوكيات تِيَّار ادريس لشكر، لكنه يلتقي معه في العُمق، على مستوى الأفكار والمبادئ السياسية. لأن ادريس لشكر يُطَبِّق بالضّبط الأطروحات السياسية التي يُبرِّرها محمد سبيلا.
ويدافع صراحةً محمد سبيلا على منظور بورجوازي للعمل السياسي. ومعظم أعضاء ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، وكذلك معظم أعضاء الأحزاب اليمينة، أو الرأسمالية، الموجودة في العالم، يقولون نفس الشيء الذي اكْتَشَفَه محمد سبيلا في آخر حياته. وهو أن «السياسة هي فن النِّفاق والانتهازية». ومعظم مناضلي البلدان الناطقة بالعربية، يدركون أن مثل هذه القِيَم والتصوّرات الانتهازية، هي التي خرّبت أوطانهم.
ويدافع محمد سبيلا مرارًا عن «مرونة الفاعل السياسي الذي يمكن أن ينقلب 180 درجة، وأن يبرّر ذلك» (المصدر: جريدة "المساء"، العدد 3670). وأضاف محمد سبيلا: «المَكْر، وسُوء النِّيَة، من الشروط البنيوية العضوية الأساسية للعمل السياسي. و[الشخص] الذي لا يتوفّر على هذه الشروط، لا يمكنه أن يَلِجَ عالم الفعل السياسي» (نفس المصدر السابق). وزاد محمد سبيلا قائلا: «الكذب فضيلة سياسية، بل إنه ضرورة سياسية». وكُلُّنا نعرف أن محمد سبيلا لا ينفرد بهذه الأطروحات، وإنما مجمل السياسيين الانتهازيين، أو الفاسدين، أو المُستبدّين، سواءً في بلادنا، أم في بلدان أخرى، يمارسون مثل هذه السّلوكيات.
ونتساءل: لمن يكتب محمد سبيلا هذه الأفكار؟ ولمن يوجّه هذه النصائح؟ هل يوجّهها إلى الفاعلين السياسيين الذين يهيمنون على المغرب ويفترسونه؟ هؤلاء السياسيين المُفْتَرِسِين، لا يحتاجون إلى الاكتشافات النظرية لمحمد سبيلا. فَغَرَائِزُهم الحيوانية تَكْفِيهِم لكي يُطَبِّقًوا هذا التوجُّه. وهل يوجّه محمد سبيلا نصائحه إلى المناضلين الثوريين الذين يرفضون كل سياسة تُعاكس العدل أو الأخلاق؟ يُبَـيِّـنُ التَمَعُّن في أطروحات محمد سبيلا أن اجتهاده هو عمل يَمِينِي، بل "رِجْعِي"، ويضرّ بالمُجتمع، ولا يفيده.
عندما أَصف أفكار محمد سبيلا بِكونها «رِجْعِيّة»، هل أمارس السبّ، أو القذف؟ كلَّا! ولماذا؟ لعدّة أسباب. محمد سبيل يقول «المَكْر، وسوء النّية، من الشروط البنيوية العضوية الأساسية للعمل السياسي... والكذب فضيلة سياسية، بل إنه ضرورة سياسية». ومحمد سبيلا لا يَنْتَقِد هذا الكَذِب، وإنما يُنظِّر خِصْلَةَ النِّفَاق، ويُبرّرها، ويمجّدها. كيف ذلك؟
إذا فحصنا مختلف بلدان عالم اليوم، سنجد أنها نوعان: نوع من البلدان (مثل المغرب، والجزائر، ومصر، والعراق، والسعودية، والإمارات، إلى آخره)، تُمَارَسُ فيها ”السياسة“ فعلًا كَـ ”فن الكَذِب، والانتهازية، والنّفاق، والغِشّ، والفساد“. ويوجد نوع ثان من بلدان العالم، تفرض فيها ”دولة الحق والقانون“ (ولو كانت نسبية) بأن يَـتَـقَيَّـد فيها كل الفاعلين السياسيين بالقوانين، وبالأخلاق. لهذا نجد مسؤولين كبار في هذه الدول، بما فيهم رؤساء دول، يُحاسَبُون في هذا النوع الثاني من البلدان، ويُعاقبون على كل كذب، أو غِشّ، أو فَساد، ثَـبُـتَ ضِدّهم. وكأمثلة على ذلك، نجد الرئيس "دُونَالْدْ تْرَامْب"، في الولايات المتحدة الأمريكية، مُتابع في قضايا تتعلق بالجنس، والغشّ في الانتخابات (عبر تواطؤ جهات من طَاقَمِه الانتخابي مع روسية)، والتهرّب من بعض الضرائب. ونجد في فرنسا أن الرئيس الأسبق "جاك شيراك" تُوبِعَ، وَحُوكِم في عدّة قضايا، أبرزها قضية رَشْوَة المَاس (diamants) عُمَر بَانْغُو، رئيس الغابون السابق. ونجد أن الفرنسي "دُومِينِيك اطْرُتْسْكَانْ"، رئيس "صندوق النّقد الدولي"، ارتكب اعتداءً جنسيًّا على خادمة في إحدى فنادق مدينة "انْيُويُرْكْ"، فاعْتُقِلَ فَوْرًا، ثم حُوكم، ثم عُوقب. ورغم أن "اطْرُوتْسْكَانْ" كان مُرشَّح "الحزب الاشتراكي" الفرنسي لرئاسة الجمهورية الفرنسية، ورغم أنه كان الأكثر حَظًّا للفوز في الانتخابات الرئاسية، اضطُرّ "اطْرُتْسْكَانْ" إلى الانسحاب كلّيًا ونهائيا من ميدان السياسة. ونجد أن الرئيس الفرنسي "نِكُولًا ساركوزي" تُوبِعَ وحوكم في قضية تمويل جزء من حملاته الانتخابية بأموال غير شرعية. ونجد في كوريا الجنوبية أن البرلمان صوّت بالأغلبية المطلقة لصالح إقالة رئيسة الجمهورية السابقة "بَارْكْ جُونْ هِي" [Park Geun-hye]، ثم وافقت المحكمة الدستورية في كوريا على عزلها من منصب رئاسة الجمهورية، بعدما ثَبُتَ تورّطها في رَشَاوَى ممنوحة من طرف شركة "سامسون". إلى آخره. ما معنى هذه الأحداث أو الأمثلة؟
 
معناها أن الدولة التي تكون ”دولة حق وقانون“ (ولو نسبيًّا)، لا يُسمح فيها لأي فاعل سياسي، ومَهْمَا عَلَى شأنه، أن يخرق القانون، أو الأخلاق، أو أن يُمارس الكذب، أو الغشّ، أو الفساد! وأمام مثل هذا المشهد السياسي العالمي، نجد أن محمد سبيلا، بِتَنْظِيره للكذب والنفاق، يدفعنا إلى تقليد النوع الأول من البلدان المتخلّفة، بدلًا من أن يَحُثَّنَا على الاقْتِداء بالنوع الثاني المتقدّم من بلدان العالم. وعليه، فَدَعَوَات محمد سبيلا تكتسي طابعًا متخلِّفًا، أو "رجعيا".
وعلى عكس ظنون محمد سبيلا، تبقى أفكاره متخلّفة حتى بالمقارنة مع أفكار المُفكّر ”مَاكْيَافِيلِّي“، لأن هذا الكاتب، في بعض فقرات كتابه ”الأمير“، يشير إلى أن كل سياسة لا ترمي إلى تحقيق العدل في المجتمع، يكون مآلها حتمًا، وفي آخر المطاف، هو الفشل والزوال. [وقد فَصَّلْتُ في ذلك في كتابَيْيَّ بالفرنسية: (Le Politique)، (L'Ethique politique)، ويمكن تحميله بالمجّان من مدوّنتي (https://LivresChauds.Wordpress.Com
)].
وأضاف محمد سبيلا: «من الصعب تحويل الإنسان إلى كائن عقلاني»، أو عادل. ولو كان محمد سبيلا يعطي هنا لكلمة «صعب» معنى أن محاولة "تحويل الإنسان إلى كائن عقلاني" أو عادل، هو عمل يتطلب جُهْدًا جَبَّارًا، ونضالات مجتمعية متواصلة، وطويلة الأمد، لَكُنْتُ قد اتـفـقتُ معه. لكن إذا اعتبرنا أطروحات محمد سبيلا الأخرى اليمينية، نُدرك أن محمد سبيلا يعني: أن محاولة تطوير الإنسان إلى كائن عقلاني أو عادل، مَآلُهَا الحَتْمِي هو الفَشَل.
 
وإذا كانت أطروحة محمد سبيلا السابقة صحيحة، ماذا يبقى لنا إذن في هذه الحالة؟ لا يبقى لنا، حسب ”فلسفة“ محمد سبيلا، سوى القبول بواقع المجتمع كما هو، والقبول بالرأسمالية المُتوحشة، والخُضوع للاستغلال الرأسمالي، والقبول بالاستبداد، وبالفساد، وأن نرضى بأن نكون كلّنا حيوانات تفترس بعضها بعضا، بدون شفقة، ولا أخلاق، ولا عدل، ولا مبادئ، ولا حقوق إنسان. وإلى متى؟ إلى أن تؤدّي أنانية البشر، وانتهازيتهم، وحماقاتهم، إلى فناء البشرية.
ولكي نسير في هذا التوجّه ”السًّبِيلَاوي“، لا نحتاج لِـ ”فلسفة“ محمد سبيلا، ولا إلى أية ثقافة، أو علم، أو تكوين. وإنما يكفي أن نطلق العِنَان لغرائزنا الحيوانية، وأبرزها الأنانية، والانتهازية، والنفاق، والغشّ، والغدر، والفساد، والاغتناء غير المشروع، وغير الأخلاقي. وهذا ما لا يقبله أي مواطن يتشبَّـثُ بالأخلاق، أو يطمح إلى العدل المُجتمعي. ومن منظورنا، لا يمكن أن يكون أي عمل سياسي محترمًا، أو نبيلًا، أو مقبولًا، إلَّا إذا كان مُلْتَزِمًا باحترام العدل والأخلاق. [أنظر كتاب رحمان النوضة: "L’Ethique politique"، ويمكن تحميله بالمجان من مدوّنته: (https://livreschauds.files.wordpress.com/
…/livre-lc3a9thiqu…)].
وكثير من المناضلين الحاليين بالمغرب (في سنة 2018)، لا يعرفون أنه من بين نُقط الخلاف النظري والسياسي الذي كان موجودًا بين "الحركة الماركسية اللِّينِينِية" بالمغرب من جهة أولى، ومن جهة ثانية "الحركة الإتِّحَادية" (أي الحركة التابعة لحزب "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، ثم "حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية")، جوهر هذا الخلاف هو أن "الحركة الماركسية اللينينية" كانت تُصِرُّ على أن يلتزم كل فاعل سياسي باحترام الأخلاق (إذا كانت حميدة)، والقوانين (إذا كانت عادلة). بينما "الحركة الاتحادية" كانت تقبل الفصلَ بين السياسة والأخلاق. وكانت "الحركة الاتحادية" تزعم أن العمل السياسي يَسْتَوْجِب بالضرورة قدرًا محدّدًا من الكذب، أو التحايل، أو النِّفَاق، أو الغشّ، أو الانتهازية. بينما ترفض مبدئيًّا "الحركة الماركسية اللينينية" أي سلوك انتهازي في العمل السياسي. وقد خُضنا صراعات سياسية ونظرية، مريرة وحادّة، مع المناضلين "الاتحاديين". وكنا نقول لهم: كل عمل سياسي لا يلتزم بالأخلاق يتحول في آخر المطاف إلى جرائم. وكانت "الحركة الماركسية اللينينية" تقول "للإتحاديِّين": إن القبول بقدر قليل من الانتهازية في العمل السياسي يؤدي حَتْمًا إلى تلويث العمل السياسي كلّه بالغشّ، والنفاق، والخداع، والغدر، والاستبداد، والفساد، والاستلاب. وهو ما ليس في صالح الشعب.
 
أنا لم أقصد أبدًا (كما تصوّر البعض) أن المناضلين "الاتحاديين" كانوا دائما يَكْذِبون، أو يَغُشُّون، أو يُنَاوِرُن. على عكس ذلك الظّن، كانت لنا علاقات متعدّدة ومتنوعة مع بعض المناضلين "الاتحاديين"، وخاصة في أجنحته اليسارية. وَنُكِنُّ (في الماضي، وفي الحاضر) لكل هؤلاء المناضلين "الاتحاديين" التقدير والاحترام. وبالمقابل، أنا لا أزعم أن مناضلي "الحركة الماركسية اللينينية" كانوا، أو ما زالوا، كلهم معصومين من الأخطاء. بل لنا نحن أيضا أخطاء، أو نقائص، أو نقط ضعف، أو حتى انحرافات (أنظر في هذا المجال كتابي النقدي تحت عنوان: "نقد أحزاب اليسار بالمغرب"، ويمكن تحميله من مدوّنتي الشخصية). وفي تقديري، أن ما يطرحه اليوم السيد المحترم محمد سبيلا، كمناضل هام سابق في "حزب الاتحاد"، لم ينزل فجأة من السَّمَاء، أو من عَدَم. وإنما هو امْتِدَاد لتلك الظّاهرة التي أشرتُ لها سابقًا. وأطروحات محمد سبيلا هي تعبير عن آراء كانت (وما زالت) منتشرة داخل حزب "الاتحاد الاشتراكي". وتاريخ "حزب الاتحاد" يشهد على ذلك ويؤكّده.
ومعظم الانشقاقات والصراعات السياسية التي اشتعلت داخل "حزب الاتحاد"، كانت دَائمًا تُطرح فيها، ولو جزئيا، إشكالية الصراع حول مدى الالتزام بالأخلاق، سواءً في العمل الحزبي، أم السياسي. ويمكن لأي مهتم أن يبحث مثلا في مواقف، وممارسات، وأقوال، وكتابات، بعض المسؤولين الاتحاديين، خلال سنوات السبعينات، وخاصة في ما يجري "داخل" الاجتماعات الحزبية الداخلية، وسيكتشف أن الثقافة السائدة في "حزب الاتحاد" كانت تسمح، أو تتقبّل، ما يعبّر عنه اليوم السيد محمد سبيلا في مجال "العلاقة بين السياسة والأخلاق"، رغم أن محمد سبيلا يقدم هذا النوع من "العلاقة بين السياسة والأخلاق" كَاكْتِشَاف شخصي جديد، بينما هو في الواقع قديم.
وقد قال محمد سبيلا مِرارًا وتكرارا أن «الاشتراكية هي مجرّد وهم»! لنفرض أن كلامه صحيح. في هذه الحالة، ما هي نتيجة هذا التصريح؟ نتيجته المباشرة هي الاعتقاد بأن الحقيقة الوحيدة القائمة، الحتمية، والأزلية، في العالم كلّه، هي الرأسمالية! بمعنى أن محمد سبيلا، المناضل السابق في "حزب الاتحاد الاشتراكي"، يقول لنا: "لا تحلموا بالوصول في مستقبل بعيد إلى الاشتراكية، إنها مستحيلة، وما عليكم سوى أن تخضعوا للرأسمالية، رغم كل ما فيها من استغلال، واستبداد، وفساد". هذا هو ”التبشير الفلسفي الجديد“ لمحمد سبيلا!
يشعر أحيانًا قارئ استجوابات السيد محمد سبيلا، كأنّ هذا الأخير لا يدرك النتائج المُجتمعية لِتصريحاته. فإذا وافقنا مثلًا على صحة مقولات محمد سبيلا، التي تزعم أن الكذب، والتَحَايُل، والخِداع، والغِشّ، والانتهازية، هي سُلُوكِيَّات «ضرورية»، أو «حتميّة»، في العمل السياسي، فيجب، في هذه الحالة، لكي نكون منطقِيِّين مع أنفسنا، أن نضع قوانين تَنُصُّ على أن مُمَارَسَة «الكذب، والتحايل، والخِداع، والغِشّ، والانتهازية، والاغْتِنَاء غير المشروع»، لا تُشَكِّل جرائم، ولا تَجُوز محاسبتها، ولا مُعاقبتها. لأن هذه السُلُوكِيَّات تُعْتَبَر «طبيعية»، بل «ضرورية»، و«حتمية». وسنكون، في هذه الحالة، قد أَبَحْنَا ”قانونَ الغابة المُتَوَحِّشَة“. وسنكون قد بَرَّرْنَا قِيَّام مجتمع الافْتِرَاس المُتبادل، والمُعَمَّم. وهو ما لا نقبله. فنحن نطمح لتشييد مجتمع يخضع للعقل، وللعدل، وللتضامن. بينما محمد سبيلا يدفعنا نحو مجتمع حيواني، يسمح بحرّية الغرائز الأنانية، ويَحْكُمُه الافْتِرَاس المتبادل، والمُعَمَّم! بمعنى أن محمد سبيلا يَدْعُو إلى قَلْب «السياسة» إلى نَـقِيضِها، حيث أن محمد سبيلا يُبْعِدُنَا عن «الإنسانية»، ويُقَرِّبُنَا من «الحَيوانية». وهو ما نرفضه.
وخلال قراءة محمد سبيلا، نُحِسّ كأن هذا الأخير، يكتفي بِـ «القوانين»، ويَنْقُص من قيمة، أو من ضرورة، «الأخلاق» في المجتمع. وكأن محمد سبيلا لا يُدرك العلاقة العميقة الموجودة بين «القوانين» و«الأخلاق».
 
فالمُشَرِّع (في أيّ مجتمع كَان) يُحاول وضع «قوانين» تُجَرِّم بعض الأفعال الإجرامية، ويُحَدِّد عُقوباتها. لكن أيّ مُشرّع كان، في أيّ بلد كان، لا يستطيع أبدًا أن يفحص، وأن يُـقَنِّـن، كل الأفعال التي تُجَسِّد جُرْمًا، أو التي تكون في صيرورة التحوُّل إلى جريمة. وكأمثلة على ذلك، يعرف خبراء القانون أنه من الصّعب تجريم سُلُوكِيَّات مثل: الكذب، أو التحايل، أو الغشّ، أو المَكْر، أو الرّشوة، أو الانتهازية، أو المحسوبية، أو الزبونية، أو استغلال النفوذ (abus de pouvoir)، أو استغلال مواقع تضارب المصالح (situation de conflit d’intérêts)، أو ارتكاب جريمة المُطَّلِعِين من الدَّاخِل على المعطيات الحَاسِمَة (délit d’initiés)، إلى آخره.
 
ومجمل المُجتمعات المتحضِّرة في العالم تُدرك أنه لا دَاعِيَ لِتَقْنِين وتَجْرِيم كل الممارسات التي تُحْدِثُ ظُلمًا، أو ضَرَرًا، سواء لِلفرد، أم للجماعة. وأنه يكفي أن نضع مَنْظُومة مُختصرة من «القوانين» التي تُجَرِّم الجرائم الرّئيسية، الواضحة، والمُتَمَيِّزَة. أما الجرائم الأخرى التي يَصْعُب وصفها، أو تعريفها، أو ضبطها، أو إثباتها، فمن الممكن أن نتركها لِمَجال «الأخلاق». وفي نفس الوقت، يلزم أن نُرَبِّي جماهير الشعب على تلافي كل التصرُّفات غير الأخلاقية، ونَبْذِها، وذلك بالضّبط من خلال التربية «الأخلاقية». ويمكن للقاضي، عند الضّرورة، أن يستعمل الأفعال التي «تَخْرُق الأخلاق الحَميدَة» كَمُؤَشِِّر على وجود سُوء النِّية، أو كحجّة على قَابِلِيَّة الشخص المُتَّهَم لارتكاب جرائم متنوّعة.
ما معنى ذلك؟ معناه أنه، على عكس ظنّ السيد محمد سبيلا، يستحيل تدبير المجتمع (أو الدولة) بِـ «القوانين» فقط . فالقوانين ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها، ويجب بالضَّرُورة أن نُكَمِّلَ القوانينَ بِـالأخلاق الحميدة. ونحتاج في نفس الوقت إلى أن يحترم مجمل المواطنين منظومة مُحَدَّدَة من «الأخلاق الحميدة». وكل شخص يخرق تلك «الأخلاق الحميدة»، يجب أن يُحاكم (إذا كان القانون يسمح بذلك)، وإلَّا وجب على المجتمع أن يدفع ذلك الشخص المُذنب إلى إصلاح نفسه، مثلًا عبر النّـقد، أو الضّغط، أو العزل، أو الإقالة، أو التنديد، أو الاستهجان، إلى آخره. مع الحِرص دائما على أن يبقى الهدف هو مساعدة المريض على معالجة مرضه، وليس الهدف هو حرمانه من حقوقه، أو تعذيبه، أو هَلاكه، أو قتله.
وتَـتَّسِمُ هذه الأفكار، التي يُبشِّر بها أستاذ الفلسفة محمد سبيلا، بكونها محافظة، ويمينية، ومناصرة للرّأسمالية.
 
عندما يُقَدّم لنا السيد محمد سبيلا أطروحاته السّابقة، يظهر مُعْتَزًّا بنفسه. لأنه يعتقد أنه اكتشف أفكارا "جديدة". ويريد محمد سبيلا إفادة الشعب بهذه الاكتشافات "الفلسفية" الجديدة. فيقدّم للشعب هذه النصائح التالية: «المَكْر، وسُوء النِّيَة، من الشروط البنيوية العضوية الأساسية للعمل السياسي. و[الشخص] الذي لا يتوفّر على هذه الشروط، لا يمكنه أن يَلِجَ عالم الفعل السياسي». مسكين محمد سبيلا ! إنه لا يعرف جيِّدًا مجتمعه ! ولماذا ؟ لأن الشعب لا يحتاج بَتَاتًا إلى مثل هذه النصائح ! ولماذا لا يحتاج الشعب إليها؟ لأن مجمل الشعوب النّاطقة بالعربية، ومجمل الشعوب المُسلمة، أصبحت هي "البَطَلَة" في العالم، التي تجاوزت كلّ الأرقام القياسية في مجالات الكَذِب، والمَكْر، والغِشِّ، والاحْتِيَّال، والتَّزْوِير، والنِّفَاق، والغَدْر، والرَّشْوة، والنّهب، والفَسَاد، والاغتناء غير المشروع، واقتصاد الرِّيع، إلى آخره. ولا ينافسنا في هذا الميدان سوى مُواطُنو "نِيجِيرْيَا". فأرجوك أيها السيد المحترم محمد سبيلا، لَا تَزِدْنَا «كَذِبًا» وَ«مَكْرًا»! يكفي مُجتمعنا مَا هو غارق فيه من «فساد» و«استبداد»!... وقد سبق لِي أن فضحتُ هذا الواقع وانتقدته في كتابي: "نقد الشعب". ولا دَاعِيَ للتَّفْصِيل في هذه القضية هنا.
 
ورغم أن السيد محمد سبيلا اختلف مع قيادة ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، ثم ابتعد عن هذا الحزب منذ سنوات، وذلك في إطار صيرورة تَـفَكُّك وانحلال هذا الحزب، فإن الأفكار اليمينية التي يُبشِّر بها محمد سبيلا تنتمي عُضويًا لظاهرة انحلال ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، وتعبّر جيّدًا عن التِّيه الفكري، أو الانحراف القِيمي، اللذين أصابا هذا الحزب.
وفي العمق، فإن انحطاط أفكار محمد سبيلا، ترتبط عضويا بالانحطاط السياسي والأخلاقي الذي سقط فيه "حزب الاتحاد الاشتراكي"، رغم أن محمد سبيلا ابتعد عن هذا الحزب منذ سنوات.
وفي الختام، لنحاول توسيع تفكيرنا. إذا نحن أنهينا هذا المقال عند هذه النقطة، فإننا سنكون قد "ظلمنا" السيد محمد سبيلا. و"الظلم" مرفوض، لأنه يتنافى مع "الأخلاق"، حتّى ولو كانت المساطر "القانونية" القائمة لا تجرّم هذا "الظلم". فإذا أنهينا هذا المقال هنا، فإننا سَنُعطي للقارئ انطباعًا خاطئًا بأن كل شيء في بلاد المغرب هو على أحسن ما يُرام، وأن المشكل الأساسي في المغرب هو أن شخصا اسمه محمد سبيلا قال: «المَكْر، وسُوء النِّيَة، والكذب ... [ضروريِّين] في العمل السياسي». لكن الحقيقة هي أن محمد سبيلا ليس حاكمًا، ولا وزيرًا، ولا مسؤولا كبيرا في الدولة، ولا منتخبا في البرلمان، أو في المجالس المحلّية، وليس فاعلًا اقتصاديا هامًّا، ولا زعيمًا حزبيًّا. وإنما محمد سبيلا هو مجرد مواطن متواضع، يدرّس الفلسفة، ويتكلّم، ويخطب، ويكتب، وينشر. لكن محمد سبيلا لا يؤثّر لا في الحياة السياسية، ولا الاقتصادية. بل المشكل الأساسي في بلاد المغرب، هو أن معظم أفراد الطبقة الحاكمة، وكذلك أفراد الطبقة السياسية، ومعظم الفاعلين الاقتصاديين، ومعظم المسؤولين الحزبيين، معظمهم لا يتكلّمون، ولا يخطبون، ولا يكتبون، وإنما يمارسون يوميًا، في العَلَن أو في السِرِّ، يمارسون الكذب، والتحايل، والخداع، والغشّ، والنفاق، والتزوير، والنّهب، والفساد، والاستبداد. معظمهم يخرقون القانون، ويدوسون الأخلاق. هذا هو المشكل المجتمعي الحقيقي. ومأساتنا الكبيرة، هي أن غالبية شعبنا، هي أيضًا، تسبح في الجهل، والتخلّف، والخضوع، والانحطاط. بل تُمارس غالبية أفراد شعبنا، ومنذ زمن طويل، تلك السُّلُوكِيَّات المنبوذة التي يبرّرها اليوم محمد سبيلا، مثل الأنانية،والكذب، والغش، والانتهازية، والاغتناء غير المشروع، في مجمل الميادين. لكن هذا موضوع آخر (حَلَّلْتُه في كتابي "نقد الشعب").
 
وواجبنا، ليس هو الانشغال بمواطن بسيط مثل محمد سبيلا، وإنما هو نـقد هؤلاء الأشخاص السائدين في المجتمع، وفضحهم، ومحاسبتهم. لأنهم يخرقون القانون في كل يوم، ويدوسون الأخلاق. فمحمد سبيلا يتكلّم ولا يؤثّر، بينما أفراد الطبقات السائدة والمُسْتَغِلَّة، المستبدِّين والفاسدين، يُؤَثِّرُون، ويقرّرون، ويحدّدون مصيرنا، مصير القَمع، والقَهْر، والخُضُوع، والاستبداد، والاستغلال، والتّفـقير، والتخلُّف، والألم، والانحطاط المجتمعي. فالمشكل الهام يوجد هنا، وليس في محمد سبيلا. وبه نختم هذا المقال.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.