آخر الأخبار :

حول النقاش المفتوح بخصوص ممارسة الشعائر الدينية من طرف يساري


 
ينقسم النقاش أو الأراء بتعبير أدق إلى ثلاث أقسام : 
 
- قسم يرى أنه من حق اليساري أن يمارس الشعاير الدينية مبررا ذلك بأنه حق يندرج ضمن الحقوق الفردية والشخصية للفرد ومعارضة ذلك يعني معارضة حق من حقوق الإنسان التي لا تقبل التجزيئ ، هذا القسم من المناضلين يحاكم ويناقش المسألة من زاوية حقوقية محضة ، كما أنه لا يناقش أو يغض الطرف عن مسألة الحج وتوظيفه من طرف قوى دولية وإقليمية لتمويه الصراع الحقيقي وكذا مصير الأموال التي يدرها الحج .
_ قسم يرى أنه ليس من حق اليساري ممارسة الشعائر الدينية باعتبار ذلك يتنافى مع مرجعيته ويتناقض مع فلسفته في تحليل وتفسير العالم والظواهر ، وقيامه بذلك يعني السقوط في التناقض والتعارض بين فكره وممارسته ، هذا القسم من المناضلين يشير إلى أن الحج كشعيرة دينية موظفة لخدمة أهداف سياسية ميزتها استغلال الحج في استلاب عقول الحجاج من الناحية الإيديولوجية واستغلال الأموال التي يدرها الحج في خدمة أهداف إمبريالية وتمويل حروبها .
- قسم أخر يرى أن المسألة لا تستحق النقاش بالأساس ، ويعتبرها كعظمة رمى بها المخزن لتشتيت الإنتباه عن النقاش الحقيقي " قضية التعليم / قضية التنمية / قضية نهب المال العام / قضية الهجرة / و...." 
تكمن المشكلة الحقيقية في كون هذه المسألة معقدة ويصعب تحديد الموقف الصحيح اتجاهها ، ولا تتعلق أبدا بالرفيق بوطوالة كشخص أو بالحج كشعيرة ، بل تتعلق بالموقف من الدين كجزء من الهوية والتي هي مجموعة من التركيبات  التي تتفاعل فيما بينها وبشكل جدلي في إطار الواقع الملموس لكل جماعة بشرية ولأن الصراع حول الهوية هو في الحقيقة صراع حول مشاريع مجتمعية مختلفة .
ولأن الدين شكل من أشكال الوعي الاجتماعي المشروط بالوجود الإجتماعي وارتباط هذا الوعي بتطور الانتاج المادي خلال مسيرة معقدة من تاريخ الإنسانية فإن الوعي يعد انعكاسا لواقع الاجتماعي .
الدين يلعب أدوارا متناقضة في المجتمع ،فقد يعبر عن احتجاجات الجماهير المضطهدة ،كما قد يكون أداة لصياغة الوهم فيكون غطاءا للإستغلال وتأبيد السيطرة ، لذلك فإن الايديولوجية الدينية ترتبط بطبيعة القوى الإجتماعية التي تحملها ، كما ترتبط بطبيعة الدين وأجنحته كذلك .
لنقم بطرح السؤال التالي : 
هل يجب على الماركسي أن يعادي الدين كعقيدة وشعائر ؟ 
أم أنه يجب أن ينتقد ويفضح التوظيف السياسي للدين والشعائر ؟ 
استنادا للنقد الماركسي للدين ، الذي يقوم على نقد ذلك الوادي من الدموع الذي يشكل الدين هالته المقدسة ، نقد عالم الإنسان أي نقد الدولة والمجتمع ، القانون والسياسية فيتحول نقد السماء إلى نقد الأرض على حد تعبير ماركس .
فوراء الدين تقرأ الماركسية الصراع الطبقي معتبرة أن نضال الطبقات المسحوقة وحده قادر على تحريرها من الإستغلال والإستلاب وأن إعلان الحرب على الدين وجعلها مهمة سياسة لتنظيم ماركسي ليست سوى جملة فوضوية .
كما يجب أن يعي الماركسي أن الدين ينقسم الى عناصر إيمانية وأخرى اجتماعية ، من هنا يجب أن نميز بين الدين كعقيدة ، والدين كشريعة ، كما لا يستطيع أي جاحد أن ينكر بأن الإسلام في بلدنا يتميز بوجهين ، الوجه الرسمي " إمارة المؤمنين وما ينبني عليها من طاعة وولاء لأولياء الأمر ، والوجه الشعبي للإسلام الذي يتضمن قيم مشرقة كالحق والعدل والإستقامة حتى وإن كان مخترقا من الإسلام الرسمي .
وبالعودة للسؤال أعلاه فإن الماركسي يتوجب عليه الايمان بحرية العقيدة وبالحق في ممارسة الشعائر الدينية فإذا كان يناضل من أجل الديمقراطية فإحدى قواعدها هي قبول الحق في حرية العقيدة ، وإذا كان يناضل من أجل إقامة نظام علماني فإحدى أسس وقواعد العلمانية هي الفصل بين الدين كحرية فردية والحق في حرية العقيدة وبين الدين كتشريعات وقوانين ، وإذا كان يناضل من أجل الدولة المدنية فإحدى قواعد قيامها هي قبول وصيانة الحق في ممارسة حرية المعتقد ، وإذا كان يناضل من أجل الدولة الإشتراكية والتي يفترض فيها أن طورت وتجاوزت الديمقراطية البرجوازية يجب أن تضمن هذه الحقوق للجميع وعلى قدم المساواة .
كما يعتبر أن محاولات استئصال الدين وترسيم الالحاد ودسترته في بعض تجارب الإشتراكية البيروقراطية السابقة كان خطأ فادحا ميز تلك التجارب ، لان التركيز الصراع على الجانب الايماني وجعله نقطة رئيسية في البرنامج السياسي لتنظيم شيوعي مسألة خاطئة لكونها تنقل الصراع من الأرض إلى السماء ولأن الدين من هذه من زاوية عقائدية يجيب بالنسبة للبشر على تساؤلات وجودية ذات طبيعة فلسفية تهم معنى حياتهم وموتهم ومصائرهم .
فالإنسان كائن له بعد متافيزيقي ، غير أن هذا لا يعني القبول برؤية غبية للعالم وعدم مناقشة ونقد العقيدة او التساهل مع مظاهر الشعودة وبيع الوهم والخرافة .
سوف أختم هذه المقالة بطرح الأسيلة التالية .
وهنا أود الإشارة إلى ملاحظة قبل ذلك هي أن هذه المقالة لا تناقش شخص زعيم أو قيادي وإنما تناقش كيف يمكننا صيغة جواب يخدم مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحين ؟ 
أي كيف نقوم بصياغة موقف يتميز بقوته في الاستناد على التحليل الملموس للواقع الملموس ، بدون ان نسقط في الفوضوية أو الإنتهازية ؟ 
وهل قام الدارسون والمهتمون بعلم الأديان وبالدين الإسلامي خاصة بدراسة هذا الدين دراسة تاريخية علمية تمكن من وضع تصور للاهوت تحريري إسلامي ؟
كلها اسئلة مطروحة على طاولة النقاد والمجتهدين التقدميين ، ولا مفر من الإجابة عليها لتفادي الأخطاء السابقة في التاريخ .
 
مصطفى بن سليمان 
12/ 09/ 2018




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.